شوارع وأزقة مكتظة وسائقون متذمرون من كثرة الأشغال بعد أشهر من الهدوء، عاد الصخب ليخيم على البيضاء، وزادت حدة اكتظاظ الشوارع والأزقة، ما أدى إلى تذمر السائقين والراجلين ومستعملي النقل العمومي على حد سواء، وما زاد الطين بلة، عودة مئات الآلاف من التلاميذ إلى المدارس، ما سبب اختناقا في شرايين المرور بالعاصمة الاقتصادية، خاصة في فترات محددة من اليوم، إذ تتحول البيضاء إلى «معرض» موسع من السيارات والحافلات، تسيير ببطء شديد، نتيجة اختناق المرور، وهو ما أعاد النقاش حول البنيات التحتية بالبيضاء، والتي تأكد بالملموس أنها عاجزة عن استيعاب ملايين البيضاويين، وجعل التفكير في بدائل أخرى ضرورة ملحة. الدخـول يشـل حركـة المـرور بيضاويون يعانون الازدحام الشديد في حركة السير وغياب حلول إستراتيجية عاشت البيضاء في أشهر الصيف المنقضية، وضعا طبيعيا، في ما يتعلق بحركة المرور، بسبب مغادرة العاصمة من قبل كثيرين، قصد قضاء عطلة الصيف، إضافة إلى توقف الدراسة، غير أن عودة السكان إلى منازلهم، إضافة إلى رجوع العمال، وانطلاق الموسم الدراسي، أزم وضع البيضاء، وأصاب شوارعها بالشلل. اختناق على غير عادته، تحول شارع الزرقطوني، الذي يعرف بأنه من أرقى شوارع البيضاء، إلى «مقبرة» للعربات، خاصة بعد الرابعة عصرا، إذ يغادر العمال مقرات عملهم، والأمر نفسه بالنسبة إلى التلاميذ، وتصبح السياقة في هذا الشارع تحديا لكثيرين، خاصة في بعض النقاط والمدارات، كما هو الشأن بالنسبة إلى تقاطع الزرقطوني مع شارع إبراهيم الروداني، وتقاطعه أيضا مع شارع أنفا، إذ يضطر البعض إلى انتظار مدة طويلة قبل أن يمر، كما أن الراجلين الراغبين في قضاء أغراضهم بسرعة، لا ينتظرون إشارات المرور، التي تأخذ وقتا طويلا، ويضطرون إلى العبور وسط السيارات، في محاولة خطيرة للمرور للضفة الأخرى. ولا يقتصر الأمر فقط على الفترة المسائية، إنما في الصباح أيضا، الذي يحج فيه آلاف الأشخاص نحو مركز العاصمة الاقتصادية، من المقاطعات والأحياء البعيدة من المركز، وهو ما يزيد من حدة الضغط على شوارع وسط المدينة، والمناطق الاقتصادية، التي تحتوي على عدد كبير من الشركات والأوراش. يقول علي، وهو شاب في مقتبل العمر، يقود سيارة أجرة صغيرة، في تصريح لـ «الصباح»، إن هذه الفترة من السنة تكون صعبة جدا، مبرزا أن «السائقين العاديين يقودون سياراتهم مدة ساعة أو ساعتين في اليوم، لكن السائق المهني يعيش هذا الاكتظاظ بكل تفاصيله، ويضطر للتأقلم معه، رغم أنه من الصعب تحمل حجم «الأعصاب»، التي تسببها السياقة في هذه الظروف». وتابع علي، أن السائقين المهنيين، أصبحت لديهم «فوبيا» من بعض الشوارع، خاصة في الفترة المسائية، إذ يضطرون إلى رفض طلبات الزبون، أو يفضلون التوقف لمدة معينة عن العمل، على أن يلجوا بعض المناطق، التي تعتبر السياقة فيها عقابا للسائق، حسب تعبير المتحدث ذاته. شلل رغم الاكتظاظ الذي تعرفه مناطق كثيرة في البيضاء، إلا أن وسط المدينة يبقى «شبحا» يخيف السائقين، إذ بمجرد الاقتراب من شوارع وسط المدينة، يصبح التحرك بسرعة السلحفاة مصير السائق، خاصة في نقاط مرور الراجلين، من قبيل المسار المؤدي إلى ساحة الأمم المتحدة، أمام فندق «حياة ريجنسي»، إذ يرمي الراجلون بأنفسهم أمام السيارات، ويضطر السائق إلى انتظار دقائق قبل أن يسمح له بالمرور، وعندما يتجاوز هذا المعبر، يجد نفسه أمام إشارة حمراء، يمكن أن تبقى مشتعلة لدقائق بدورها. ويشهد شارع الجيش الملكي بوسط المدينة، الاكتظاظ نفسه، فرغم المعبر تحت أرضي، الذي افتتح قبل أشهر، والذي خفف نسبيا من الاكتظاظ، إلا أن واقع الازدحام مستمر، خاصة بعد الرابعة عصرا، والأمر نفسه ينطبق على الشارع الذي يمر بالقرب من محطة القطار (البيضاء الميناء)، إذ يشهد «بلوكاج» أحيانا، خاصة أن أرباب سيارات الأجرة يركنون عرباتهم في الشارع، في انتظار زبائن، وهو ما يؤدي إلى ازدحام لا يطاق. عصام الناصيري الحي الحسني والألفة تحت الحصاربطء الأشغال واختناق حركة المرور والأمن يعزف عن تسجيل المخالفات أمام المدارس "في العجلة الندامة"، مقولة لو عاش صاحبها بالبيضاء لندم على حكمته، ما دامت طرقاتها تطبق نصيحته حرفيا، بل تزيد فيها، فتصاب شرايين الحركة الاقتصادية بالشلل، لأن اختناق حركة المرور أصبح مستعصيا على الحل. يكاد حيا الحسني والألفة يشبهان المدن القديمة التي تفتقر للبنية التحتية، فالتوجه إلى المنطقة يؤكد أن المسؤولين لا يأبهون بمعاناة السكان، ولا ينصتون إلى احتجاجاتهم، ولا يهمهم جحيم السائقين مع الطرقات المتربة أو المغلقة بفعل الأشغال. مازاد في الطين بلة أن الأشغال في الحي الحسني والألفة يتكلم المشرفون عليها لغة العبث، ففي الوقت الذي كان يفترض إنجازها في العطل وفترة الحجر الصحي، ظلت متوقفة، ولم تنطلق إلا مع الدخول المدرسي، حيث تمتلئ الطرقات بالسيارات الخاصة وسيارات النقل المدرسي، ويصبح قطع مسافة قصيرة يستغرق ساعات، في ظل غياب لجان تتبع الأشغال، أو جهات مكلفة بالمراقبة في كل الأوراش المفتوحة، علما أن الشركات المكلفة بإنجازها لا تأبه إلى الحفر، بل تعمد إلى وضع حواجز حديدية لمنع المرور، ثم تختفي عن الأنظار، أو تباشر الإنجاز بسرعة السلحفاة في أحسن الأحوال. في حي القطب المالي بالألفة وضعت الشركة المكلفة بإنجاز "الحافلات الكهربائية" حواجز حديدية، وقضمت إسفلت الشارع، ولم تترك إلا مسافة صغيرة لمرور آلاف السيارات والعربات المجرورة بالدواب وحافلات النقل والدراجات النارية، ثم اختفى العمال مثل الأشغال، وطيلة شهور لم تنجز إلا أشغال بسيطة، علما أنه تفترض السرعة في إنهائها، حتى يتخلص السكان من معاناتهم، وطيلة مسافة قاربت ستة كيلومترات، لا يوجد إلا بضعة عمال داخل الورش، بعضهم واقف يراقب، وآخرون يتحدثون. سرت اللامبالاة في شرايين الشوارع، وأصابها العبث بحالة سعار شديدة، فكل مناحي الحياة اليومية بها أصابها الشلل، وزاد الأمر سوءا مع الدخول المدرسي، حيث سيارات النقل المدرسي أو سيارات الآباء أمام المؤسسات التعليمية، كما هو الشأن بطريق أزمور بالحي الحسني، حيث يفضل بعضهم ركن سيارته عشوائيا، وليذهب الجميع إلى الجحيم، فالأمن لا يتدخل لتسجيل المخالفات، ويكتفي إن وجد بالمشاهدة. صارت حركة السير مستحيلة، والكل متواطئ، فالطرق موصدة، والشوارع مغلقة، وحتى التي لم تُغلَق، فإن الحفر و" لي ضوضان" تفشت بها، وضجيج منبهات السيارات يصم الآذان، وغازاتها العادمة تملأ الفضاء... ولا أحد يبالي، بل إن مدارات أساسية أصبحت نقطا سوداء، قلما يوجد بها رجل أمن لتنظيم حركة المرور، كما هو الشأن في مدارة الفردوس. لا يخفي السائقون استياءهم من الأشغال التي لا تنتهي، إذ أكد متضررون أنها شبه متوقفة، علما أنه تفترض مباشرتها في الأوقات التي لا تشهد الطرق اكتظاظا، كما جرت به العادة في المدن الكبرى، خاصة أن أحياء بكاملها تحيط الأشغال بها من كل الجهات. إنها حالة البيضاء، الآن، ففي الثمانينات كانت أشبه بلوحة تشكيلية تسحر سكانها، وتتنفس عطرا في شوارعها الرئيسية، وربما تتفوق على باريس في أنوارها الساطعة ليلا، ولندن في نظافتها ونيويورك في انسياب حركة المرور بشوارعها، إلا أن سنواتها الأخيرة جعلتها مدينة "مجنونة". خالد العطاوي