مجتمع

السيبة بمنطقة جبل درسة بتطوان

“حومة ربع ساعة” نموذج السكن العشوائي وبناء مسكن مقابل خمسة آلاف درهم

نشطت حركة البناء العشوائي بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية  بمنطقة جبل درسة بتطوان، وحطمت أرقاما قياسية، بعد أن استنبتت أحياء جديدة  في وقت وجيز، خاصة بغابة الصنوبر، في غياب أي بنيات تحتية واجتماعية قادرة على احتواء الوضع.

أدت هذه الوضعية إلى خلق مشاكل عديدة تؤدي  إلى أزمات، كما هو الشأن خلال التساقطات المطرية التي تحدث كوارث كبيرة كل سنة، ولم تتمكن مختلف الأطراف التي تسهر على قطاع التعمير في المدينة أن تضع حدا لهذه الظاهرة. تعتبر منطقة جبل درسة من أهم وأقدم مجالات التعمير العشوائي بتطوان، إذ تتميز الوضعية القانونية بتعقدها وبكثرة المشاكل والصعوبات التي تحول دون تصفية وضعية التحفيظ العقاري بهذه المنطقة الجبلية، خاصة أن البناء العشوائي بها استنبت فوق هضاب، وتختلف هذه المنطقة كل الاختلاف عن باقي المناطق الأخرى في تطوان.

ورش مفتوح للبناء العشوائي

كشفت زيارة “الصباح” إلى المنطقة، حقائق الفوضى، إذ تحول الحي المعروف بـ “الإشارة” إلى ورش مفتوح للبناء العشوائي، بعد أن نشطت هذه الحركة بشكل ملفت  للنظر في الآونة الأخيرة، بعدما ازدادت وتيرة البناء العشوائي فيه بشكل كبير، أمام  تساهل السلطات المعنية المتمثلة في  العمالة والجماعة  الحضرية والوكالة الحضرية.
وتحولت هذه المنطقة المعروفة بـ “البينيا” إلى سوق مفتوح بين المواطنين المخالفين، وبعض أعوان السلطة وباقي الأطراف الذين عملوا على تحديد فواتير البناء بشكل غير قانوني.
وأوضح أحد القاطنين بالمنطقة أن بناء مسكن في هذه المنطقة، يتراوح سعره بين ألفين إلى خمسة آلاف درهم، مشيرا إلى أن جميع البنايات التي شيدت بطريقة عشوائية أصحابها منحت لهم رخص “شفوية ” تحت شعار “ما شْفتيني ما شْفتكْ”.
ويجد في  منطقة جبل درسة  تجار المخدرات والمنحرفون والفارون من العدالة ملاذا وملجأ لهم، ومحطة لتنفيذ خططهم وترويج المخدرات على نطاق واسع في كل أنحاء المدينة.
يحكي أحد سكان حي جبل درسة، أو بالأحرى الجزء الأوسط منه، أنه حل بالمنطقة، منذ أواخر السبعينات، وقد كان حي جبل درسة هو المنطقة الآهلة، لكن لم يكن بهذا الشكل يقول، فقد كانت الغابة ماتزال موجودة، بل إن الكثير من الأسر هناك كانت تخرج في فترات الجو الجميل لتلك الغابة والفضاءات المجاورة، وهو ما لم يعد اليوم، لقد شهدت المنطقة خلال أقل من عشر سنوات تغيرا جذريا، فقد كانت المنازل تبنى بين عشية وضحاها، ويشرح ذلك بالقول، إن هناك منازل بنيت في عطلة نهاية الأسبوع، كما أن عددا من المنازل بنيت ليلا.

صمت السلطات

طريقة البناء تلك، التي كان تورط السلطات المحلية فيها واضحا، هو ما دفع إلى تسمية بعض الأحياء هناك بـ “حومة ربع ساعة” نظرا للسرعة التي تم بها إنشاء وبناء تلك المنازل، فيروي سعيد، الذي يقطن بدوره من زمان هناك، أن بعض الأسر كانت تقوم ببناء “برّاكة”، لكن فقط لتغطية ما تقوم به، حيث إن “البرّاكة “ليست سوى غطاء لما يبنى بالداخل، فبعد أيام أو أسابيع يتم إزالة الزنك، لتجد أسفله بناء مكتملا لمنازل بغرف، دون أن ينتبه أحد لذلك.
“كل الأساليب والوسائل تم استعمالها، ومازالت تستعمل لحد الساعة” يوضح فاعل جمعوي هناك، ويشير إلى غياب دور الدولة في دعم السكان وإرشادهم للخروج من هاته الوضعية غير القانونية، مؤكدا أن ما يسلم “رشاوي” لبعض أعوان السلطة وكذا بعض التقنيين الجماعيين، هو أكثر بكثير مما كان بإمكانه استخراج رخصه بها، لكن التعقيدات التي يجدها المواطنون في مختلف المستويات، تدفعهم إلى البحث عن الطريق السهل يقول المتحدث، ومن ثم يبقون تحت نير الابتزازات المستمرة، وكذلك البناء بطريقة غير مقبولة وغير إنسانية.
يذكر أن السلطات المحلية بتطوان أصدرت بعض القرارات التأديبية في حق بعض أعوان السلطة بسبب تورطهم في ملفات البناء العشوائي، كما عمدت في الأشهر القليلة الماضية إلى هدم العديد من المنازل التي شيدت بطريقة غير قانونية في إطار حملة لمحاربة البناء العشوائي، بيد أن أغلب الأشخاص الذين هدمت منازلهم العشوائية عمدوا إلى بنائها من جديد.
ويلقى البناء العشوائي ردود فعل سلبية من قبل الجمعيات العاملة في مجال البيئة التي تحتج بشدة على التساهل الذي يتم من قبل السلطات العمومية وأعوان السلطة والجماعات الحضرية و الوكالة الحضرية، خاصة في الحي  المذكور  الذي تحول  إلى كتلة إسمنتية تفتقر إلى أبسط الشروط الضرورية كالمرافق الاجتماعية والمدارس والمساجد والمستوصفات والفضاءات الخضراء…

مورد مالي للسماسرة

تفيد مصادر عليمة أن البناء العشوائي الذي ازدهر وانتشر بقوة في هذه المنطقة في السنتين الماضيتين، خاصة في فترات الحملات الانتخابية، يعتبر سوقا وموردا ماليا مهما  لبعض أعوان السلطة الذين اغتنوا من ورائه في وقت وجيز بعد أن جعلوه مصدرا للكسب والارتزاق، رغم ما يتميز به من أخطار وغياب المواصفات القانونية التي تخص الجودة، إذ أوضحت مصادر “الصباح”، أن بعض أعوان السلطة التابعين للملحقة الإدارية مولاي المهدي التي تدخل المنطقة في نفوذها الترابي راكموا ثروات هائلة.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن البناء العشوائي بمنطقة جبل درسة يزداد انتشارا يوما بعد آخر دون توقف، في غياب رادع أمني وتسريع وتيرة تنفيذ المساطر الخاصة المعمول بها  في مجال الشكايات المرفوعة للجهات المعنية مما  يجعل التغلب على المشاكل المترتبة عن ذلك أمرا مستعصيا.
وكانت عملية هدم المنازل العشوائية التي قامت بها السلطات المحلية في الأسابيع الماضية، خلفت موجة احتجاجات من طرف المتضررين الذين اتهموا السلطات بالاعتداء على ممتلكاتهم، والتسبب في خسائر مادية جسيمة لهم، موضحين أن “عمليات البناء كانت تتم في واضحة النهار، وأمام أعين رجال وأعوان السلطة، مقابل أتاوات”، وهو ما يفسر حسب قولهم التواطؤ والتزام الصمت حيال عمليات البناء التي تمت بالمنطقة، وما تزال تتم بطرق غير قانونية، متسائلين في هذا الخصوص، “لماذا لم تتدخل السلطة في الوقت المناسب لتمنع عمليات البناء التي شيدت وما تزال تشيد بشكل غير قانوني”.

يوسف الجوهري (تطوان)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق