حوادث

دراسة في القانون: انفصال النيابة العامة (3/3)

 

المؤسسة التي لا تتمتع باستقلال مالي لا تكون مستقلة

 

كثر الحديث مؤخرا عن استقلال النيابة العامة وكأن هذه المؤسسة لم تكن يوما كذلك. والحقيقة أن النيابة العامة كانت دوما وأبدا مستقلة لا يحد من استقلالها
 إلا درجة إيمان وتكوين أعضائها. فجميع المعطيات المتوفرة إن دوليا أو وطنيا تناضل في سبيل القول باستقلال النيابة العامة.

إذا كان لا بد من تعزيز النظام القضائي المغربي بمؤسسة جديدة هي مؤسسة «النائب العام»، يبقى مع ذلك التساؤل قائما حول كيفية اختيار النائب العام المغربي، هل نعتمد في اختياره أسلوب التعيين أم نسلك في ذلك أسلوب الانتخاب؟
كيفية اختيار النائب العام
الحقيقة أننا لا نهتم لأسلوب اختيار النائب العام بقدر ما نهتم للمنظومة التي ستؤطر عمله. فسواء تم تعيينه أو انتخابه، مع ما للأسلوبين من أهمية بالغة، في تحديد درجة استقلاله في القيام بالمهام المسندة إليه، فإننا نرى أن من الضروري وضع مجموعة من الآليات التي تحصن النائب العام، وتحمي مؤسسة النيابة العامة في الوقت نفسه. ومن بين هذه الآليات يمكن أن نذكر:
1 – مدة تولي المهام
مما لا شك فيه أننا نعيش في عالم خاصيته الأساسية التحول والتغير السريعان، مما لم يعد يستقيم مع بقاء الأشخاص لمدد طويلة في مناصب المسؤولية. فهذا المدعي العام الأعلى الكوري الجنوبي ينتخب لمدة عامين اثنين دون أي إمكانية لتجديد انتخابه يتفرغ بعدها للتدريس أو لمزاولة العمل السياسي. وتقدم هذه الطريقة في التعيين ميزة استمرارية مد جهاز النيابة العامة بدماء جديدة وتحصينه من التحكم والمحاباة. غير أن مدة السنتين تبقى مدة قصيرة كما يرى البعض، وربما كان من الأجدى رفعها إلى ثلاث سنوات.
2 – مدى اتساع صلاحيات النائب العام وسلطاته
وهذه مسألة تحدثنا عنها أعلاه.
3 – نوعية وسائل العمل
هل يمكن للنيابة العامة أن تقوم بواجبها في حماية المجتمع والمواطن في غياب ما يلزم من الإمكانيات البشرية الكفؤة والوسائل المادية الكافية؟ الجواب لا يمكن بطبيعة الحال أن يكون إلا بالنفي.  فالنائب العام في حاجة إلى طاقم فني رفيع المستوى يساعده في تصريف شؤون النيابة العامة الداخلية والخارجية، كما يحتاج إلى إمكانيات مادية تسمح له بهامش واسع من الاستقلال في تدبير القضايا دون حاجة إلى المرور بالضرورة عبر مصالح الضابطة القضائية التي تتبع كما نعرف جميعا، على الأقل على المستوى الإداري، لجهات غير قضائية.
بالرجوع إلى التجربة الكورية، سوف نلاحظ أن المدعي العام الأعلى يتوفر في وسط العاصمة سيول على بناية خاصة من سبعة عشر طابقا تحتضن، إلى جانب مكاتب المدعي العام، مختبرات الشرطة العلمية بجميع تخصصاتها يشرف عليها نواب المدعي العام مباشرة، كما تحتضن مكاتب مفتشي النيابة العامة، وهم أعوان يتبعون للنيابة العامة يساعدونها في إجراء التفتيشات والحجوز، وغيرها من الإجراءات المفيدة للأبحاث المفتوحة.
ومن قوة النيابة العامة بدولة كوريا الجنوبية التي تستمدها أساسا من استقلالها ومن ثقة المواطن فيها، أن خرجت علينا وسائل الإعلام الدولية في الآونة الأخيرة بخبر إجرائها، معززة بمفتشيها، لتفتيش بمكاتب الاستعلامات العامة التابعة لوزارة الداخلية على خلفية الأبحاث المفتوحة في تورط هذه المؤسسة في التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة لفائدة أحد المرشحين.
4 – الاستقلال المالي
هل يمكن تصور استقلال مؤسسة ما في غياب استقلالها المالي؟ سؤال لعمري صعب الجواب. فالمؤسسة التي لا تتمتع باستقلال مالي لا تكون مستقلة، من حيث المبدأ، لا في اتخاذ قراراتها ولا في تنفيذ برامجها. والمسألة تأخذ بعدا أكبر في بلادنا التي تواجه صعوبات كبيرة بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها العالم في الآونة الأخيرة، إذ بات من الضروري، وأكثر من أي وقت مضى، ترشيد الإنفاق العمومي.
إن الفكرة هنا هي أنه قد يكون من الأجدى تمكين رئيس النيابة العامة من سلطة رصد حجم الموارد المالية التي سيحتاجها برسم كل سنة لتمويل البرامج وتحقيق الأهداف التي يرسمها لجهاز النيابة العامة تنفيذا للسياسة الجنائية العامة.
5 – المساءلة
لأن المسؤولية هي مرادف الاستقلال، فإنه سيتعين أن يكون النائب العام  مسؤولا عن اختياراته، وعن قراراته، ومدى توفيقه في تنفيذ سياسته في إدارة جهاز النيابة العامة من جهة، وفي توظيف الإمكانيات المالية وغيرها التي رصدت لجهازه في تنفيذ البرنامج الذي خطه لمؤسسته من جهة ثانية. وبعبارة أخرى سيكون على النائب العام إقناع الجهة التي سيكون مسؤولا أمامها بجدوى ومقومات السياسة التي يعتزم تنفيذها في بداية كل سنة من ناحية، وبالحاجة إلى تمكينه من الإمكانيات المادية الضرورية التي يحددها لتنفيذ برامجه من ناحية أخرى، على أن يساءل من جديد عند نهاية السنة لتحديد مدى توفيقه في انجاز الوعود التي قطعها على نفسه، وفي صرف الاعتمادات التي خصصت له. ومن شأن هذه الطريقة في تدبير أسلوب اشتغال جهاز النيابة العامة أن تفيد في تحقيق الأهداف التالية:
– فهي بداية ستساعد في خلق أعضاء النيابة العامة الرواد الذين يتوفرون على تصور حقيقي لما ينبغي أن يكون عليه دور النيابة العامة داخل المجتمع من جهة، وعلى قدرة حقيقية على الإقناع بجدوى ذلك التصور من جهة ثانية، كما يتوفرون على تصور حقيقي لما ينبغي فعله  لترجمة ذلك التصور إلى حقيقة يعيشها المواطن على أرض الواقع من جهة ثالثة.
– وهي إلى جانب ذلك تساعد في ترشيد الإنفاق العمومي على مستوى قطاع العدل. فإذا كانت الإدارات جميعها ملزمة بإتباع أسلوب التدبير بواسطة الأهداف الذي دعا إليه الوزير الأول بواسطة المنشور عدد 2001/12 الصادر بتاريخ 25 دجنبر 2001. وهو أسلوب يقوم على فكرة التعاقد بين الجهة الممولة والجهة المنفذة تتوفر بموجبه الجهة المنفذة على هامش واسع من الحرية في تحديد احتياجاتها وفي تنفيذ برامجها، وتحتفظ في إطاره الجهة الممولة بسلطة مراقبة حسن تنفيذ الجهة المنفذة لالتزاماتها، وبسلطة التدخل لتصحيح الاختلالات فور وقوعها، فإن النيابة العامة تكون ملزمة هي الأخرى بإتباع الأسلوب نفسه، أسوة بما يجري به العمل لدى نظيراتها عبر العالم، ومنها النيابة العامة الفرنسية التي يلزمها القانون التنظيمي حول قانون المالية المعروف ب” LOLF” بسلوك الأسلوب نفسه في ترشيد نفقاتها.
– وهي فوق هذا وذاك، سترفع النيابة العامة المغربية إلى مصاف النيابات العامة الدولية.
يبقى مع ذلك التساؤل مطروحا حول الجهة التي سيكون النائب العام المنتظر مسؤولا أمامها.
القاعدة أن المؤسسات وطنية كانت أو دولية تكون مسؤولة أمام الجهات الممولة. وبالرجوع إلى التجارب الدولية في الموضوع سنجد أن النائب العام البريطاني مسؤول أمام البرلمان. وهو نظام لا تنفرد به بريطانيا وإنما تأخذ به أنظمة قضائية عديدة عبر العالم ذات الأصول الأنجلسكسونية منها على وجه الخصوص. يبقى لنا نحن كذلك أن نحدد الإطار الذي سينظم مسؤولية النائب العام المرتقب وفق النموذج الذي سيجسد فكرة «الاستقلال مرادف المسؤولية».

بقلم: رشيد صادوق, دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق