< د. خالد الحري لا يهم المغاربة عدد ملفات لصوص المال العام، التي أودعها المجلس الأعلى للحسابات بالمحاكم، وكم عدد "المجرمين" الذين سيزج بهم في السجن، بل الأكثر أهمية، بالنسبة إليهم، وضع ضوابط صارمة، وآليات فعالة، وأضواء حمراء في كل مكان، حتى لا تمتد الأنامل الخفيفة إلى صناديق الشعب. فحتى من وجهة نظر المصلحة العامة، ماذا سيستفيد المواطنون من إيداع متهمين السجن، أو معاقبتهم ومتابعتهم بتهم نهب المال العام؟ وما هي القيمة المضافة لمحاكمات ماراثونية تنتهي، في أغلب الأحيان، بعقوبات حبسية بسيطة، وغرامات لا تساوي 2 في المائة من الأموال المنهوبة. عكس ذلك، إن الحرص على حماية المال العام في المهد، وضرب حراسة قانونية صارمة على أوجه الصرف والتدبير، سيكون مفيدا جدا لإعطاء بعد إجرائي وطني واضح لمؤسسات الرقابة المالية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات. لا نرغب في القول إن المجلس الأعلى للحسابات، في حد ذاته، تحول (بطريقة عمله وأسلوبه الحالي) إلى عالة على المالية العامة، بالنظر إلى الميزانية الضخمة التي يتحرك بها القضاة والموظفون والمساعدون. لكن ما نلاحظه، إلى حد الآن، يسير في اتجاه فقدان الثقة في مؤسسة دستورية مستقلة مكفول لها، أولا وقبل كل شيء، إيجاد وسائل ومنهجية صارمة لصون مقدرات الشعب وأمواله وحمايتها من الناهبين، وتحقيق نتائج حقيقية في ذلك. فإلى حد الآن، لا يعرف المغاربة المبلغ الحقيقي للأموال المنهوبة في السنوات الماضية، أو الأموال التي تم استرجاعها، وحجم الغرامات المفروضة على اللصوص وطريقة أدائها، وهي نقاط مهمة جدا، تمتحن قدرة أجهزة الرقابة وكفاءتها ونجاعتها في حماية المال العام. لقد جرب المغرب، منذ الاستقلال، أنواع الرقابة على تنفيذ القوانين المالية وميزانيات القطاعات العمومية ومؤسسات الدولة والمكاتب والإدارات العمومية، ومراقبة حسابات الجماعات المحلية وهيآتها، وله تجربة، أيضا، في المحاكم المالية، التي أصدرت عددا بلا حصر من الأحكام والقرارات، دون أن نتمكن من وقف النزيف. إن النزيف لن يتوقف بعمل روتيني وجولات في المؤسسات العمومية والجماعات المحلية وتحرير مجلدات ضخمة تتحدث عن كل شيء، ولا تتحدث عن أي شيء في الواقع، بدليل أن رئيسة المجلس الأعلى للحسابات مرت مرور الكرام بمجلس النواب، ولم يفتح حضورها في مؤسسة تشريعية أي نقاش عمومي، في وقت يشكل مجرد دخول رؤساء مؤسسات الرقابة المالية إلى مجالس برلمانية في دول أخرى، حدثا في حد ذاته. فلا يحتاج مديرو القطاعات العمومية والجماعات الترابية ومؤسسات الدولة إلى "التقويم" البعدي الذي استنفد كل إمكانياته، وأضحى يعتبر لدى البعض بمثابة إعفاء من العقاب والمحاسبة الآنية، بل يحتاجون إلى مراقبة قبلية، وأخرى آنية لصيقة. بهذا فحسب، يصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إجراء إداريا واقعيا، وسيفا مسلطا على الرقاب في كل وقت وحين، بدل انتظار سنوات للنبش في الملفات، مع كثير من الشبهات التي تلاحق الأجهزة باستغلال قضايا المال العام لتصفية الحسابات. إنه الرهان المطروح على المجلس الأعلى للحسابات. فإما أن يكون في المستوى، أو نقرأ السلام على كل شيء.