ملف الصباح

شهر الهوس بكل شيء

صائمون يتنافسون على الإنفاق والمتع

رمضان، الذي يفترض أن يكون شهرا للتعبد والصيام والقيام، تحول في هذه البلاد السعيدة إلى فترة زمنية تشتد فيها المنافسة بين الصائمين على من ينفق أكثر ويبذر أكثر، ومن يتجاسر أشد وأكثر على حرمة هذا الشهر الكريم الذي أنزل فيه القرآن.
لا يقتصر السباق المحموم على شراء كل أصناف المأكولات والمشروبات، التي غالبا ما يجد معظمها طريقه إلى حاويات القمامة، وليس إلى بطون هؤلاء النهمين الذين صاروا يأكلون بأعينهم أكثر ما يأكلون بأفواههم وتتسع محاجر أعينهم لأكثر مما تتسع له بطونهم، لكنه يمتد ليطول حتى المحرمات المنهي عنها في كل وقت وزمان.
شهر رمضان أصبح بمثابة فرصة تاريخية ليقضي فيها المرء أكبر وقت ممكن من الانغماس في الكثير من مظاهر التهتك والتفسخ الأخلاقي، التي لا تتوقف عند السهرات الماجنة حيث يتم تعاطي عدة أنواع من المخدرات سواء الصلبة أو الخفيفة، بل ينتهز الفرصة ليواصل البحث عن أجساد عاهرات سعيا وراء متع جنسية عابرة.
إننا مهووسون بكل شيء ونريد أن نحقق كل شيء. نصوم وأعيننا على نعيم ورغد الجنة، لكن لا قدرة لنا على التنازل أو التخلص قيد أنملة من بعض مساوئ أخلاقنا التي لم يعد البعض يراعي فيها حرمة شهر الصيام. هذا الشهر أصبح يعري كثيرا من عورات أولئك الذين يقموون إنهم يصومون الشهر إيمانا واحتسابا، لكنهم في واقع الحال يخرقون أبسط مبادئه ومقوماته.
مظاهر المجون التي يعرفها شهر رمضان الفضيل تكاد تدفع المرء إلى الجزم بأنه شهر ما عاد للعبادة والتقوى مكان فيه، بل هو مناسبة يتسابق فيها الكل مع الكل من أجل إشباع رغبات جامحة وهوس لا يعرف حدودا للمباح والجائز والحرام والممنوع. البعض يمكن أن يوجه في هذا الصدد اللوم إلى العائلة التي ما عادت تربي وتكتفي بالإنجاب والقذف إلى الشارع بمخلوقات تهيم على وجهها مثل الأنعام، وآخرون يلومون المؤسسات التربوية التي تخلى كثير منها عن دوره التربوي وانساق وراء تطلعات وطموحات زائفة.
ثم هناك فئة ثالثة توجه اللوم إلى وسائل الإعلام التي ما عاد الجانب الديني والروحاني للمغاربة يمثل أي أهمية في برمجتها، بل إنها أفسحت المجال لبرامج ستدك ما تبقى من وازع وثقافة دينيين عند المغاربة المدمنين على الجلوس أمام شاشات هذه القنوات التي لم يعد يبث منها سوى كل ما يسيء ويقزز ويبعث على الغثيان.
وهناك فئة رابعة تنتقد الدور الغائب، أو المغيب، للمؤسسة الدينية التي بدورها تهمل واحدا من أبرز أدوارها، وهو نشر الوعي وأسس المعتقد الديني السليمة، وتتفرغ للمضاربة في صفقات الأراضي والعقارات والمحاصيل وصفقات العمرة والحج، والرد، بين الفينة والأخرى، على أشباه مثقفين يتطاولون على الدين الإسلامي أو على بعض رموزه، ولسان حالها يقول “دع القطعان ترعى في أرض الله الواسعة”، وليصم من يصوم وليمجن من يريد المجون وليسهر من يريد السهر … فللدين رب يحميه…

محمد  أرحمني  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض