حوادث

دراسة في القانون: فيلولوجيا وسيكولوجيا

 

البيان وصف أنه أضعف في تاريخ جمعية هيأة المحامين

 

انعقد بتاريخ  6 يوليوز 2013 بإحدى قاعات كلوب هاوس بفندق سوفيتيل بضاحية الجديدة، كما كان مقررا من قبل، الاجتماع الدوري لمكتب جمعية هيأة المحامين بالجديدة. وكما كان متوقعا خصص هذا المكتب وقتا كبيرا استغرق أزيد من عدة ساعات من اجتماعه لموضوع مرسوم المساعدة القضائية.

ما لفت انتباه من حضر للاجتماع الدوري لمكتب جمعية هيأة المحامين بالجديد، أن عدد الحاضرين إليه كان قليلا رغم أن موعد انعقاده صادف فترة العطلة الصيفية، ومكان انعقاده كان بمنتجع جميل بضاحية الجديدة لا يقل روعة وجمالا عن منتجع السعيدية الذي عقدت فيه الجمعية مؤتمرها في الشهر الماضي.  كما أن عدة نقابات كبرى مثل نقابة أكادير وهي نقابة رئيس الجمعية الحالي، ونقابة طنجة وهي نقابة رئيس الجمعية السابق، ونقابة وجدة، ونقابة مكناس، ونقابة مراكش، إما تخلفت عن الحضور إليه، أو اكتفت بالحضور إليه بتمثيلية رمزية . وهو ما فسره البعض بعدم رضى هذه النقابات عن الموقف المتصلب الذي اتخذه بعض النقباء من المرسوم الذي نعتوه بأنه مرسوم مشؤوم.  
ثانيا : أن هذا الاجتماع ، وعلى خلاف العادة ، لم يخصص وقتا مهما منه للبحث في الآليات الكفيلة للضغط حتى تحقيق الغاية التي كان يصبو إليها مكتب الجمعية من قراره بتعليق خدمات المساعدة القضائية. وإنما خصص هذا الوقت للبحث فقط في الوجه الآخر من العملة المتمثل في نقطة واحدة تتمحور في مناقشة مسألة التراجع عن هذا الموقف من عدمه. ومن عجب أن النقاش الذي كان يسير في اتجاه واحد لا منفذ له   انصب على الغمز واللمز في أصحاب الرأي المعاكس ممن لا يضمهم مكتب الجمعية من رؤساء سابقين للجمعية وأعضاء ونقباء سابقين، وهم الذين وصفهم البيان الصادر عن هذا الاجتماع بأنهم من حواريي وزير العدل وأتباعه المتنكرين لمؤسستهم المهنية، أكثر مما انصب على موضوع المرسوم نفسه، هذا النقاش الساخن الحاد الذي صعد فيه موقف تعليق خدمات المساعدة القضائية وحده إلى الحلبة، استغرق كل ذلك الوقت الطويل ليسفر عن صدور بيان وصفه البعض بأنه أضعف بيان يصدر عن الجمعية في تاريخها. سواء من حيث شكله الذي صيغ في عبارات غاضبة ومتشنجة جعلت عددا من الأخطاء النحوية والإملائية تتسرب إليه . أو من حيث الموضوع الذي سجل بعض الملاحظين عليه هذه الملاحظات التالية :
أولا : أنه يأخذ فيه على وزير العدل ما سماه تلكؤا في نشر مرسوم الإلغاء الذي أكد على صدوره في غير ما مناسبة، رغم أن الوزراء، كما هو معلوم في أبجديات القانون الدستوري، ليس من صلاحياتهم إصدار المراسيم التي هي من صميم الاختصاصات التنظيمية التي خولها الدستور لرئيس الحكومة، فهو وحده الذي له الصلاحية لإصدارها أو لتعديلها أو لإلغائها . مثلما هو معلوم كذلك أن نشر القوانين والمراسيم بالجريدة الرسمية هو من اختصاص الأمانة العامة للحكومة وليس من اختصاص وزارة العدل حتى يعاب عليها التلكؤ في إصدار مرسوم الإلغاء ونشره.
ثانيا : إنه يدين ما أسماه تدخلا لوزير العدل في شؤون القضاء وبالمس باستقلاله وبحقوق الدفاع لمجرد أنه لفت الانتباه إلى أن من شأن الاستمرار في رفض مد يد المساعدة القضائية للمحتاجين إليها أن يعطل إجراءات المحاكمة، ويؤدي إلى إطالة أمد اعتقال المتهمين الموضوعين رهن الاعتقال الاحتياطي، ويضطر المحاكم إلى أن تنظر في القضايا دون حضور المحامين، كما سبق لها أن فعلت في مناسبات سابقة، أو لمجرد أنه دعا أعضاء النيابة العامة التابعين له باعتباره رئيسا لهم بقوة القانون لتقديم طلبات إلى المحاكم بشأن ذلك. ما كان ليشكل تدخلا في شؤون القضاء الذي يتوفر على كامل الصلاحية للاستجابة لطلبات النيابة العامة أو لرفضها. ولم يتلق أي أمر كتابي أو شفاهي صادر إليه من الوزير، بل إن هذا الموقف الناصح منه كان أجدر أن يتلقى بالترحاب والقبول الحسن لا بالإدانة والاستنكار. خاصة أنه محام مثلنا وهمومه هي همومنا. وهو في آخر المطاف سيعود إلى المهنة .
ثالثا : أنه بسبب السرعة التي حرر بها لم تقع فيه حتى الإشارة إلى رقم وتاريخ صدور هذا المرسوم الذي أصبح المكتب ينعته فقط بأنه المرسوم المشؤوم . وهي عبارة تستعمل لأول مرة في أدبيات الجمعية . كما أنه بسبب حالة الغضب الشديد التي يكون قد حرر فيها تخلله المس ببعض الكفاءات الشريفة في المهنة من رؤساء سابقين للجمعية وأعضاء ونقباء سابقين بها ممن وصفهم بيان مكتب الجمعية، بأنهم أتباع وحواريون لوزير العدل لمجرد أنهم لا يشاطرون مكتب الجمعية رأيه وينبهون إلى ما قد يجلبه على المحامين من نتائج لا تحمد عقباها . أقلها أنه يحرمهم من أخذ مقابل من الدولة عما يبذلونه من خدمات للمتقاضين المعوزين في نطاق المساعدة القضائية، وهو مطلب ظلوا يناضلون عليه أزيد من ثلث قرن، وأنه يوتر علاقات المحامين بوزارة العدل وبالهيآت القضائية، ويظهرهم أمام الكافة بمظهر المتخلين عن دورهم التقليدي العريق في مناصرة المستضعفين والذود عن الفقراء والمساكين ومؤازرة البؤساء والمعوزين . وهو ما يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا. وهو سلوك ما كان ينبغي أن يصدر عن بعض النقباء ممن حضروا الاجتماع المذكور في حق صفوة من زملائهم الذين لا يمكن أن ينكر أحد ما أسدوه للمحاماة خلال مزاولتهم لمهامهم وما زالوا يفعلون، من خدمات جلى . حتى أن القانون الأساسي للجمعية أحدث لهم مؤسستين استشاريتين خاصتين بهما هما : مؤسسة « ندوة الرؤساء « ومؤسسة « ندوة النقباء « اللتين لو قدر لهما أن تجتمعا بدعوة من المكتب مصدر البيان، لأخذ رأيهما في الموضوع في إطار مؤسساتي كما جاء في البيان، لما وصلنا إلى هذه الحال التي وصلنا فيها إلى حد النيل من رموزنا وأعمدتنا وركائزنا لمجرد أنها خالفتنا الرأي أو محضتنا النصح .
رابعا : أنه مع كل هذا الخلاف والتباين الشديدين في الرأي بين المحامين ومن أعلى مراتب المسؤولية إلى أدناها ( رؤساء ونقباء وأعضاء ومحاميات ومحامين )، ترى البيان مع ذلك ما ينفك يتحدث عن إجماع المحاميات والمحامين، وعن التفافهم حول مؤسساتهم المهنية والتزامهم بقرار نقبائهم وجمعيتهم دفاعا عن كرامتهم وعن صلاحيات مؤسساتهم المهنية وعن استقلال مهنتهم وحريتها وعن حق المواطنين الدستوري في دفاع حر مستقل ونزيه وفي قضاء مستقل ونزيه ضدا على كل محاولات الدس والتفرقة. بل ويهدد برفع الأمر إلى جميع الهيآت الحقوقية والمعنية بحقوق الإنسان وبحقوق الدفاع على المستويين الوطني والدولي لفضح ممارسات وزير العدل الماسة بشروط المحاكمة العادلة والمنتهكة لاستقلال السلطة القضائية. وهو ما فسره البعض أنه من قبيل التصعيد «السيكولوجي « الذي غالبا ما يعقب التصعيد « الفيلولوجي « كما هو معروف عند المختصين في علم النفس الاجتماعي.   

بقلم:  محمد فجار,  نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق