الميثاق خرج بتوصيات تخالف ما كان للوزير من مواقف لماذا وضعت لفظة « الخطاب « بين مزدوجتين، لأن هذا ضرب من المناقشة أو إن شئت قل، الاستهداف الذي يتحاشى الميثاق ويوجه سهامه نحو الوزارة التي كانت تتبناه، لا تتوفر فيه مقومات الخطاب بالمعنى الاصطلاحي المعروف للكلمة، بما هو صياغة منهجية تروم التعبير عن تصور واضح بموضوعية وحياد بطريقة علمية أكاديمية تتسم بالموضوعية والحياد وعدم الانحياز إلى جهة دون أخرى أو الاصطفاف المقصود والمغرض لرأي دون آخر. لم يكتف معارضو الميثاق، كما أشرت إلى نعت وزير العدل والحريات بـ «مهندس» الميثاق، وتوجيه انتقادات لشخصه وحده، ربما لمجرد أنهم يختلفون معه في الرأي السياسي، بل وصل الحد ببعض منتقدي الميثاق إلى أبعد من ذلك، وهو تنظيم وقفة أمام وزارة العدل من أجل الاحتجاج على مضامين هذا الميثاق، مع أن وزير العدل مجرد فرد واحد من هيأة عليا للحوار الوطني، تتألف من مائة عضو من ضمنهم رئيس جمعية هيآت المحامين بالمغرب. ولست أدري إذا ما كانت دارت بخلدهم هذه النقاط التالية : أولا : أنهم إذا كانوا يقصدون بنعتهم له بأنه « مهندس» أنه عمل منذ مباشرة مهامه وزيرا للعدل والحريات على رسم مخطط واضح الأهداف والمرامي والوسائل والمناهج لإصلاح القطاع الذي كلف به، فلأن تلك من أبرز مهامه وزيرا. أليس من مأموريات الوزير - أي وزير – باعتباره مسؤولا سياسيا عن مرفق من مرافق الدولة الرئيسة ، أن يكون له تصور واضح وجلي عن المجال الذي يتولى أمر تدبيره وحكامته. وأن يرسم خططا وبرامج من أجل تحقيق هذا التصور وإخراجه إلى حيز الوجود حتى يصبح حقيقة بارزة ماثلة للعيان ؟ ثم ألا يمكن أن يفهم من نعتنا الآخرين، على سبيل القدح ، أنهم «مهندسون «، أننا نفضل العمل العشوائي غير المنظم على العمل المنظم الذي يكون مخططا ومبرمجا له بصفة علمية ؟ ثانيا : أما إذا كانوا يقصدون من نعتهم المذكور له بأنه مخطط الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، وصاحب المضامين والتوصيات التي أسفر عنها هذا الميثاق، وكان المهيمن على أشغال الهيأة العليا للحوار الوطني، يبسط عليها نفوذه ويمارس عليها سيطرته لتخرج من خلال مداولاتها بخلاصات وتوصيات ترضيه وتصادف هوى في نفسه. فإنهم في ذلك واهمون . والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة منها :- تركيبة هذه الهيأة العليا للحوار الوطني ذاتها .. هذه الهيأة التي ضمت إليها صفوة النخب الاقتصادية والسياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية والحقوقية . وليس من السهل على فرد واحد، ولو كان وزيرا للعدل، أن يمارس ذرة من نفوذ على واحد فقط من هذه الصفوة. فبالأحرى أن يجعل الهيأة بكاملها تخرج بخلاصات وتوصيات وفق مشيئته وإرادته وحده. ويبقى أعضاء هذه الهيأة ساكتين لا يصدر عنهم أي احتجاج أو معارضة. - أنه لو صح ذلك منهم لما خرج الميثاق بتوصيات تخالف ما كان لدى السيد الوزير من مواقف معلنة لم تكن تخفى على أحد. ومن ذلك موقفه من مسألة استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل التي كان له فيها، كما دلت على ذلك جلسة الحوار الجهوي التي انعقدت في أكادير، موقف معارض للرأي الذي كان يطالب باستقلالها عن الوزارة وتبعيتها للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. وهو ما جاء يكرسه الميثاق الذي انحاز لهذا الرأي الأخير واعتنقه. - أنه ما هنالك من شك في أن الوزير كان يمارس مهنة المحاماة قبل توليه منصب وزارة العدل . فهو يؤرقه الهم المهني كما يؤرقنا جميعا. خاصة أن مصيره بعد خروجه من الوزارة هو أوبته إلى مهنته. وما يمكن أن يعتقد معتقد أنه لا تتوفر له الرغبة في أن يحرز مكاسب لهذه المهنة خلال سنين وزارته . فإن المحامي - أي محام - مهما كانت مشاربه السياسية، ومهما كنا متفقين معه سياسيا أم لا، لا يمكن أن يغفل عن الجانب المهني ولا يحاول أن يوليه بالغ العناية والاهتمام . فإن السياسي إذا كان يفرق بين الناس، فإن المهني يجمعهم دائما وأبدا. - أن القول بهذا الرأي ينطوي في عمقه على تبخيس لا يخفى بجميع أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني وعلى تنقيص من قيمتهم وكفاءاتهم. لأنه يحاول أن يظهرهم جميعا بمظهر الأعضاء الخانعين المستكينين لنفوذ وزير العدل الذي كان يحركهم وفق ما تشتهي نفسه. مع أن ذلك مجرد مزاعم زائفة لا تلبس أي ثوب صحيح من الجدية والمصداقية. ومن ثم كان على هذه الهيأة مجتمعة أو على أعضائها فرادى أن يتصدوا بكل ما أوتوا من قوة لذلك بإصدار بيان يكذبون فيه ما ينعتهم به هؤلاء، وما يحاولون أن يظهروهم به من مظهر الضعف والخنوع . و – أن هذا « الخطاب « يتغافل أن الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة الذي استغرقت مناقشته مدة مديدة من الزمن، وتمت المصادقة عليه من قبل الجناب الشريف، وهو مشروع مجتمعي يهم جميع فئات الشعب، لا يتضمن سوى مجرد أهداف رئيسة وأخرى فرعية ما تزال تنتظر من المغاربة جميعا بكافة فئاتهم ومشاربهم وأطيافهم السياسية تفعيلها وتنزيلها إلى حيز الواقع في شكل مشاريع او مقترحات نصوص قانونية. بقلم: محمد فجار, نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة