سمو الهيآت الناظمة يهدد حريات وحقوق المخاطبين بقراراتها تعرف هيآت النوظمة أو هيآت الحكامة الجيدة والتقنين بأنها هيآت إدارية تعمل أو تتصرف باسم الدولة وتتمتع بسلطات حقيقية بدون خضوعها لسلطة الحكومة. تمتاز هيآت النوظمة بقدرتها على ضمان حماية فعالة للمواطن، وتحقيق ما اصطلح عليه«بالضبط الاجتماعي» الذي يظل السبب الرئيسي وراء ظهورها،من منطلق سعيها تأطير قطاع من الحياة الاجتماعية،بهدف ضبط التوازن بين المصالح المعبر عنها من قبل المشرع، وتنظيمها، وإجراء التحكيم بشأنها ،إن اقتضى الأمر ذلك،بغرض ضمان الحكامة الإدارية. فالضبط يقوم على رعاية واحترام قواعد اللعبة والانسجام الاجتماعي، التي هي من صنع الفاعلين أنفسهم المؤثرين في الميدان، مما يجعلهم أكثر تقبلا لها، وميالين بطبعهم لاحترامها، لأنها نتاج التعاقد المهني أو الفكري الذي يربطهم،طبقا لميثاق الأخلاقيات،والقانون المؤطر والضابط لنشاطاتهم ،باعتباره آلية للرقابة والمحاسبة الذاتية.وقد ساهم انتعاش تحرير المرفق العمومي في تطوير جدل فقهي،ذي مرجعيات قانونية وسياسية واقتصادية،وسوسيولوجية مختلفة، من قبل جيل جديد من الرواد،والمؤسسين لمدرسة النوظمة،الذين وضعوا الأسس الجديدة لمدرسة التدبير العمومي الحديث، وتطوير مفهوم الحكامة العمومية، والذين أرسوا- كذلك- لمعالم قانون جديد يسمى قانون النوظمة le Droit de la régulation ، من خلال الدراسات الرائدة لكل من ج.كومايل ، وب.جوبير ، والإيطالية ل.أرمانَتي ، والفرنسية ماري روش، بالإضافة إلى الأعمال المهمة لكل من جاك شوفاليي و جيرار ماركو. وسيكون لهذا التوجه الفكري ،آثار مهمة في ظهور موجة جديدة في القانون الإداري، تركز على الإطارات القانونية والمؤسساتية، الكفيلة بتقنين المرافق العمومية المحررة، والأساليب البديلة للتحكيم بين الفاعلين الاقتصاديين والماليين ،خارج ساحة القضاء؛ وقد ساعد ذلك على تفكيك المنظور التقليدي للسلطة التنظيمية ،والتحكيمية النزاعية،وإعطائها روحا جديدة، تمكنها من الربط بين تحرير المرافق العمومية الصناعية والتجارية ،والمفهوم الاقتصادي لتنظيم السوق، وتحرير قطاع المال والأعمال والاتصال.ساهم انفتاح الدولة على السوق التنافسي الدولي - بعد الشروع في تطبيق اتفاقيات التبادل الحر، ومبادئ المنظمة الدولية للتجارة – في تدشين أول الإصلاحات التنظيمية لبعض القطاعات المحررة، وعلى رأسها قطاع الاتصال والمنافسة، حيث مهد ذلك لظهور سلطات إدارية مستقلة للتقنين، كأسلوب مؤسساتي جديد لنوظمة سوق الاتصالات، من خلال المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، وسوق المال والإعلام، من خلال مجلس المنافسة ومجلس القيم المنقولة، كما ساهم ذلك في ظهور نقاش فقهي، حول هذه الأشكال الجديدة للتدخل العمومي، من خلال سلطات التقنين، بديلا للتدخل القطاعي التقليدي في تنظيم الاقتصاد .ونتيجة لذلك، أمكن لنا أن نستنتج أن أسلوب تحرير المرفق العمومي، له ارتباطات وثيقة بمنظور جديد لإعادة تنظيم القطاعات المحررة، والتي تعني بداية انسحاب الدولة لفائدة أشكال تنظيمية جديدة، تقوم على التوافق والاستقلال، والحياد وإشراك الفاعلين، وكلها معان مركبة، تفيد حضور شكل مؤسساتي أو تعاقدي بديل، عن التدخل الأحادي للدولة المركزية. هذا الترابط والتلازم بين مفهوم تحرير المرفق العمومي، ومفهوم إعادة التنظيم الذي أثاره الاقتصاديون والقانونيون، شكل أرضية سانحة للدفاع عن مفهوم النوظمة القانونية للمرفق العمومي، كشرط أساسي لتحرير هذا المرفق، مستندين في ذلك إلى ضرورة الانتقال، من مفهوم التنظيم بالمعنى الدستوري والإداري، إلى مفهوم النوظمة الذي يفيد مزيدا من الدمقرطة التنظيمية لهذا المرفق، وتحولا في الغايات التنظيمية.وهكذا فالمقاربة القانونية لهيآت النوظمة، والتي يمكن أن تكون امتدادا للمقاربة الاقتصادية، تقدم تفكيكا جديدا لمفهوم التنظيم، من خلال نقد البنية القانونية التقليدية للسلطة العامة كأحد المبادئ الأساسية المؤسسة لمفهوم المرفق العمومي، وتسعى إلى طرح مفهوم جديد يقوم على إدماج الأبعاد المحلية والمهنية والحقوقية كمكونات جديدة للسلطة العمومية. ثانيا:علاقة القضاء بالنوظمةإن سحب بعض الاختصاصات التي كانت تعود تقليديا إلى القضاء من هذا الأخير ومنحها لهيآت النوظمة، يطرح مشكل الرقابة القضائية على أعمال هذه الهيآت الإدارية احتراما للمبادئ المستقرة في المنظومة القانونية، والتي تفترض إيجاد جهات رقابة أو إعادة نظر خارجية، إما لضعف أدوات التقييم والمراقبة الداخلية، أو للحاجة إلى سلطة أخرى لا تنتمي إلى النظام نفسه تكون أكثر استقلالية وحيادا، وحرصا على المشروعية وضمان الحقوق.ولقد خول المشرع للهيآت الناظمة، من خلال القرارات الإدارية الانفرادية، سلطات وامتيازات تمكنها من أداء وظائفها. وتعرف هذه السلطات بامتيازات السلطة العامة، وذلك لأنها قائمة على المصلحة العامة، تسمح لها بإصدار قرارات إدارية ملزمة بإرادتها المنفردة، دون الحاجة إلى موافقة أو رضى المخاطبين بها، بل ودون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء للاعتراف لها مسبقا بهذا الحق، حتى أن القضاء المغربي والمقارن قرر في أحكام له عدم قبول دعوى الهيأة الإدارية أمامه، إذا ما اقتصرت في طلباتها على السماح لها باتخاذ قرار معين هو في الأصل من اختصاصها، طبقا للقاعدة المستقر عليها في فقه القانون العام، وهي أن القاضي يقضي ولا يدير (القضاء قضاء فصل وبت وليس قضاء إدارة وتسيير).فسمو المركز القانوني للهيآت الناظمة، في مواجهة الأفراد المخاطبين بقراراتها، قد يؤدي إلى المس بمراكز وأوضاع هؤلاء الإدارية أو الاقتصادية أو المالية، عند استعمالها سلطاتها وامتيازاتها، ما يعرض حرياتهم وحقوقهم لخطر حقيقي، في حالة المبالغة في استعمال تلك السلطات، أو استعمالها في غير محلها أو التجاوز فيها، مما اقتضى تقرير ضمانات كافية، لحمايتهم وتأمينهم في مواجهتها.ويأتي على رأس الضمانات القانونية، التي تسعى إلى إقامة توازن بين امتيازات الهيآت الناظمة، وبين حماية حقوق وحريات الأفراد، آلية الرقابة القضائية ،كمدخل لا محيد عنه، لحماية المواطنين من الشطط في استعمال السلطة، وتقوية الضمانات التشريعية، لكفالة مشروعية القرارات الإدارية، وتحسين العمل النوظمي، وضبط أدائه الحقوقي، من خلال القواعد والمبادئ الجريئة المسنونة من قبل الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، الهادفة إلى صيانة الحقوق والحريات، والذود عنها وترسيخ دعائم دولة الحق والقانون. ذلك أن المبدأ العام التي تأثرت به محكمة النقض، حسب بعض الفقه «أنه بقدر ما تعلو سلطة الإدارة، بقدر ما تعلو سلطة القاضي، وهي السلطة المضادة لهذه السلطة الصاعدة، وذلك بغية إقامة الحق والعدل بين الحاكمين والمحكومين». بقلم: محمد الهيني, مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط