المحامي يموت في صمت ما بين الجلطة الدماغية والسكتة القلبية كثر الحديث عن ميثاق إصلاح منظومة العدالة وحظ مهنة المحاماة منه، وتباينت آراء أهل الشأن حول الموضوع، وباستثناء مهندس الميثاق ونقيب سابق بهيأة المحامين بالجديدة وبعض المنتمين إلى حزب "المصباح"، فإن الكل أجمع على أن الميثاق وما تضمنه من توصيات لم تقدم للمهنة إلا الفتات مقابل سيل من التراجعات. إن المنطق يقتضي إعادة النظر في تشكيلة هذه الهيأة وصلاحيتها وإن كانت الهيأة التي ظل المحامون يطالبون دوما بإحداثها هي تلك المختلطة للطعن في مقررات تحديد الأتعاب، ذلك أنه يصعب على غير المحامي أن يقدر جهد وطبيعة عمل المحامي، لأنه الشخص الوحيد الذي يفكر على مدار 24 ساعة كاملة دون توقف، فهو الذي يفكر وهو في نومه، وهو يتناول طعامه، يفكر في آجال تقييد الدعاوى وممارسة الطعون، يفكر في أسباب وسائل الدعاوى والطعون. المحامي يفكر ليل نهار. غارق شارد بآستمرار، ينسى همومه لحل قضايا موكليه، يتحملها وتتفاعل أعصابه معها. المحامي يموت في صمت ما بين الجلطة الدماغية، والسكتة القلبية، وشتى أنواع الأمراض المزمنة وكل هذا والخوف من الغد، لذلك فما يكابده المحامي وما يتجشمه من مشاق لا يمكن أن يعرفها إلا من اكتوى بنار المحاماة والممارسة فيها. وهنا كان المطلب الملح والدائم باحترام قرارات النقباء في مادة تحديد الأتعاب وعدم تبخيس جهد وعمل المحامي وتسفيه قرارات مؤسسة النقيب.حضور الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو من يمثله في المجلس التأديبي للمحامين، دون أن يشارك في المداولات واتخاذ القرار، وقد ورد ذلك في الهدف الفرعي الثاني المعنون ب : تعزيز مبادئ الشفافية والمراقبة والمسؤولية في المهن القضائية، وهذه التوصية تتضمن حشوا وإطنابا لا طائل منه والمتمثل في عبارة "دون أن يشارك في المداولات واتخاذ القرار"، وكأن الوكيل العام أو من يمثله – القضاء الواقف – في غير ذلك من الهيآت يشارك في المداولات، وكأن هناك فرقا بين المداولات والقرار، وهل القرار إلا نتيجة مداولات؟.إن من وضع هذه التوصية يعلم خطورتها بالنسبة إلى مهنة المحاماة، وهي المهنة المستقلة ذات الأعراف والتقاليد العريقة التي لم يكن يلوح في خلد أعتى الرجعيين والمتسلطين أن يتدخل فيها وفي مجالسها، لذلك أضاف تلك الفقرة الأخيرة البئيسة للتخفيف من خطورة تلك التوصية والتي لا يمكن لمن آمن برسالة الدفاع وتشبع بمبادئ وأخلاق وأعراف وتقاليد مهنة المحاماة أن يقتنع بها أو حتى يتصورها، اللهم نقيب سابق بهيأة الجديدة اختار أن يكون نشازا، ولابن عشيرته منحازا، وكتب في إحدى الجرائد بأن مسألة حضور النيابة العامة للمجالس التأديبية التي تعقدها مجالس هيآت المحامين أوجدته القوانين لتمثيل المجتمع والدفاع عن الحق العام لما يقتضيه مبدأ الوصاية التي تمارسها الدول على الهيآت التأديبية بواسطة هذه النيابة في نطاق نظرية امتياز تسير المرفق العمومي الشهيرة في القانون الإداري.ها أنتم معشر المحاميات والمحامين تقرؤون اليوم على لسان نقيب سابق كلاما عن الوصاية في مهنة المحاماة وتشبيهها بالوصاية على الجماعات الترابية ووزارة الداخلية على الجهات.للأسف السيد النقيب، إن المترشح لامتحان ولوج مهنة المحاماة يعرف أن من بين أهم مبادئ المحاماة استقلاليتها، وإن المادة الأولى من القانون المنظم للمهنة تعرفها بأنها مهنة حرة مستقلة، ولا أعتقد أن استقلالية المهنة تحتاج لتوضيح خاصة لنقيب كان له شرف تسيير شؤون إحدى هيآت المحامين بالمغرب، بل إن الذي تزمر له يا سيادة النقيب، أشار في ميثاقه أكثر من مرة إلى استقلال المهنة، غير أنه أشار إليها في الديباجة وسلط سهامه إليها في التوصيات.إن التوصية 49 التي نصت على حضور الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو من يمثله في المجلس التأديبي تلاها الحديث عن الإجراءات التفصيلية المطلوبة لتطبيق هذه الآلية حيث نصت في الإجراء رقم 61 على ما يلي :تعديل القانون المتعلق بالمحاماة والقوانين ذات الصلة بالموضوع، وبما يضمن فصل سلطة المتابعة عن سلطة التأديب، وهذا يعني التمهيد لتخويل سلطة المتابعة للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف وسلبها للنقيب والمجلس – في حالة الوضع التلقائي لليد على المخالفة – كما هو الحال في القانون الحالي ، وهنا سيكون للنيابة العامة حق المتابعة في إطار الدعوى العمومية (الجنائية) وكذا المتابعة التأديبية.كما أن منح الوكيل العام لمحكمة الاستئناف سلطة المتابعة وحضوره للمجلس التأديبي سيفوت على مجلس الهيأة ما يقوم به من مجهودات من أجل حل الخلاف بين المحامي المتابع وموكله، وما في ذلك من حماية لحقوق الموكلين بالدرجة الأولى. صحيح أن بعض المجالس تعرف ممارسات منتقدة وغير صحيحة ومنافية لمبادئ التخليق، غير أن الشيء نفسه تعرفه غرف المشورة التي لطالما أبانت عن إرادة لمعاكسة محاولات التخليق التي أظهرتها بعض المجالس والأمثلة على ذلك كثيرة.إن الوكيل العام للملك لا يحضر المجالس التأديبية، لتأديب الموظفين في إطار قانون الوظيفة العمومية، ولا ندري لماذا حضور الوكيل العام للملك في المجلس التأديبي للمحامين بالضبط؟ خاصة وأن الوكيل العام للملك يملك سلطته الخاصة به في تحريك الدعوى العمومية في مواجهة المحامي، أم أنه عندما يتعلق الأمر بالمحامي فالمقتضيات الزجرية الواردة بالقانون الجنائي لا تكفي، ولا بد من حشر أنفه، حتى في سلطة مجلس الهيأة التأديبية. بقلم: الأستاذ محمد صباري, هيأة المحامين بمراكش