القاعدة لا تطبق في إطار المحاكمات التأديبية كثيرة هي القواعد المسطرية، سواء منها المدنية أو الجنائية التي تستغل من قبل بعض المتقاضين لإطالة أمد النزاع أمام المحاكم، الأمر الذي أثر -ويؤثر- سلبا على الأبعاد النبيلة لتلك القواعد، من فرط هذا الاستعمال المعيب، والذي أصبح يشكل عيبا جوهريا في مساطر التقاضي أمام المحاكم المغربية بانعكاساته السيئة طبعا على سمعة القضاء المغربي وهيبته في الداخل والخارج. غير أنه يلاحظ على هذا الرأي، أن الأخذ به على إطلاقه قد يترتب عنه أن تظل الدعوى المدنية معلقة أمدا طويلا يتضرر منه صاحب الحق كما قد يمس بهيبة القضاء المدني خاصة. غير أنه لابد في كافة الأحوال من إثبات إقامة الدعوى العمومية، قبل الدعوى المدنية أو على الأقل أثناء النظر فيها، كما يستفاد من نص المادة 10 من ق.م.ج المغربي.ذلك أن التزام القاضي بتطبيق القاعدة، لا ينهض إلا بإثبات ذلك، أي إثبات إقامة الدعوى العمومية.وفي حالة عدم إثباتها، يمكن تأجيل النظر في الدعوى المدنية وتكليف ذي المصلحة بتقديم ما يثبت إقامة تلك الدعوى مع توفر باقي الشروط الأخرى، حتى لا تتخذ القاعدة ذريعة - فقط - للمماطلة وتأخير الفصل في الدعوى المدنية بدون أي مبرر.الشرط الثاني: وحدة الوقائع بين الدعويين:هذا الشرط وإن كان غير واضح صراحة في القانون - المادة 10 من (ق.م.ج)، فإن جل الفقهاء يرون ضرورته لتطبيق قاعدة الجنائي يوقف المدني.وباعتبار البعد المسطري للقاعدة الذي يمكن تلخيصه في تفادي صدور حكمين مختلفين عن محكمتين مختلفتين. وكذلك باعتبار حجية الحكم الجنائي أمام المحكمة المدنية الملزمة للقاضي المدني كما سبق.يكون من اللازم إيقاف الدعوى المدنية إلى حين البت النهائي في الدعوى الجنائية.وإذا كان القاضي المدني الملزم بنتائج الدعوى العمومية المتمثلة في مقتضيات الحكم الجنائي: وقائع، حيثيات، منطوق..، ولا يمكنه متابعة المسطرة في الدعوى المدنية المطروحة عليه، إلا بعد انتهاء المسطرة في الدعوى العمومية كما سبق بيانه كذلك.فإن هذا القاضي - المدني - في حقيقة الأمر غير ملزم بكل تلك المقتضيات الجنائية، إلا ما تعلق منها بالوقائع المشتركة بين دعواه، الدعوى المدنية المعروضة عليه وبين الدعوى العمومية المطروحة على المحكمة الجنائية.ولا شك منطقيا كذلك من توفر هذا الشرط الذي أخذ به القضاء الفرنسي في بعض أحكامه: "يلزم أن تكون الدعوى المدنية ناشئة عن الوقائع نفسها، المكونة للدعوى العمومية"، نقض جنائي 21 يوليوز 1947 جاريت دي باله: 1947-2-196.كما أخذ بالشرط نفسه، كل من القضاء البلجيكي والقضاء المصري، نقض مدني 23 مارس سنة 535/1950 محكمة القاهرة الابتدائية (الدائرة 67 مدني) 26 نونبر سنة 1959، الدعوى رقم: 2135 سنة 1955 مدني كلي.والدعوى المدنية المقصودة في إطار هذا البحث هي الدعوى المدنية في مفهومها الواسع. انظر الفصل 18 من (ق.م.م) قبل إحداث المحاكم الإدارية والتجارية.. سواء تعلق الأمر بدعوى التعويض أو بغيره من مسائل القانون المدني أو التجاري أو قانون الأسرة أو القانون الإداري.إن الدعوى المدنية المعنية بالإيقاف هي كل تلك الدعاوى وغيرها غير الجنائية بشكل عام.وإذا كان النص، المادة 10 من (ق.م.م) لا يفصح عن هذا الشرط صراحة، فإن مبررات إيقاف الدعوى المدنية بحصر المعنى تبقى هي هي حتى بالنسبة للدعاوى المدنية الأخرى: التجارية، الأسرية، الإدارية، الدعوى المدنية التابعة.قاعدة الإيقاف في علاقتها بالدعوى التأديبية:ويمكن التساؤل عن الدعوى التأديبية باعتبارها من الدعاوى المدنية ما دام أنها ليست دعوى جنائية، خلاف ما نراه، يمكن التساؤل حول ما إذا كان يجب وقفها إلى حين الفصل نهائيا في الدعوى العمومية المقامة أم لا؟وأنه، باعتبار ذلك أي باعتبار الدعوى التأديبية من الدعاوى المدنية، فإن الحكم الصادر في إطارها لا يحوز حجية الأمر المقضي به أمام القضاء المدني، إذ يمكن محاكمة شخص عن فعل أمام القضاء الزجري ومحاكمته في الوقت نفسه، أمام القضاء التأديبي عن الفعل نفسه لاستقلال الدعويين الجنائية والتأديبية عن بعضهما البعض، وبالتالي فلا خوف من صدور حكمين متناقضين في الدعويين، ومن ثمة لا ضرورة لإعمال قاعدة الجنائي يعقل المدني، سنعود لهذه المسألة لاحقا.الشرط الثالث: وحدة الوقائع في الدعويين الجنائية والمدنية:انعقد الرأي القضائي والفقهي على وجوب هذا الشرط لتفادي صدور حكمين متعارضين في الواقعة المعروضة نفسها على المحكمتين الجنائية والمدنية، وباعتبار أن الحكم الجنائي لا يلزم القاضي المدني إلا بالنسبة إلى الوقائع نفسها، كما سلف، أساس الدعويين أو ما يسمى بالوقائع المشتركة بين المحكمتين الجنائية والمدنية.وعلى هذا الأساس لا يمكن للقاضي المدني أن يوقف البت في الدعوى المعروضة عليه، إلا إذا كانت تتضمن الوقائع نفسها المعروضة على المحكمة الجنائية، أي إلا إذا كانت هناك وقائع مشتركة بينهما وفي غير ذلك لا تكون قاعدة الجنائي يعقل المدني ملزمة للقاضي المدني.لاشك في أن المقصود بالدعوى المدنية لإعمال القاعدة موضوع النقاش جميع الدعاوى المعروضة على القضاء المدني والتي تتضمن مطالب مدنية، القضايا المدنية، قضايا الأسرة، القضايا التجارية، والإدارية والاجتماعية.وقد كان الرأي سابقا أن المقصود بتلك الدعوى دعوى التعويض تلك الناشئة عن الجريمة دون غيرها من الدعاوى المدنية.وقد سبق التساؤل حول إمكانية تطبيق القاعدة، قاعدة الجنائي يعقل المدني، متى تعلق الأمر بدعوى عمومية وأخرى تأديبية، هذا التساؤل أثار خلافا حادا، لاختلاف طبيعة كل من الدعويين المقامة جزائيا بناء على فعل أو امتناع يعتبره القانون جريمة: مخالفة، جنحة، جنائية، وتلك المقامة تأديبيا بناء على إخلال بأخلاقيات المهنة، مهنة المحاماة كمثال، الأمر الذي يؤكد استقلال إحداهما عن الأخرى، ولو في حالة وجود ارتباط بينهما.وترتيبا على ذلك يمكن القول بأن قاعدة الجنائي يوقف المدني لا تطبق في إطار المحاكمات التأديبية، باعتبارها أمرا آخر يختلف عن الدعوى المدنية التي تقصدها المادة 10 من (ق.م.ج) بقلم: محمد بولمان, محام بهيأة مراكش