العفو خلال الدعوى العمومية علاج ناجع لوضعيات شاذة بتاريخ 19/4/1956 وبالتزامن مع فترة الاستقلال، صدر ظهير شريف مرقم تحت عدد 1.56.091 بإحداث لجنة لمراجعة الأحكام الجنائية والعفو، وبعد مرور أقل من سنتين نشرت الجريدة الرسمية عدد 2365 الصادرة بتاريخ 21/2/1958 ظهير العفو الصادر بتاريخ 06/02/1958، الذي ألغى الظهير الأول، وألغى معه فكرة ربط العفو «بمراجعة الأحكام الجنائية «، كخطوة نحو استقلال القضاء وفصل السلط. استمر العمل بهذا الظهير على حالته إلى غاية تاريخ 5 غشت 1963 ، إذ أضيف ضابط من الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية لتشكيلة لجنة العفو، إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية، والتعديل الثاني، الذي أحدث تغييرات جوهرية في نظام العفو، أدخل بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون الصادر بتاريخ 8 أكتوبر 1977 الذي نسخت بموجبه الفصول من 1 إلى 5 ، وتم استبدالها بخمسة فصول أخرى غيرها، وبموجب الظهير الشريف الصادر بتاريخ 25 أكتوبر 2011 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر الصادرة بتاريخ 26/10/2011 تم استبدال مسميات اقتضاها تنزيل بنود الدستور الجديد.يلاحظ أن الظهير المنظم للعفو لحقته تعديلات وترميمات، إما لأسباب سياسية محضة مرت البلاد منها، أو لأسباب تقنية اقتضاها تحيين التشريع، ودون ذلك فقد بقي الأمر بمثابة «الطابو» الذي لم يجرؤ على الاقتراب منه السياسيون والبرلمانيون، ولم يتعمق في دراسته الفقهاء والباحثون، إلى أن وقعت حادثة دانييل كالفان، الإسباني الذي أدانته غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة وحكمت عليه بثلاثين سنة سجنا بسبب اغتصاب قاصرين، واستفاد خطأ من عفو ملكي بمناسبة ذكرى عيد العرش الرابعة عشرة التي تزامنت مع زيارة الملك خوان كارلوس للمغرب، وهي الحادثة التي استفزت الشعور العام لدى المجتمع المدني، ودعا إثرها صاحب الجلالة إلى إعادة النظر في بعض المعايير المتعلقة بمنح العفو الملكي، بعد سحب عفوه عن الشخص المذكور، وأعطى تعليماته بإقالة من اعتبر مسؤولا عن ذلك الخطأ .والعفو كحق من حقوق رؤساء الدول في بلدان كثيرة ، عندما مورس عن بينة واختيار، وليس بدون علم بخبايا الملفات ومضمونها، كان قد هدأ تارة من روع الرأي العام وتارة ألهب غضبه ،كما حدث في فرنسا سنة 1960 بعد العفو عن بعض الجنرالات، وسنة 1970 بعد العفو عن المسمى بول توفيي، Paul Touvier ، كما أن الرئيس فرنسوا متيران الذي أصدر 408 عفو سنة 1989 ، ومارس قبل ذلك حقه في العفو سنة 1986 عن أخ جاك لانك JACK Lang وسنة 1988 عن برلمانيين من الحزب الاشتراكي، كان المجلس الدستوري قد نزع عنهما صفة الترشح للانتخابات، وهذه النوازل كلها – في عهد الرئيس ميتران - شأنها شأن نازلة « لارك دو زوي « « L’arche de zoé»بعده والتي صدر بشأنها عفو رئاسي بتاريخ 1/4/2008 أحدثت في فرنسا اضطرابات واحتجاجات لم تخل من عنف من هذا الجانب أو ذاك، وكانت المحفز على تعديل المادة 17 من الدستور الفرنسي سنة 2008 وفتح نقاش حقوقي كبير بخصوص موضوع العفو وصلاحيات الرئيس في هذا الشأن .نعود إلى ظهير 1958 في صيغته الحالية حيث يتكون من 14 فصلا تمكن مناقشتها، من خلال بيان أهم التعديلات التي أدخلها، بصفة خاصة، ظهير 1977، ثم تقديم بعض الاقتراحات حول طريقة منح العفو الملكي :أولا - مناقشة أهم التعديلات التي أدخلها ظهير 1977 :لتوضيح ذلك نعرض للنصوص في صيغتها الأصلية ، ثم في صيغتها بعد التعديل. الفصل الأول من ظهير 1958«إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف، هو التخفيض الجزئي أو الكلي من كل عقوبة تصدرها محاكم مملكتنا، ويمكن أن يصدر هذا العفو بشروط أو بطريق استبدال العقوبة».الفصل الثاني من ظهير 1958«لا يجوز إصدار العفو إلا إذا أصبح الحكم بالعقوبة المطلوب العفو من أجلها لا مرد له وقابلا للتنفيذ».الفصل الأول من الظهير بعد التعديل :« إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف ، يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا «.الفصل الثاني من الظهير بعد التعديل :« إن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو إيقاف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض».«وفي حالة ما إذا صدر العفو إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا جاز أن يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر، إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا، وإما الإلغاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه « .الفصل الثالث من الظهير بعد التعديل :« لا يشمل العفو إلا الجريمة أو العقوبة التي صدر من أجلها، ولا يحول بأي وجه من الوجوه دون متابعة النظر في الجرائم أو تنفيذ العقوبات الأخرى، في حالة تعدد الجرائم أو تجمع العقوبات المضاف بعضها إلى بعض أو الممكن إضافة بعضها إلى بعض، كيفما كان نوعها أو درجتها أو الترتيب الذي صدرت فيه «.مؤدى ذلك أن العفو لم يكن بالإمكان ممارسته، في ظل الصيغة الأولى للنص، إلا بعد صيرورة الحكم القاضي بالعقوبة الحبسية النافذة حائزا لقوة الشيء المقضي به وقابلا للتنفيذ، بينما أتى ظهير 1977 بمقتضى جديد، هو عدم اشتراط أن يكون الحكم القاضي بالعقوبة قابلا للتنفيذ، وبالتالي فقد فتح المشرع الباب أمام إمكانية ممارسة العفو ابتداء من تاريخ ارتكاب الجريمة إلى غاية صدور حكم « نهائي « بشأنها، من جهة، وفتح الباب، من جهة أخرى، أمام إمكانية « إيقاف سير الدعوى العمومية « بعد صدور العفو.وهنا لا بد من التوقف عند ثلاث محطات من النص، الأولى تتعلق بإمكانية صدور العفو قبل صيرورة الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به، والثانية هي المتعلقة بإيقاف سير الدعوى العمومية، والثالثة تتعلق بإمكانية صدور العفو عن الجريمة.فبخصوص المسألة الأولى، يلاحظ أن المطلوب، من الناحية الحقوقية الصرفة، مراعاة لاستقلال القضاء وحرمة قراراته، هو أن لا يأتي العفو إلا بعد صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، كما كان ينص على ذلك ظهير 1958 قبل التعديل، كما هو الشأن في دول ديمقراطية كثيرة، إلا أن الممارسة العملية وبعض التجارب التي مر ويمر المغرب منها أعطت الدليل، في أحايين كثيرة، على أن العفو الملكي الذي يأتي أثناء سريان الدعوى العمومية، كثيرا ما كان علاجا ناجعا لوضعيات شاذة أو على الأقل غير عادية، توبع في إطارها أشخاص لأسباب معينة، تبين فيما بعد عدم صحتها، أو عدم جدوى استمرار اعتقالهم، بل تأكدت جدوى الإسراع بالإفراج عنهم.والقضاء قد يتأثر بما كان قد واكب تحريك المتابعة من تأليب للرأي العام وتجييش له، فلا يجرؤ على تمتيعهم بالسراح المؤقت، الأمر الذي لا يجعلني متحمسا كثيرا لفكرة الرجوع إلى ظهير 1958، رغم أن شيئا من داخلي يشدني إليها، ويشدني أكثر من ذلك أمل توفير كل الأسباب الكفيلة بتوقير القضاء وضمان استقلاليته عن المؤثرات كلها وعدله ونزاهته وجرأته ونجاعته، فآنئذ لن أتردد في التحمس للفكرة إياها. بقلم: الأستاذ طيب محمد عمر, محام بهيأة الدار البيضاء