يحملون ألقابا بصمت حياتهم بالإجرام وحفرت داخلهم ندوبا والقانون عاجز عن حل المعضلة يحمل عدد من الأشخاص، صكوك إدانة بشأن جرائم لم يرتكبوها، وإنما شاءت الأقدار والظروف أن تجعل منهم مجرمين، لا لشيء إلا للارتباط الدموي بأمهاتهم. ورغم أن القانون المنظم للسجون أشار في مادته 138 إلى أنه إذا تمت الولادة داخل المؤسسة السجنية، يصرح بذلك إلى المصلحة المكلفة بالحالة المدنية من قبل المؤسسة أو العون المكلف بالمصلحة الاجتماعية، ويشار في عقد الولادة إلى عنوان المؤسسة دون ذكر اسمها أو الإشارة إلى اعتقال الأم، إلا أنه إجراء يبقى غير ذي أهمية، فالنفسية المهزوزة التي توجد عليها الأمهات السجينات تنعكس على أطفالهن الصغار، وعلى تنشئتهم،ما يؤدي إلى عدم إمداد الطفل بالأمن النفسي. تلك التراكمات التي ينشأ فيها الطفل في سنواته الأولى ترسم في غالب شخصيته، خاصة في غياب الرعاية النفسية والاجتماعية. إنجاز: كريمة مصلي كشف عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن هناك 92 رضيعا بالسجون رفقة أمهاتهم السجينات، بعضهم رأى النور داخل المؤسسة السجنية، وهو رقم قد يبدو في الوهلة الأولى أنه بسيط، إلا أنه أمر صعب بشأن أطفال حرموا من الحرية، لا لشيء إلا لارتباطهم المصيري بأمهاتهم. رضع بالسجون وأقر الوزير بصعوبة الأمر بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الحكومة، من خلال المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، تعمل على ضمان برنامج غذائي متوازن، وتوفير الرعاية الطبية لهؤلاء الأطفال، وتنظيم خرجات ترفيهية لصالحهم، كما أنه تم إحداث وتجهيز دارين للأمهات بكل من السجن المحلي عين السبع 2 البيضاء، والسجن المحلي الأوداية بمراكش، بطاقة استيعابية تبلغ 36 غرفة مجهزة بأسرة خاصة بالأم وأخرى خاصة بالطفل، مضيفا أن توفير الرعاية لهؤلاء الأطفال داخل السجن لا يحل المشكلة، إذ يتعين إخراجهم عند سن معينة، كما يطرح إشكالية الجهة المستقبلة لهم، داعيا إلى التفكير في حل لهذه المعضلة. وسجل أن بإمكان هؤلاء الأطفال أن يدرسوا خارج أسوار السجن بشرط موافقة أمهاتهم. القانون يحاول الحماية ينص القانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، أنه إذا تمت الولادة داخل المؤسسة، يصرح بذلك إلى المصلحة المكلفة بالحالة المدنية من قبل مدير المؤسسة أو العون المكلف بالمصلحة الاجتماعية، ويشار في عقد الولادة إلى عنوان المؤسسة دون ذكر اسمها أو الإشارة إلى اعتقال الأم. ولا يمكن قبول الأطفال الذين يصاحبون أمهاتهـم داخل المؤسسة السجنية، إلا بالموافقة الكتابية للسلطة القضائية المختصة. ويمكن إبقاء الأطفال صحبة أمهاتهم، حتى بلوغهم سن الثالثة، إلا أنه يمكن بناء على طلب الأم، تمديد هذا الحد بموافقة وزير العدل، إلى سن الخامسة، وتتكفل المصلحة الاجتماعية، قبل فصل الطفل عن أمه، بدراسة إمكانية وضعه بجهة تعتني بتربيته، شريطة موافقة من له حق الحضانة. التنشئة الأولى تؤثر التنشئة الأولى والمحيط الاجتماعي لا محالة في تكوين الشخصية العامة لأي شخص، وأي شيء رغم صغره وعدم أهميته يساهم في ذاك التكوين، فلماذا لا يتم السماح لهؤلاء الأمهات بأن يلدن خارج أسوار السجن، حتى ولو كانت الولادة عادية ولا تتطلب أي تدخل طبي عاجل، على اعتبار أن أي مؤسسة سجنية يوجد في دائرتها مستوصف أو مستشفى يمكن أن تتم فيه الولادة، ويدون عنوان المستشفى أو المستوصف في شهادة الميلاد، لأن حقوق الطفل واحدة وثابتة مهما اختلفت ظروف ولادته وتنشئته. وحتى وإن تم ذلك وراء قضبان المؤسسة السجنية، فإن المحافظة على مصلحة الطفل وتأمين أسباب الرعاية اللازمة، يتطلبان إحاطة طبية ونفسية ومتابعة صحية له ولوالدته كذلك، دون أن ننسى أن إقامة الأطفال مع أمهاتهم السجينات، يجب أن تكون في فضاءات خاصة لرعاية الأمهات الجانحات وإيوائهن في فترة الحمل أو الرضاعة، على أن يتممن قضاء عقوباتهن بالمؤسسة السجنية المعدة للنساء بعد انقضاء فترة الرعاية. إنه حق الفرد على المجتمع، في ضمان حياة تتوفر فيها شروط الكرامة الإنسانية، فالقانون الجنائي في فصله 33 أولى عناية خاصة لرعاية الصغير دون السادسة عشرة، بعدم تنفيذ العقوبة السالبة للحرية على والديه، في آن واحد، فما بالك بالذي يولد داخل أسوار السجن؟ ابنتي ضحيتي "خرجت على ابنتي"، بتلك العبارة لخصت حليمة، ما تعانيه وما تسببت فيه عن غير قصد من معاناة لابنتها التي لم تتعد بعد الخامسة عشرة سنة. الأمر حسب حليمة يعود لسنوات، أو بالأخص قبل 14 سنة وسبعة أشهر، عندما ولجت السجن وهي حامل بطريقة غير شرعية، لم تكن ساعتها تعلم بحملها، فقد اعتقلت على خلفية قضية ضرب وجرح باستعمال السلاح، مع إحداث عاهة، بثلاث سنوات حبسا نافذا. وخلال وجودها بالسجن اكتشفت أنها حامل، وحاولت إجهاض نفسها إلا أنها لم تتمكن من ذلك. مرت شهور الحمل عليها كأنها سنوات، واضطرت إلى مجاراة باقي السجينات لأجل ان تحظى بالحماية والعطف. بعد أن جاءها المخاض نقلت إلى المستشفى حيث وضعت طفلتها، وحاولت التخلص منها في المستشفى، غير أنها لم تتمكن للمرة الثانية، فقبلت بالأمر، لم تتمكن أن تتقبل طفلتها خلال السنوات الثلاث التي ظلت معها، فهي بالنسبة إليها مجرد خطأ لا يمكنها تحمل تبعاته. انقضت المدة المحكوم بها بعد أن خفضت استئنافيا إلى سنتين، وغادرت أسوار السجن مع طفلتها. كان همها الوحيد هو التخلص من الطفلة فوضعتها قرب إحدى دور الرعاية الاجتماعية، وغادرت المكان مسرعة، ولم تعلم بخطورة الفعل الذي قامت به إلا بعد مدة، إذ عادت إلى الخيرية لتبحث عنها واعترفت بأنها والدتها وأن لا مأوى لها. تعاطف المسؤولون عن الخيرية مع وضعها، على أن تبقي الطفلة في الخيرية وتحضر لزيارتها، ظنت أنها ضمنت لها مستقبلا بعيدا عن صراعاتها العائلية. تحكي حليمة أنه لما بلغت ابنتها السادسة ارتكبت جريمة ثانية أدخلتها السجن لست سنوات، خرجت بعدها لتكتشف أن ابنتها غادرت المؤسسة وأضحت تتسكع في الشوارع وتتعاطى المخدرات، خاصة بعد أن علمت أنها نتيجة علاقة غير شرعية، وأن والدتها أنجبتها لما كانت في السجن. بحثت عنها في كل مكان وما إن كانت تجدها حتى تختفي مرة أخرى. هي معاناة مستمرة لأطفال لا ذنب لهم سوى أن أمهاتهم سجينات. طفولة مقهورة وصمة عار تلك التي رافقت أحمد منذ نعومة أظافره، إذ قادته الأقدار أن يولد داخل السجن، بعد أن اتهمت أمه في جريمة حكم عليها من أجلها بعشر سنوات. ولد أحمد داخل المؤسسة، وظل برفقة أمه إلى غاية السنة الثالثة، وهو العمر الذي يفترض فيه أن يغادر حضن أمه نحو المجهول. ظلت تلك النظرات الشاحبة من وجه أمه في مخيلته يوم حضرت خالته لتستلمه من إدارة السجن للعيش معها في انتظار استكمال أمه للمدة المحكوم بها عليها، والتي أضحت نافذة بعد تأييدها استئنافيا ورفض النقض الذي تقدمت به. شكلت تلك اللحظة مفترقا حقيقيا في حياته، إذ خرج إلى عالم مجهول لم يعتده من قبل، وحرم من حضن أمه، ورغم محاولة خالته أن تجعله في مرتبة واحدة مع ابنيها، إلا أن الواقع كان غير ذلك، فزوج خالته قبل به على مضض، وكان دائما يحاول إبعاد ابنيه عنه، كلما عاد إلى المنزل، كان يناديه مرات ب"ولد المحابسية"، كلمة ظلت تصاحبه حتى في المدرسة، فكل أولياء أمور التلاميذ كانوا يحذرون أبناءهم من مرافقته. لم يكن يدرك جيدا معنى تلك الكلمة حتى بدأ عوده يشتد، وأضحى يفهم معناها جيدا، خاصة مع قرب خروج أمه من السجن، ورفض زوج خالته أن يظل برفقتهم، عوامل كلها دفعته إلى مغادرة المنزل رغم صغر سنه، وشرع في التسكع في الشوارع، وكاد أن يكون مصيره السجن مثل والدته، لولا الظروف التي وضعت في طريقه جار خالته الذي قرر أن يأخذه للعيش معه رفقة زوجته، وانتشله من مستقبل مظلم، بل إنه فتح الباب أمام والدته للعيش معهم، لأنه كان يعي جيدا الظروف التي دفعتها إلى ارتكاب تلك الجريمة، بل شكل ذلك الرجل حصنا للابن أمام ما كان يتعرض له من مضايقات. يحكي أحمد أن ظروفه ربما تكون أحسن من كثير من الأطفال الذين يولدون داخل السجن ويصبحون مجرمين ليس رغبة منهم، ولكن لأن المجتمع لا يمنحهم ضمانات العيش الكريم.