أول مغربية تتوج بجائزة دولية لنضالاتها في مجال حقوق الإنسان تضعها إلى جانب شخصيات مانديلا ولوثر كينغ وكارتر شهد مطار الرباط سلا، أمس (الخميس)، إنزالا قويا لعدد من الفعاليات الحقوقية والسياسية والمدنية، حضروا لاستقبال خديجة رياضي، بعد تتويجها بجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تسلمتها في نيويورك. ووجهت لجنة التنسيق في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الدعوة إلى فعاليات سياسية وحقوقية من أجل الحضور بكثافة إلى المطار، حيث خصص لها استقبال شعبي كبير، انطلق بموكب سيارات عاد بها مباشرة إلى المقر المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط. وشكل تتويج خديجة رياضي، بالجائزة السنوية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حدثا حقوقيا تزامن مع احتفالات عاشر دجنبر، إذ تمنح الجائزة مرة كل خمس سنوات منذ سنة 1968، تتويجا لأهم المدافعين عن قضايا حقوق الإنسان، سواء تعلق الأمر بالهيآت أو الأفراد. وتعد رياضي أول امرأة عربية تفوز بالجائزة، بناء على استفتاء أجرته لجنة الخبراء بالأمم المتحدة، لتضعها بذلك الجائزة إلى جانب شخصيات عالمية حظيت بالتتويج الأممي، منها مارتن لوثر كينغ، والرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والراحل نيلسون مانديلا، كما حازت هيآت حقوقية مثل منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر الدولي وهيومن رايتس ووتش، هذه الجائزة تقديرا لجهودها في المجال الحقوقي. وتوجت رياضي بالجائزة الأممية تقديرا للدور الذي لعبته في مجال ترسيخ حقوق الإنسان، ونضالات إبان الفترة التي شغلت فيها رئيس للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، علاوة على دورها كمنسقة لشبكة حقوقية ومدنية تضم أكثر من 22 هيأة غير حكومية بالمغرب، تشتغل في قضايا حقوق الأفراد وعدم الإفلات من العقاب والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية.ويأتي تتويج رياضي في سياق وطني يتميز بحراك حقوقي كبير، تلعب فيه المنظمات الحقوقية الحكومية وغير الحكومية دورا كبيرا، كما يتزامن التتويج مع المسار الإصلاحي التي تعرفه الترسانة الحقوقية في المغرب، والجدل الدائر بشأن بعض التراجعات التي عرفها احترام حقوق الإنسان، بشكل خلق مؤشرات مقلة بشأن "نفاد" إرادة الدولة في التطبيع مع مطالب الحقوقيين.وكان إدريس اليازمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، دافع عن التطورات الإيجابية التي عرفها الحقل الحقوقي في المغرب، معتبرا، في ندوة له الأسبوع الماضي، أن المغرب انخرط خلال العشرية الأخيرة بواقعية وجرأة في مسار حقوق الإنسان، وأضحى قادرا على مواجهة التحديات الآنية والمستقبلة، مضيفا أن التجارب التي راكمها في مختلف مراحل تثبيت ودعم مجال حقوق الإنسان، التي انطلقت مع إنشاء هيأة الإنصاف والمصالحة وخلق آليات لتحقيق العدالة الانتقالية ووضع القطيعة مع ماضي الانتهاكات واستمرت مع فتح أوراش تنموية وإصلاحات دستورية وإنشاء المؤسسات الدستورية وتعزيز الديمقراطية، كلها جعلت المغرب "مرجعا إقليميا ودوليا في مجال حقوق الإنسان في ظل التحولات السياسية التي تعرفها المنطقة". إحسان الحافظي رياضي... مهندسة "الالتزام" التطبيقي كوفية فلسطينية وحذاء رياضي وسروال جينز وتقطيعة شعر غير مصففة، "تقليعتها" المفضلة وهي تسير، يوميا، على البساط "الأحمر" المفروش أمام الساحة المقابلة لقبة البرلمان بالرباط، حيث اعتادت هذه الأمازيغية القادمة من تخوم تارودانت ممارسة رياضة الركض في الأزقة المجاورة لمقهى باليما يتعقبها، عادة، "رجلا" أمن لا يدريان أن "المرأة" خرجت أصلا للدفاع عن حقوقهما في البدء والمنتهى."دمي على الإسفلت والحائط"... ليس مجازا من شعر محمود درويش، بل حقيقة تتحسسها خديجة الرياضي في أنحاء مختلفة من جسدها التي أتعبه الضرب والسلخ والسحل، كلما نزلت إلى "عرس" احتجاجي في أنحاء الوطن، حتى إن أكثر صورها "أناقة" تلك التي تضع على وجهها مسحوقا من دم وغبار، بسبب الرضوض والكدمات، أو محمولة، ما بين الإغماء والإنهاك، على "عمارية" في "زفة" شبه يومية أمام قبة البرلمان. لكن أكثر الصور صدما، حين جلست الرياضي، ذات ليلة رمضانية، بجانب ابنها أمام ساحة البريد، وكلاهما تغطي وجهه بقع من الدم، نكاية بهما بعد أن احتجا ضد عفو ممسوخ، سمح بمغادرة سفاح أطفال، اسمه دانييل كافاني، أرض الوطن. منذ بداية دراستها الجامعية الرباط، وقبل ذلك في باحات النضال التلاميذي بتارودانت ومراكش، ظلت الرياضي تعتنق دينا اسمه الوطن، ويخفق قلبها لعقيدة الإنسان ومملكته التي تسمو على ممالك الحكام والسلاطين، لذلك ارتمت، منذ نشأتها الأولى، في جبهة الدفاع عن حقوق المرأة التي اعتبرتها مدخلا أساسيا للدفاع عن حقوق الإنسان بعهودها ومواثيقها مجتمعة، مؤكدة، غير ما مرة، أن أي مساس بحقوق الأمهات والزوجات وخادمات البيوت وعاملات الجنس وكادحات المصانع، مساس بالحقوق جميعها. من بوابة النضال النسائي والالتزام السياسي الملتزم بقيم اليسار والكرامة والعدالة والاجتماعية، وجدت الرياضي في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أفقها التنظيمي، حيث ظلت مهندسة الإحصاء والاقتصاد التطبيقي "تحصي" ساحات النضال الحقوقي، بالقدر الذي تدقق في الأرقام ومؤشرات النمو وتحولات البنيات الديموغرافية والتحولات الاجتماعية.تحولت الرياضي، منذ سنوات، رفقة زملائها في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أمثال عبد الحميد أمين، وعبد الإله بن عبد السلام وآخرين، إلى أيقونة نضال في ساحات الاحتجاج، وأثبتت، على الأرض، خواء الفروق البيولوجية وزيف الذكورة ووهم ثنائية رجل وامرأة، مبرهنة أن المساواة بين الجنسين، ليست هبة أو هدية يمنحها الذكور للإناث، بل استحقاق وفعل وحق ينتزع في الواجهات الأساسية للنضال، لذلك كان وصولها إلى رئاسة أكبر جمعية حقوقية بالمغرب، انتصارا لكل المناضلات الحقوقيات وحقهن في القيادة وتقرير مصيرهن. وجدت الرياضي، ذات 53 ربيعا، حيث وجدت آهات المظلومين والمقهورين، لذلك فضلت "حقيبة كتف" حبلى بالملفات والوثائق والشكايات والتظلمات، عوض حقيبة يد لأصابع الشفاه ومساحيق، لتجميل وجه الوطن، وربما لذلك أيضا، فضلت تذكير العالم، وهي تتسلم أرفع جائزة لحقوق الإنسان تسلمها قبلها نيلسون مانديلا ومارتن لوثور كينغ وجيمي كارتر، أن ثمة معتقلي رأي من نشطاء 20 فبراير صنعوا، يوما، مغربا بألوان الربيع، قبل أن تطاردهم السجون والعصي مثل "كلاب مسعورة".هكذا هي بالضبط، لا تعرف كيف تبلع لسانها، أو تكون "ديبلوماسية" في المواقف التي تتطلب واقعية أكثر، وهي الواقعية التي جرت عليها اتهامات التخوين والعمالة ووضعتها في دائرة "الغموض" وهي تناصر في الوقت نفسه اليساري والإسلامي والانفصالي والوحدوي والملحد والمتدين، دون فروق سياسية أو إديولوجية لا تستقيم مع العمل الحقوقي بمفهومه الكوني الواسع. لم تناضل الرياضي من أجل جائزة أو هبة، ولم تنتظر هدية من أحد، لذلك حين ورد اسمها ضمن المتوجين بجوائز الأمم المتحدة، اعتبرته تكليفا جديدا في درب النضال الحقوقي، وثباتا والتزاما من أجل مغرب ممكن، ينتزع حقوق أبنائه على حد الدم والمطاردات والزنازين. ي. س