ملف الصباح

بعد الإفطار…فرصة لملء “خزان” المزاج

لا شيء يعلو على “النشاط” ما بعد موائد الإفطار كما لو أن الناس غادروا سجنا في جزيرة بعيدة على التو قضوا به سنوات سحيقة.
البعض يفسر ما يجري بليالي رمضان برغبة في الانتقام من ساعات قليلة من الصوم “قُطع” فيها هؤلاء من السجائر والمخدرات وباقي الملذات الأخرى، أو رغبة منهم في ملئ “خزان” المزاج إلى آخر نفس استعدادا لليوم الموالي، لكن لا يوجد وصف آخر يكمن أن نضعه تحت هذا البند غير النفاق.
بالنسبة إلى “سعاد”، اسم مستعار طبعا، الأمر مختلف تماما ولا تكترث كثيرا لكلام من هذا القبيل، فـ”العمل والشغل” بالليل مهنة تمارسها في كل الأوقات لا فرق لديها بين رمضان أو شعبان أو عيد الأضحى أو “راس العام”..بالنسبة إليها كل الأوقات وجميع الأماكن مناسبة لمهنة قذرة تمارسها مرغمة بعد أن سدت كل الطرق في وجهها الذي فقد الكثير من ملامحه بعد أن حولته إلى مختبر صغير لتجريب أنواع المساحيق الرخيصة.
الحركة والانتباه مطلوبين إلى أقسى الحدود بالنسبة إلى “سعاد” لتفادي مقلب من مقالب الزبناء أو تجنب حالة تلبس في وضع مخل للآداب في الشارع العام تقودها إلى أحد مخافر الشرطة القريبة..لا مجال للخطأ الذي قد يكلفها ليلة كاملة لا تجني من ورائها غير البهدلة و”التصرفيق” في سيارات الأمن المهترئة، وفي أحسن الأحوال صرف أجرة يوم بكامله تهبها “رشوة” من أجل إطلاق سراحها.
 لباس مميز عبارة عن عباية خليجية سوداء شفافة تظهر من منها سترة بيضاء وسروال جينز كشف عن خيوط تبان أسود، تسريحة الشعر زادتها كثرة الأصباغ الصفراء فقاعة..لسبب ما، يفضلن عاهرات شارع محمد الخامس وأزقته الخلفية طلاء شعورهن بــ”الأوكسجين” وارتداء جلابيب أو عباءات ضيقة ترسم من تحتها تضاريس أجساد ثخينة، لكن أحد العارفين بخبايا ليل شارع محمد الخامس يقول إن مثل هذه الملابس تتحول إلى “ماركات مسجلة” وعلامات طريق مميزة لا تخطؤها العين، ويضيف أن عاهرات هذا الشارع لهم قدرة على استقطاب زبناء من نوع خاص ينتمون إلى فئة الرجال الذين تستهويهم، في المرأة كثرة “اللحم والشحم”، لذلك تعمد نساء شارع محمد الخامس إلى تجريب كل الوسائل لإذكاء هذه الرغبة  من أجل حشد أكبر عدد من الزبناء ومنافسة شوارع أخرى بخصوصات أخرى مثل شارع أنفا وشارع مولاي يوسف وشارع المسيرة الخضراء وشوارع عيد الذئاب.
خلف كل عاهرة حكاية تخطف الدموع من المقل، وحكايات عاهرات شارع محمد الخامس بالدار البيضاء وأزقته الخلفية العطنة أثقل من الهم على القلب، منها قصة “سعاد” التي لخصتها في جملة واحدة “قلة لعقل أوصافي” دون أن تنبس ببت كلمة واحدة ربما لأن الوقت ليس وقت كلام بل وقت عمل ولم تخرج للحديث الخاوي بل لالتقاط بعض الدراهم على حد السيف.
نساء من مختلف الأعمار يرفعن من نسبة “المشاركة” في الشارع العام أو ما تسميه دوريات الأمن بالإخلال بالحياء العام وتقبض، مقابل غض الطرف عليه، إتاوات يومية، نساء يمحقهن البؤس والحاجة والتعاسة يمنحن “الفرح” في ليالي شهر الفضيل للعابرين والمدوخين بالمعجون والقرقوبي والشيشة والحشيش وسطور الكوكايين الرخيص، يختلفن في حكاية التفاصيل عن ركوب مهنة اقرب إلى القذارة، لكنهن يشتركن في حرق جميع المراكب إلى حياة كريمة، ولم يعد لهن غير “منفذ” واحد لكسب رمق عيش.
اختفت “سعاد” من الركن نفسه من شارع محمد الخامس، لم يعد لها وجود، ربما حملتها دورية أمن، لكن الأرجح أنها وجدت زبونا من هؤلاء الذين تطلق عليهن العاهرات “أولاد الناس”، تختفي وتظهر كثعلب في غابة موحشة اسمها الـــــــحياة.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض