ملف الصباح

أوسكار…ساحر لبلاطا

وأنت تجالس الأرجنتيني أوسكار فيلوني، تشعر أنك أمام إنسان غير عاد، راكم من تجارب الحياة، ما يجعل منه أسطورة في العديد من المجالات، الرياضية منها والاجتماعية، وفي بعض الأحيان حتى الطبية منها والنفسية. لأنه كذلك، فالحديث معه شيق وذو شجون. يروي أدق تفاصيل مسيرته، ويبحر في تحليلها، ولا يترك شيئا للصدفة، لا يؤمن بالقضاء والقدر في مجال الكرة، وإنما يؤكد أنه بالعمل يمكن تحقيق المعجزات.
التقى كبار اللعبة في العالم، واستفاد من خبرتهم، بداية بألفريدو ديستفانو وبوبي شارلتن ومرورا بأليكس فيرغسون وبوب روبسون، ووصولا إلى روني ميشالز والأسطورة كرويف الذي التقى به في دورة تكوينية بأجاكس أمستردام.في هذه الحلقات نروي تفاصيل مسيرة المدرب الأجنبي الأكثر تتويجا في كرة القدم الوطنية، المدرب الذي قاد الغريمين الرجاء والوداد الرياضيين إلى ثمانية ألقاب محلية وقارية، وكان وراء اكتشاف جيل من اللاعبين، أثثوا فضاء البطولة الوطنية، ومنهم من تجاوزت شهرته الحدود… اليوم يجتاز هذا الهرم ظروفا صعبة، ويؤدي ثمن إخلاصه وحبه للمغرب، بعد أن تنكرت له الأندية التي أعطاها الشيء الكثير، وصنع مجدها…
لديه الكثير مما يسرد ويحكى، خصوصا في مجال التسيير داخل الأندية الكبرى، ويشكل العلبة السوداء لمجموعة من الأحداث عايش أدق تفاصيلها، لكنه يفضل الصمت، احتراما للأجيال المقبلة.
ولد أوسكار بلبلاطا بالأرجنتين في يوم غير عاد لأنه صادف 4 – 4 – 1944. ولأنه إنسان غير عاد، غادر وطنه قبل أن يبلغ سن الرشد، جريا وراء الجلدة الملعونة التي قادته إلى خمس قارات، آخرها القارة السمراء، التي يقول عنها إنها ألهمته وهو صغير، وسحرته شابا يافعا، قبل أن تجذبه في مرحلة النضج، لتجعل منه ساحرا لبلاطا الذي حول تربتها إلى نجوم تلألأت في سماء الكرة العالمية.

التجربة النرويجية وحرب المـالوين  

“حبي للتدريب وأملي في العودة إلى إنجلترا، دفعاني للتأقلم مع أجواء النرويج القاسية، فوقعت لصاندال، واشتغلت في مجال التكوين، في ظل صراعات ومنافسة من مؤطرين، يجهلون كل شيء عن المجال، ويؤمنون فقط باللاعب الجاهز القابل للتصدير، رغم تواضع مستوى الدوري، الذي كان يعد المزود الرئيس لدوريات المنطقة”.
شكلت هذه الفترة من حياة أوسكار لحظة تأمل لمسيرته منذ أن غادر الأرجنتين قبل حول عقدين من الزمن، مكنته من الوقوف على الهفوات التي ارتكبها، وإنجازاته الحقيقية، المتمثلة في كسب خبرة وتجربة أوربا، والممارسة إلي جانب كبار اللعبة، وخصوصا محطة إنجلترا التي ستظل عالقة بذهنه” لن أنسى تلك المرحلة الذهبية من مسيرتي، فرغم أنها لم تكن طويلة إلا أنها ساعدتني على تكوين شخصيتي الكروية، سواء لاعبا أو مدربا”، فالممارسة في المملكة لها طعم آخر، حسب أوسكار، ولا تضاهيها أي ممارسة في العالم، من حيث التنظيم ووضع قوانين اللعبة، وتابع” مزاولة كرة القدم في إنجلترا عبادة، لذلك ترى الناس يتوجهون إلى الملاعب نهاية الأسبوع بأحلى ما لديهم من بذل، ويرافقهم أعز وأقرب إنسان إليهم، هكذا هي طقوس الجلدة الملعونة في بريطانيا العظمى وليس إنجلترا فحسب،” لذلك أعطاني وجودي بالمملكة طعما آخر للممارسة، ولم يعد الهاجس المالي وحده يشغل بالي، بل كانت هناك أمور أخرى، ذات طبيعة روحانية، افتقدتها منذ مغادرتي لإنجلترا”.
لحسن الحظ يضيف أوسكار، أن أزمة المالوين، انفرجت أسرع مما كنت أتصور،” تمت المناداة علي من جديد، وعرض علي تدريب ملوال، من أندية الدرجة الأولى (القسم الثاني)، وفيه أثبت جدارتي وأحقيتي بالقيادة من كرسي الاحتياط. ولأنها مهمة صعبة كان علي أن أتحلى بالصبر، وأن أغير من طباعي الحادة، وهذا بالضبط ما تعلمته من الدورة التكوينية بأجاكس الهولندية”.
يتوقف للحظة ثم يواصل” ما قلته عن إنجلترا، أكرره بخصوص هولندا، فهي بلاد أنجبت عددا لا يحصى من النجوم، رغم أنها لم تحصل على الكثير من الألقاب، شأنها شأن إنجلترا”.
سنتان رفقة ملوال كانتا كافيتين للحصول على جواز التدريب في مملكة كرة القدم، خصوصا بعد صعود 13 لاعبا إلى الفريق الأول من شباب الفريق في الموسم الأول، “تقاطرت علي العروض، إلا أنني راهنت على التكوين، فاخترت شيفلد يونايتد، مدربا ومشرفا عاما، فحققت معه نتائج باهرة، صنعت لي اسما بين كبار المكونين في الدوري، وأصبحت محط أنظار العديد من الأندية الكبيرة التي أرادت الاستثمار في مجال التكوين”.
بعد لحظة تأمل عاد أوسكار للحديث عن آثار حرب المالوين، وقال”شعرت بعد اندلاعها بيتم حقيقي، لم أكن لأغادر إنجلترا إلا للعودة إلى الأرجنتين، بلدي الأصلي وأرض أجدادي، ولكن كان علي أن أتوجه إلى إلى وجهة مجهولة المصير، بسبب رفضي الامتثال إلى التجنيد الإجباري، في ظل حكم عسكري ديكتاتوري مستبد، وسأعود إلى هذه النقطة بالتفصيل، فيما تبقى من الحكاية. لقد شعرت حينها كما قلت أنني يتيم مرتين، مرة لتركي إنجلترا، وأخرى لعدم قدرتي على العودة إلى الأرجنتين”.
ذلك فصل آخر من حكاية ساحر لبلاطا. فصل شغل بال المتتبعين محليا، هنا بالمغرب، حينما كان يشرف على الرجاء الرياضي، وأحرز معه ستة ألقاب، من بينها دوري الأبطال، في مباراة تاريخية بملعب المنزه بالعاصمة التونسية ستدرس للأجيال، فبل أن يفاجئ الجميع، ويرفض مرافقة الفريق إلى البرازيل للمشاركة في أول نسخة من مونديال الأندية، فاسحا المجال أمام الإشاعة.

نورالدين الكرف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق