النوظمة آلية للخبرة وقنطرة الذهاب إلى القضاء تعرف هيآت النوظمة أو هيآت الحكامة الجيدة والتقنين بأنها هيآت إدارية تعمل أو تتصرف باسم الدولة وتتمتع بسلطات حقيقية بدون خضوعها لسلطة الحكومة. ولقد مكنتنا مسيرة البحث من الوقوف على وضعية الحقل النوظمي بالمغرب، من خلال تحليل الإطار القانوني لهيآت النوظمة، والوقوف على المعوقات القانونية التي تحد من فعاليتها، وبحث ملائمة مقتضيات قانون النوظمة مع المعاهدات والأوفاق الدولية، وتصور الحل الأنجع لتوفير نظام نوظمي فعال وموثوق به، يقابله قضاء نوظمي عادل وكفء استطاع باقتدار التكيف مع المستجدات الجديدة لهيآت النوظمة، وتقديم نفسه قاضيا ناظما، ليس بديلا للناظم، وإنما مؤازرا له ومتعاونا معه وحارسا وحافظا ومؤتمنا على الشرعية وسيادة القانون، مشجعا له على الاستمرار في حفظ المكتسبات، وتجاوز الهيآت سواء التشريعية أو التنظيمية أو العملية النوظمية، وهذا ما أثبت جليا وبشكل واضح أنه لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر، ولا يمكن أن يحل محله أو ينتقص من سلطاته وحقوقه، فالنوظمة هي آلية للخبرة وقنطرة الذهاب، أي عبور والسعي إلى القضاء، تتخللها وقفات تعاون وتشاور بينهما، والقضاء هو خاتمة القنطرة أي محطة الإياب، فيها يتم البحث عن معايير السلامة ومراقبتها وتقييمها، وتنقيطها سلبا أو إيجابا.وهكذا إذا كان القاضي لا يتردد، بل ويتساهل في الكثير من الأحيان في تعيين الخبير للفصل في الجوانب التقنية المعقدة للنزاع المطروح أمامه، من منطلق سلطته التقديرية وممارسة صلاحياتها القانونية بأمر من القانون أو بأمر من واقع الملف، بحكم أن خبرته وتكوينه لا يتعدى مجال القانون، ولا يتجاوز المعطيات الفنية والتقنية، أفليس من الأجدى والأنفع والأقوم لحسن سير العدالة بالنظر لعدم تخصص القاضي في الإشكال الفني المطروح والعالق، إحالة أو عرض النزاع بقوة القانون ابتداء-بأمر من المشرع -على الهيأة الناظمة من منطلق الخبرة والتخصص والدراية المهنية بأصول العمل النوظمي، وبتشعباته وتعقيداته وفنونه أو بأمر من القاضي مباشرة، كلما تعلق الأمر بنزاع يتصل بالعمل النوظمي لم يحصر المشرع اختصاص الهيأة الناظمة بالنظر فيه ابتداء؟ ولما لا أيضا وبأمر من إرادة الأطراف وبملء حريتهم طوعا لا كرها من خلال دائما الهيأة الناظمة، ولكن تحت مسميات مؤسسة التحكيم أو الوساطة بنوعيها الاتفاقية والقضائية أو الصلح؟ وهي حقا تقوم بكل هذه الأدوار سواء تصريحا من خلال النص التشريعي تارة، أو على الأقل تلميحا من منطلق التشبيه واستعمال آلية القياس.أفليس القاضي يظل رقيبا وحافظا للمشروعية، سواء عند عرض النزاع بقوة القانون -بأمر من المشرع -على الهيأة الناظمة انتهاء بمناسبة دعوى الرقابة أو الطعن، أو عندما يأمر القاضي ابتداء بموجب حكم تمهيدي، كإجراء من إجراءات التحقيق بتعيين الهيأة الناظمة كخبير في الدعوى، بمناسبة البت في القضية والحكم فيها، وتقدير الخبرة وحجيتها انتهاء، أو عند إضفاء الصيغة التنفيذية على القرار التحكيمي النوظمي، إذا ما استقر هذا الاختصاص كقضاء منافس غير»بديل»، فضلا عن أنه يمكن للهيأة الناظمة بمناسبة نظرها أصليا في المنازعة، أن تطلب من القاضي اتخاذ إجراءات تحفظية على وجه الاستعجال.إن هذا المرتكز القانوني، وحده لكفيل بالقول إن الأمر لا يتعلق بإخراج القضاء من حقل النوظمة، وإنما في حقيقة الواقع والحال، إخراج السلطات الإدارية التقليدية من فضاء النوظمة، لأنه تاريخيا قبل إحداث النوظمة، كانت سلطة اتخاذ القرارات الإدارية الضابطة من صلاحية أجهزة الدولة العتيقة، ولم تكن من صلاحية القضاء قطعا من خلال امتياز التنفيذ التلقائي الذي تتمتع به القرارات الإدارية عامة، فضلا عن أن المقترب الرقابي القضائي كان دائما حاضرا، سواء قبل إحداث النوظمة أو بعدها، وإن بمنظور جديد ومتغير أكثر ثباتا وعزما بعد النشأة والتطور، لأن المتغير الأساسي، هو شكل وبنية الهيآت الجديدة وطريقة تكوينها، ونوع الاستقلالية والحياد التي تتمتع بها، عن الإدارة والفرقاء المكونين لها والممثلين بها، والمواطنين، وتقمصها لجميع الصلاحيات التنظيمية والرقابية والزجرية، في أيد واحدة، بحكم خبرتها في الميدان بأساليب العمل النوظمي، ودقائقه.وهكذا فالتفرد النوظمي للهيآت الناظمة اقتضى أسلوبا جديا من التعامل، ومنهجية أكثر حكامة، بجرأة واحترافية، صاحبها تفهم لطبيعة الدور من قبل القضاء، استشعارا لحجم المسؤولية من الجانبين، لأن الرقابة الشعبية أكثر حضورا، وترقبا وترصدا للمشهد النوظمي أكثر من الفاعلين أنفسهم، لأنها أداة للتقييم حسب الدستور الجديد الذي بوأها المكانة التي تستحقها على الدوام، لأن السيادة للشعب بها، ومن خلالها تنضج الأفكار وتصحح الممارسات وتقوم الاعوجاجات، وتحفظ المكتسبات.إن تقييم وضعية العمل النوظمي في بلادنا يسمح بالخروج بالخلاصات التالية:- عدم كفاية النظام الحالي، لأنه لا يغطي جميع المسائل والإشكاليات القانونية المرتبطة بالنوظمة.- وجود قيود شكلية وموضوعية على النوظمة.- بعض مواطن القصور في الممارسة العملية لهيئات النوظمة. - ضعف اللجوء للقضاء كجهة طعن ورقابة على العمل النوظمي.- ضعف مواكبة الحلول الدولية والمقارنة للعمل النوظمي.ولاشك أن عملية تقييم الإطار البنيوي والتنظيمي لهيآت النوظمة، ومنهجية رقابة القضاء على أعمال هذه الهيئات مكنتنا من الوقوف على العديد من السلبيات أو الإشكاليات ذات الطبيعة العامة أو المتخصصة، سواء الأفقية أو العمودية، القانونية أو النوظمية العملية أو القضائية الرقابية، وخلصنا إلى إعداد مقترحات لتجاوزها بغية تطوير شروط ممارسة الفعل النوظمي، وعقلنة النظام القانوني والقضائي الذي يحكمه، في أفق تطوير شروط اللجوء إلى «قضاء» النوظمة أو» قوضئته»أي إضفاء الطابع القضائي عليه، بعد تقوية استقلاليته، ودعم المراقبة الديمقراطية على منتوجه، وتفعيل الرقابة القضائية على قراراته الإدارية من طرف القاضي «الناظم» دعما لسيادة القانون وللمشروعية، طالما أن هذا النوع من الرقابة يكتسي طابعا دستوريا وسياجا واقيا من التعسف أو الجور، وحافظا وحاميا للحقوق والحريات. بقلم: محمد الهيني, مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط