موقع الوزراء الدستوري بعد انتظار طويل خرجت النسخة الثانية من حكومة عبد الإله بنكيران إلى الوجود بعد استقبال ملكي يوم الخميس 10 أكتوبر 2013، وإصدار الظهير الشريف رقم 105-13-1 في 8 ذي الحجة 1434 ( 14 أكتوبر 2013) ، بتغيير الظهير الشريف رقم 01-12-1 الصادر في 9 صفر 1433 ( 3 يناير 2012) بتعيين أعضاء الحكومة ( جريدة رسمية عدد 6195). ولم تترك المعارضة البرلمانية فرصة افتتاح الدورة الثانية من السنة التشريعية الحالية تمر، دون أن تحاول خلق وإثارة الحدث السياسي واهتمام الصحافة والمحللين الدستوريين، وذلك عن طريق إشهار ورقة «عدم دستورية» هذه الحكومة. أما الوزراء فيمكن إعفاؤهم من مهامهم إما بمبادرة من الملك بعد استشارة رئيس الحكومة، أو بطلب من الأخير يرفعه إلى الملك، إما لتقدير شخصي وإما بناء على استقالات فردية أو جماعية.وفي جميع الحالات يمكن أن يشمل الإعفاء، عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة، بمفهوم الفصل 47 الصريح.ولربما سنجد من يريد التوسع في مفهوم الفصل 47 ، ويعتبر أن صيغة « أعضاء الحكومة» تشمل حتى رئيسها استنادا إلى الفصل 87 من الدستور الذي ينص على أن الحكومة تتألف من رئيس الحكومة والوزراء، ويمكن أن تضم كتابا للدولة، إلا أن هذا الموقف لا يصمد أمام التحليل المنطقي، إذ لا جدوى من إعفاء رئيس الحكومة في ظروف عادية، لأن ذلك سيؤدي إلى إعفاء الحكومة بكاملها، وتعيين رئيس جديد للحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.وهذا المنطق لا يستقيم مع ضرورة استشارة رئيس الحكومة التي يفرضها الفصل 47 ، لأنه لا يستساغ أن يستشار رئيس الحكومة في أمر إعفائه من دون أن يقدم الأخير على الاستقالة ، مما يؤدي إلى إعفاء الحكومة بكاملها، ولا يستقيم بالخصوص مع الفقرة الثانية من الفصل 47 التي تميز صراحة بين أعضاء الحكومة، ورئيسها.وحيث إن إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة لا يؤثر على قيام الحكومة واستمراريتها، فإنه لا بد من استحضار سلطة رئيس الحكومة المعين في اقتراح أعضاء الحكومة التي لم يقيدها الدستور بأي شرط قانوني، بل تبقى مرتبطة بقدرة رئيس الحكومة على التفاوض من أجل تكوين أغلبية حكومية حسب الظروف المتاحة، وبإمكان رئيس الحكومة مبدئيا أن يختار الوزراء من المنتمين سياسيا أو حتى من غير المنتمين بشرط أو يوفر لنفسه أغلبية كافية في مجلس النواب.وهكذا يحق أن نخلص إلى القول إن «الحكومة الحالية « هي الحكومة نفسها المعنية بظهير 3 يناير 2012 ، لكن بتشكيلة جديدة وحقائب وزارية مراجعة. والصيغة التي ورد بها ظهير 14 أكتوبر 2013 بتغيير الظهير الشريف رقم 01-12-1 الصادر في 3 يناير 2012 بتعيين أعضاء الحكومة خير دليل على استمرارية حكومة يناير 2012.ولا بأس بالمناسبة من تسليط الضوء على ظهير 14 أكتوبر 2013 وما تضمنه من فقرات.قراءة في ظهير 14/10/2013فبمقتضى المادة الأولى من هذا الظهير ثم إعفاء 11 وزيرا من مهامهم، ستة منهم غادروا الحكومة، والخمسة الباقون تم تعيينهم في مسؤوليات وزارية أخرى. وبمقتضى المادة الثانية ثم تعيين عشرين وزيرا ووزيرة، من بينهم خمسة عشر عضوا جديدا. أما المادة الثالثة فإنها خصصت لتغيير تسمية قطاعين وزاريين، وهما وزارة السكنى وسياسة المدينة، ووزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك.وفي الختام أوردت المادة الرابعة التشكيلة الكاملة للحكومة، الأمر الذي ركب عليه البعض للقول إننا بصدد حكومة جديدة يجب عليها أن تتقدم أمام البرلمان لحصول التنصيب، وهذا المنطق مردود للأسباب المفصلة أعلاه، والتي مفادها أن الحكومة لا تقوم بعدد أعضائها، أو انتماءاتهم السياسية، لكنها ترتبط ــــ وجودا وعدما ونكرر ذلك ــــ بمؤسسة رئيس الحكومة.ولعل المادة الرابعة لم تورد التشكيلة الكاملة إلا لأسباب بروتوكولية، ولتحديد موقع كل عضو من أعضائها داخل الهرم الحكومي.قراءة في الفصل 88بعد استعراض الوضعية الدستورية لرئيس الحكومة وباقي أعضائها، دعونا نتطرق إلى الفصل 88 من الدستور، المثير للجدل.ويكفي التمعن في قراءة هذا الفصل لتسجيل البديهيات التالية:- ما يعرضه رئيس الحكومة أمام مجلس البرلمان هو البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني.......- وما يصوت عليه مجلس النواب بعد المناقشة أمام كلا المجلسين، هو ذلك البرنامج الذي يعرضه رئيس الحكومة، بمضامينه وخطوطه الرئيسية.- ولما تصوت أغلبية أعضاء مجلس النواب لصالح البرنامج الحكومي هذا، فإن المجلس يعبر بهذا التصويت عن ثقته في الحكومة التي تعتبر منصبة بحصولها على هذه الثقة. فالتنصيب ما هو إلا نتيجة الثقة التي تحصل عليها الحكومة من خلال المصادقة على البرنامج الذي يعرض رئيس الحكومة خطوطه العريضة أمام البرلمان، وهذه المعادلة لا تشمل أعضاء الحكومة لا من حيث أسمائهم، ولا من حيث انتماءاتهم السياسية.وبالتالي لا يستساغ اللجوء إلى الفصل 88 من الدستور إلا في الحالة التي تتبنى فيها الحكومة برنامجا جديدا مغايرا للبرنامج الذي سبق لها أن حصلت به على ثقة مجلس النواب.ولرفع كل لبس نؤكد أن التغيير يجب أن يمس في العمق البرنامج السابق، أي في توجهاته الجوهرية. أما إذا تعلق الأمر بمراجعة الأولويات وإعادة جدولتها، فإن ذلك لا يعد مبررا كافيا للرجوع إلى البرلمان في إطار الفصل 88، لأن الحكومة سيدة أمرها في ما يخص ترتيب أولويات برنامجها، مادام هذا البرنامج يغطي الولاية التشريعية بكاملها. ودخول حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن أبدا مشروطا بوضع برنامج حكومي جديد، وإلا لتم وضع هذا البرنامج واتفاق مكونات الأغلبية الحكومية عليه، قبل الإعلان عن التشكيلية الحكومية الحالية.وما هو مرتقب هو أن تنكب قيادات الأغلبية الجديدة على إعادة ترتيب الأولويات ومراجعة وسائل العمل، مع الاحتفاظ بالتوجهات الكبرى للبرنامج الحكومي الذي سبق لمجلس النواب أن صادق عليه. وحبذا لو كان الدستور يسعف لتقديم تصريح حكومي أمام البرلمان يعقبه نقاش ولا يتلوه أي تصويت، كما دعا إلى ذلك الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية في البلاغ الصادر عنه إثر اجتماعه الدوري ليوم الاثنين 21 أكتوبر 2013.إذ إن ما ينص عليه الدستور في هذا المجال وارد في الفصل 101 الذي يفرض أن يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين. ولما نتكلم عن حصيلة، فإن الأمر يهم بالطبع ما أنجزته الحكومة وليس ما تعتزم القيام به مستقبلا. كما ينص الفصل 101 نفسه على أن تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها. ورئيس الحكومة وباقي أعضائها مطلوبون دستوريا لهذا الموعد السنوي، الذي يبقى مجرد محطة تقييم لا علاقة له بميكانيزمات منح الثقة. بقلم: ذ/ محمد بن عبد الصادق, محام برلماني عن حزب العدالة والتنمية