الجماعات الترابية تمارس اختصاصا غير قانوني وجمعيات تعاني عجزا ماليا صار النقل المدرسي بالعالم القروي، بإقليم اليوسفية، مشكلا يؤرق الجماعات الترابية ويشكل عبئا كبيرا عليها، فجماعات الإقليم ترى في النقل المدرسي إشكالا حقيقيا، يحتاج إلى حل جذري، في وقت تهدد الجمعيات بالتملص من الاتفاقيات التي تربطها بها، بحكم أن الجمعيات تعاني عجزا يتفاقم سنة بعد أخرى. فهل أثبت فعلا النقل المدرسي نجاعته في حل أزمة الهدر المدرسي؟ وهل تتوفر مؤسسات الدولة على حلول وبدائل لهذه الأزمة؟ أسئلة وأخرى نحاول الإجابة عنها من خلال هذا الربورتاج. إنجاز: محمد العوال (اليوسفية) الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحا، «أيمن» تلميذ في الثانية عشرة من عمره، يتحدر من دوار «الكرارمة»، ويتابع دراسته بالثانوية الإعدادية يعقوب المنصور بأجدور، ينتظر وصول سيارة النقل المدرسي، لأنه الحل الوحيد للوصول إلى الفصل، يقول أيمن «أستقيظ قبل الفجر، لأن سيارة النقل المدرسي ستعرج على مجموعة من الدواوير لنقل تلاميذ آخرين»، مؤكدا أنه يفضل العودة في المساء بعد السادسة، ويكتفي بتناول وجبة مكونة من الشاي وكسرة خبز بمحيط المؤسسة. «أحمد»، تلميذ آخر يتحدر من أحد دواوير جماعة اجنان أبيه، يحكي بحرقة عن معاناة لا تنتهي مع النقل المدرسي «قد أغادر المدرسة في العاشرة صباحا، ولكن سأظل بالخارج، إلى الثانية عشرة، لأن سيارات النقل المدرسي تعتمد توقيتا من الثامنة إلى الثانية عشرة ظهرا، ومن الثانية إلى السادسة مساء». خديجة، (13 سنة)، التقيناها رفقة زميلاتها قرب مركز البريد بالشماعية، أكدت لـ «الصباح» أنها تتحدر من أحد دواوير «الطياميم»، وتتابع دراستها بالثانوية الإعدادية مولاي الحسن بالشماعية. كانت الساعة تشير إلى الخامسة إلا ربع، تؤكد خديجة أنها أنهت دراستها في الساعة الرابعة، لكنها تنتظر الساعة السادسة للوصول إلى الدوار. ما أن فتحنا معاناة النقل المدرسي مع خديجة، حتى انفجرت كبركان، تتحدث بلغة صادمة وهي تغالب دموعها، وتقول «أكثر من 40 تلميذا وتلميذة يتنقلون في سيارة النقل المدرسي، يتم تكديسنا كالحيوانات»، وتضيف «أنا الآن سأنتظر إلى السادسة، لأتوجه إلى منزلنا... هنا نتعرض للتحرش والكلام النابي، من قبل شباب دأبوا التردد على فضاء المؤسسة للتحرش بنا». من حين لآخر، كانت فاطمة الزهراء تقاطع خديجة، وهي تكشف عما أسمته غبنا اجتماعيا، «لنا طموح لتغيير واقعنا الاجتماعي، كنا نأمل في أن نضمن مقعدا بالداخلية أو دار الطالبة، لكن ما باليد حيلة، المحظوظات من يتوفرن على وسيط يضمن مكانا لهن هناك». اعتبر جمال فردوس، فاعل جمعوي بإقليم اليوسفية، أن النقل المدرسي لم يحقق النجاعة المرجوة، بل زاد من ضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ. ويفسر فردوس ذلك بالقول «التلميذ الذي يستفيق في السادسة صباحا، وينتظر قدوم النقل المدرسي، ثم يتوجه للمؤسسة في سيارة مكتظة، ثم يقضي وقتا آخر خارج أسوار المؤسسة تحت لهيب الشمس أو البرد، في حين تلاميذ آخرون يستفيدون من الداخليات أو دور الطلبة، سيصل إلى منزلهم في المساء في حالة تعب وعياء شديدين، وبالتالي فالقدرة على إعداد دروسه ومراجعتها تكون صعبة، أو بمردودية ضعيفة، وهذا يؤثر على عطاء التلميذ، ويضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص». عبء واختلال مالي للجماعات تعيش العديد من الجماعات الترابية أزمة مالية خانقة، نتيجة ما يكلفه تدبير النقل المدرسي. فجماعة «الطياميم»، التي تم إحداثها إثر التقسيم الإداري لـ 1992، واحدة من أفقر جماعات اليوسفية، إذ لا تتوفر على أي مداخيل باستثناء الضريبة على القيمة المضافة، التي يتم صرف نسبة 80 في المائة منها، لأداء أجور ومستحقات الموظفين وانخراطهم في صناديق الضمان الاجتماعي. وترصد الجماعة سنويا 25 مليونا منحة بموجب اتفاقية لجمعية «انطلاقة» للنقل المدرسي. ووضعت الجماعة رهن إشارة الجمعية أسطولا من خمس سيارات للنقل المدرسي، تنقل 470 تلميذا، خلال الموسم الدراسي الحالي، وهو رقم مرشح للارتفاع خلال الموسم المقبل. وفي هذا الصدد، يقول عبد اللطيف كوميا، نائب رئيس جماعة «الطياميم»، «نعيش معاناة حقيقية، فالنقل المدرسي بتراب الجماعة يشمل حتى تلاميذ الابتدائي، على اعتبار أن مجموعة من الدواوير لا تتوفر على مؤسسات أو حجرات للتعليم الابتدائي، وبالتالي فسيارات النقل المدرسي ملزمة بنقل التلاميذ في سن مبكرة، ما يتطلب التعامل بحزم معهم والسهر على ولوجهم إلى داخل المؤسسة، وإعادتهم فور مغادرة المدرسة إلى منازلهم». من جهته، اعتبر عضو من الجمعية الموكول لها تدبير النقل المدرسي، أن الجمعية تعاني عجزا ماليا يصل إلى 10 ملايين، مؤكدا أن الجمعية تؤدي أجور السائقين وتتكفل بإصلاح السيارات وتغيير الإطارات المطاطية، وواجبات المحروقات والقيام بتغيير زيوت السيارات وغيرها من المصاريف. وبجماعة «اجنان ابيه»، تم رصد 60 مليونا سنويا لتدبير النقل المدرسي، إذ تتوفر الجماعة على 11 سيارة للنقل المدرسي. ويؤكد مصدر من الجماعة أن هذا المبلغ ينضاف إليه مبلغ آخر قدره 15 مليونا، يخصص لمصاريف الإطعام واستقبال للتلاميذ الموجودين بدار الطالبة. ولم يخف المصدر أن هذه الاعتمادات المالية غير كافية، ولا تسد كافة مصاريف الجمعية في غياب الدعم من مؤسسات أخرى. ويؤكد مصدر فضل عدم ذكر اسمه، أن سيارات النقل المدرسي بـ «اجنان أبيه» مثلا تنقل أزيد من 900 تلميذ يوميا صوب المؤسسات. ويقدر الخصاص في عدد السيارات بجماعة «اجنان ابيه» ما يعادل ست سيارات. لكن مصدرا من الجماعة أكد لـ «الصباح»، أن الإشكال ليس في برمجة اقتناء سيارات أو تقديم ملتمسات لوزارة الداخلية أو العمالة أو الجهة، وإنما في أن كل سيارة جديدة تتطلب رصد اعتماد مالي إضافي. وزاد من تأزيم الوضع مجانية النقل المدرسي، إذ في الوقت الذي يرى فيه كثيرون أنه كان حلا للعديد من الأسر المعوزة، علما أن الأداء كان لا يتعدى في السنة 100 درهم أو 150 درهما، فإن بعض المهتمين بالشأن المحلي يعتبرون أن القانون لا يسمح بتقديم خدمات مجانية، لأن المجلس الجهوي للحسابات صار يعتبر أن عدم استخلاص واجبات نقل المرضى في سيارات الإسعاف الجماعية، تقاعس عن تحصيل مداخيل عمومية. الوضع المتأزم لتدبير النقل المدرسي ليس حكرا على جماعات بإقليم اليوسفية دون أخرى، بل يمتد ليشمل كل جماعات الإقليم كسيدي شيكر وإيغود والخوالقة والكنثور والسبيعات ورأس العين وأجدور. تدابير خارج الاختصاص يرى متتبعون أن العبء الذي تعيشه الجماعات الترابية اليوم بسبب النقل المدرسي، يعود إلى ترامي هذه الجماعات على اختصاص حصري للمجلس الإقليمي، إذ أن المادة 79 من القانون رقم 112.14، المتعلق بمجالس العمالات والأقاليم، ينص على أن «ّالعمالة أو الإقليم تمارس اختصاصات ذاتية داخل نفوذها الترابي في ميادين النقل المدرسي في المجال القروي، (...)». ويرى متتبعون للشأن المحلي، أن القانون رقم 113.14، المتعلق بالجماعات الترابية، لم يشر قط إلى أن تدبير النقل المدرسي يندرج ضمن اختصاصات الجماعات. ويفسر مسؤول جماعي الأمر، بأن مجالس العمالات والأقاليم، لم تتحمل مسؤوليتها في هذا الجانب، بعدما كان عمال الأقاليم هم الآمرون بالصرف، إذ رموا بالكرة إلى ملاعب الجماعات، إدراكا منهم للمشاكل التي قد تنتج عن تدبير هذا القطاع. ولم يتوقف الأمر عند تملص المجالس الإقليمية من مسؤوليتها في تدبير النقل المدرسي، بل تعداه إلى أن المجلس الإقليمي لا يقوم بتخصيص منح للجماعات الترابية أو الجمعيات التي تدبر النقل المدرسي، لتخفيف العبء عن الجماعات. كما أن الجماعات الترابية تتعامل مع جمعيات أغلبها في وضعية غير سليمة تجاه المجلس الجهوي للحسابات، إذ أن ضخ منحة أي اتفاقية، لا يتم إلا بعد الإدلاء بنسخة من وصل إيداع التقريرين الأدبي والمالي السنوي للمجلس الجهوي للحسابات. أي حلول لأزمة تتفاقم؟ لا يختلف اثنان على أن النقل المدرسي هو كرة الثلج، التي تكبر يوما بعد آخر بين أيدي رؤساء الجماعات، إذ أن الأزمة ستستفحل مع ارتفاع أعداد التلاميذ، إذ أن مؤشرات الخرائط المدرسية، تشير إلى أن عدد التلاميذ بإقليم اليوسفية يزيد بنسب مرتفعة، أمام تراجع مؤشرات الهدر المدرسي، في ظل برنامج «تيسير»، والنقل المدرسي، وهو ما ستكون معه الجماعات الترابية بالإقليم مطالبة بإيجاد أجوبة وحلول لتجاوز هذا الوضع. وإذا كانت السلطات الإقليمية تعتبر أن حل مشاكل النقل المدرسي يمر عبر توفير سيارات للنقل من الجهة أو المجلس الإقليمي، فإنها كمن يسكب الزيت على النار، إذ أن توفير إمكانات مالية لتغطية الخصاص، وإلزام الجمعيات المتعاقد معها باحترام مدونة الشغل، من خلال إنجاز عقود عمل مع السائقين والتصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحد من الحلول الممكنة.ويرى بعض المتتبعين، أنه أمام عدم رغبة السلطات الوصية في تطبيق القانون، وإلزام المجلس الإقليمي بممارسة اختصاصاته الذاتية، وجب التفكير في إحداث «مجموعة جماعات احمر للنقل المدرسي»، على أساس أن يتم انتخاب ممثلين عن كل جماعة معنية، وتحويل منحة من المجالس إلى هذه المجموعة، بالإضافة إلى منحة من المجلس الإقليمي لتغطية الخصاص وتجاوز العجز المالي.وتضيف المصادر أن من بين الحلول ممارسة المجلس الإقليمي لاختصاصه، وهنا يمكنه اللجوء إلى التدبير المفوض للقطاع، والاعتماد على دعم وزارة الداخلية. وكحلول مؤقتة، صار لزاما إحداث دور للطالبة وأقسام داخلية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية لتلك الموجودة، وإحداث مؤسسات تعليمية بالمناطق التي تعرف خصاصا بمختلف جماعات الإقليم لتجاوز هذا الوضع المتأزم.