الدفاع عن استقلال السلطة القضائية ينبغي أن يكون مؤطرا بمرجعية ومنطلقات واضحة إن الانتصارات التي حققها نادي قضاة المغرب منذ تأسيسه لا تتمثل أهميتها فقط فيما يجنيه من مكتسبات آنية مرحلية ، بل فيما تؤسس له من ثقافة جديدة وممارسة متجددة يمتد تأثيرها إلى عمق مستقبل السلطة القضائية بالمغرب. فالنادي عند تأسيسه وجد نفسه مواجها بفراغ ساحة الفعل القضائي المطلبي من أي سوابق نضالية مُؤسَّس لها من فاعلين قضائيين سبقوه، ومحاطا بضيق المفاهيم والتمثلات التي قد تكون مؤطرة لهذا الفعل القضائي إلا من نص دستوري جديد عام يحتاج إلى جرأة في الفهم وصدقية في التأويل، لذلك كان هذا الوضع دافعا لأن تلعب الخطوات الأولى للنادي دورا تأسيسيا ومُبدعا لمفاهيم جديدة وأساليب متجددة مُؤطَّرة برؤية مُبتكِـرة وجريئة في البناء المتقدم للأدوات التي ستمكنه من مواصلة مساره المُستقبلي في منحى تقوية دعائم السلطة القضائية بالمغرب. إن الانسحاب يأخذ أبعادا أعمق، لأن هذا الحوار يتجاوز في منطلقاته ومآلاته وزارة العدل ليمس الدولة بمفهومها العميق، فكان الانسحاب إذن تنبيها إلى ضرورة إحلال القضاء المكانة الملائمة داخل الدولة باعتباره سلطة تجد منطلقها في الدستور، وهذا لا يتلاءم مع الأدوار الثانوية التي أُرِيدَ للنادي أن يلعبها في الحوار. فدور القضاة ينبغي أن يكون محوريا في أي نقاش حول أي إصلاح أو قانون يمس سلطتهم، خاصة أن المرحلة انتقالية وتدبيرها سيمتد تأثيره إلى المستقبل.4. أسلوب الفضح والتجسيد العملي لمبدأ التضامنسار النادي على طريق المواجهة منذ البداية عبر فضح محاولات التدخل والتأثير والإهانات والاعتداءات التي تصدر عن جهات متعددة، ويكون ضحيتها قضاة. إذ تعاقبت الحالات التي وقف فيها النادي رافضا لهذه الانتهاكات عبر الوقفات التضامنية والبيانات التنديدية التي تفضح واقعا مريرا يعانيه القضاة. إن قوة هذا النهج تتمثل في تمتين قيم التضامن بين القضاة، فالقاضي لم يعد وحيدا في مواجهة الانتهاكات التي تطوله والتي مكن النادي الرأي العام من الاطلاع عليها وإدراك حجمها وخطورتها ومصادرها المتعددة، وفي هذا أداة لردع المتطاولين على سلطة القضاء وفضحهم، وضمانة لتقوية مناعة القضاة في مواجهة هذا الوضع المرفوض. فهذه هي الطريقة الوحيدة الآن المتاحة بين يدي القضاة لتحصين استقلالهم، ورد الاعتبار لأنفسهم في ظل تقاعس المسؤولين القضائيين والدولة في أحيان كثيرة عن القيام بواجب تطبيق القانون ومواجهة منتهكي حرمة السلطة القضائية.5. مذكرة برؤية مستقبليةإن الدفاع عن استقلال السلطة القضائية ينبغي أن يكون مؤطرا بمرجعية ومنطلقات واضحة ورؤية مفصلة، ويبدو أن هذا الرهان قد ربحه النادي من خلاله تجسيده لمبدأ المساهمة المؤسسة والفعالة في كل نقاش حول كل ما يمس مجال اهتمامه. ومن هذا المنطلق صاغ قضاة هذه الجمعية مذكرة بالمبادئ التفصيلية التي ينبغي أن تحكم مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية بمثابة تصور قابل للإغناء والتطوير. وما يهمنا في هذا السياق هو التأكيد أن هذه المذكرة كانت مبدعة في التجاوب مع متطلبات النقاش المرحلي حول هذا القانون فقط، بل تعدته لتسطر العديد من المبادئ، التي وإن كانت في تقديري الشخصي مستبعدة التنزيل في السياق السياسي والمؤسساتي السائد الذي يروم استمرار التحكم، فإنها تؤسس رؤية واضحة تتجه نحو المطالبة بالأخذ بمبدأ استقلال السلطة القضائية بأقصى مضامينه، عبر غلق كل المداخل التي قد تكون قناة للمس بهذا الاستقلال، أو تمثل ثغرة تتيح التأثير والتوجيه والتحكم في القضاء.وفي هذا الإطار تأتي العديد من المطالب المبدئية من قبيل تأكيد ضرورة انتخاب الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لدى المحكمة نفسها، وإنشاء مجلس للدولة يتموقع على رأس هرم القضاء الإداري بالمغرب، وقبله وخارج هذه المذكرة التبني الصريح لمطلب إشراف القضاة على الانتخابات. وفي اعتقادي فإن الغاية من تسطير هذه المطالب في هذه المرحلة ليس هو تحقيقها الآني بالضرورة، بل تشكيل أرضية مطلبية نضالية صلبة تمثل أساسا للتحرك المستقبلي للنادي، فهي استشراف للمستقبل واستباق لمعارك ينبغي أن تُخاض في سبيل تحقيق الاستقلال التام للسلطة القضائية. وهذا يعكس وعيا متقدما وحرصا ظاهرا على المضي بمطلب الاستقلال إلى أقصاه الممكن. هذه بعض الخيارات التي تُظهر حرض النادي على الانتصار للمستقبل والسير في طريق منظوره الاستشرافي التي يتيح له ربح الوقت في كسب المطالب، عبر تبني ممارسة جرئية مُحرَّكة بوعي تام بحقيقة التغيير الذي يجب أن تعرفه السلطة القضائية، وهذا يجعل ممارسة النادي تهيئ الأرضية الملائمة التي سيُنزل عليها مضمون السلطة القضائية بما يجعل الواقع سابقا على النص ومؤثرا فيه ومتحكما في تحديد طريقة تطبيقه، لأن النصوص القانونية مهما كانت متقدمة فإن قيمة تأثيرها الواقعي لا تتحدد إلا بدرجة استيعابها فكرا وممارسة من طرف المُخاطبين بها ، لأن الواقع دائما أقوى من النص، وتطور النص ذاته إنما يفترض تعبيره عن تطور الواقع الذي أفرزه. فالدستور الجديد جاء عاكسا لتطورات سياسية واجتماعية واقتصادية سبقته، وقياسا فالقوانين التنظيمية للسلطة القضائية ينبغي أن تأتي عاكسة لمستوى تطور واقع القضاء بالمغرب ومسايِرة لما عبر عنه القضاة من رقي الفكر والممارسة من خلال نادي قضاة المغرب.إن الأفكار الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تكون مبنية على أسس واضحة ومتفلتة في منطلقاتها من سجن ردود الفعل المواكبة للتفاصيل المرحلية العارضة التي تتغير تمظهراتها بتعاقب الزمن وتباين السياقات، لهذا كانت مواقف النادي أكثر ثبات ووضوح وقدرة على الصمود، على عكس ما عبر عنه بعض الفاعلين الآخرين من تناقض المواقف وتضارب التوجهات بما يعكس رؤية مرتبكة غير موجهة بمبدأ ولا مرجعية منسجمة.إن ما قيل سابقا عن نادي قضاة المغرب يمكن تمديده بدرجة ما إلى باقي الجمعيات المهنية للقضاة. لأن قوة ممارسة النادي كانت دافعة للعديدين من أجل مراجعة بعض مسلماتهم وتليين بعضا من محددات تموقعهم. لهذا فإن مستقبل السلطة القضائية رهين بمشاركة الجميع وسيادة الاحترام بين الكل، فتعدد الجمعيات يعد وضعا مساعدا على استمرار تطوير الممارسة والفكر ما دام هذا التعدد يعكس تيارات حقيقية تجسد تباينا مبدئيا في الفهم والرؤية، وهذا هو الملاحظ ظاهريا الآن، فالتنوع يتيح المقارنة التي تعتبر أسلوبا علميا لتقييم صحة النتائج وتكوين الاستنتاجات، بما يساعد على تكريس السير في الاتجاه السليم وتصحيح الأخطاء التي لا يسلم منها أي عمل بشري. بقلم: ذ.فتح الله الحمدانـي, ملحق قضائي