fbpx
ملف الصباح

يهود نهلوا من الإسلام : بن جابرول…الوجه الآخر لرابعة العدوية

لن يتجاهل فلاسفة اليهود دور الثقافة العربية الإسلامية، بعدما شكلت منهلا ومرجعا للمفكرين والأدباء اليهود في العصر الوسيط. استفاد هؤلاء حقا من طبيعة الحكم الإسلامي المتسامح، فنهلوا من علوم نظرائهم المسلمين، إذ ولج الفلاسفة اليهود ميادين لم تكن لهم صلة بها ، ووضعوا مصنفات في الفلسفة والنحو واللاهوت، مستلهمين من المعجم الديني الإسلامي في تعايش وتلاقح لم يسبق لهما مثيل. وكان نتاج هذا التسامح بالغرب المسيحي، وإسبانيا تحديدا، ظهور فلاسفة ومفكرين ومتصوفة يهود،لا يختلفون عن نظرائهم المسلمين، حيث شكلوا مصدر إلهامهم، في التصوف والنحو والفكر والشعر والفلسفة. في هذه السلسلة، سنطلع قراء “الصباح” على بعض عمالقة المفكرين اليهود، مع تحديد درجة تأثرهم بمسلمي العصر الذهبي للفلاسفة المسلمين، كما سنعرج على بعض التقاليد والعادات ذات الصلة بالثقافة العربية الإسلامية.

لم يكن يهودا هاليفي الوحيد، الذي نهل من الثقافة العربية الإسلامية والشعر الصوفي تحديدا، بل سلك فلاسفة وشعراء المنحى نفسه من خلال إنتاجات شعرية صوفية شكلت مركزا روحانيا بالنسبة إليهم. واعتبر سلمون بن جابرول أحد ألمع الشعراء اليهود في القرن الوسيط.
أنجز دواوين ضخمة للتعبير عن أفكاره ومشاعره، مقتديا بمتصوفة مسلمين، خاصة في ما يتعلق بالحب الإلهي ومناجاة الله باعتباره الملجأ الوحيد الذي يمكن أن يحتمي به. نظم ابن جابرول شعرا في الحب الإلهي على غرار رابعة العدوية. يقول في إحدى قصائده «إني اخترتك أنت وحدك..من كل ما هو نفيس في الأرض..لتكون نصيبي في عنائي..أنت حبيبي ومهجتي».
لم يكن غريبا على الشعراء اليهود، خاصة في عصر الأندلس، اقتحام هذا النوع من الشعر، الذي اتخذوه وسيلة للتقرب إلى الله والارتقاء إلى أعلى درجات الحب، فهو يماثل نظيره عند متصوفة الإسلام. كما لم يخالف ابن جابرول سير سلفيه اليهود، خاصة يهودا اللاوي وسعديا كاوون وباحيا بن باقوا، وهو يختار الشعر وسيلة للقاء حبيبه (الله)، لمشاهدته والاستغراق في تأمله:  «لا أحد ينقذني ..فقط بين يديك أريد أن أضع روحي».
ويذهب الباحثون أن شعر ابن جابرول في الحب الإلهي يقترب من أشعار رابعة العدوية، التي تحدثت عن الحب الإلهي في شموليته، إنه الحب من أجل الحب، ليس خوفا بل تخليدا لعظمة الله. كما دعا هذا المتصوف اليهودي إلى ترك الدنيا وملذاتها بغرض الوصول إلى العالم الروحاني، تماما كما فعل الشاعر العربي ابن العتاهية، الذي اشتهر بالدعوة إلى تصفية القلب وتنقيته من الشهوة والهوى وتجنب الرذائل والآثام. وتكمن سعادة الإنسان عند ابن جابرول، عندما تصل الروح إلى أعلى رتبة من الصفاء والطهارة.
هذا اللقاء الروحاني يشكل عند المتصوفة المسلمين الموضوع الأسمى والأهم، لهذا لا غرابة أن يتخذه المتصوفة اليهود منهلا وإلهاما. ويظهر ذلك جليا في شعر يحي بن معاد الرازي: «طرب الحب على الحب مع الحب يدوم..عجبا ممن رأيناه على الحب يلوم..حول حب الله ما عشت مع الشوق أحوم..وبه أقعد ما عشت حياتي وأقوم».
هذا الحب المتجلي في القصيدة الإسلامية ترك عدة آثار واضحة في قصيدة ابن جابرول، وأصبح بذل الحب والتفاني في عظمة الخالق غايته، كما كان مبدؤه وهدفه، أملا في خلوده والاستمتاع بلذة الحب والشوق.
إن شعر ابن جابرول عصارة مصادر عديدة من بينها معرفته بالكتاب المقدس والأدب التلمودي وتأثره بالأفلاطونية المحدثة والشعر العربي، كما يظهر هذا التأثير في القصائد الدينية التي تمتاز بالبساطة في الأسلوب والوضوح في المعاني. لا ينبغي أن يفهم من هذا الطرح أن شعر بن جابرول نسخة تامة للشعر العربي، بل إنه حافظ على خصوصية الشعراء اليهود وهويتهم الدينية رغم نهلهم من الثقافة العربية الإسلامية.
وإذا كان شعراء وفلاسفة اليهود أخذوا عن العرب المسلمين علوما عديدة من بينها النحو والفلسفة واللاهوت، فإن الشعر الصوفي يجسد كذلك عمق التمازج الحضاري القوي بين الثقافتين العربية واليهودية. وسيقف كل من يطلع على دواوين الشعراء اليهود على تراث شعري ضخم نظمه أصحابه في أغراض مختلفة من بينها الدينية مثل ديوان يهودا هاليفي وسلمون بن جابرول وموسى بن عزرا، وهي جميعا تستقي من التوراة والتلمود والشعر العربي العمودي قالبا وشكلا.
إن تناول موضوع الحب الإلهي أو «الكبالا» سواء عند بن جابرول أو غيره يعد من المواضيع الأساسية في الفكر الديني اليهودي، فهو مجال خصب لعلم الأديان، وعلم الأديان المقارن، ومجال خصب كذلك للعلوم الإنسانية والاجتماعية والأدبية.

عيسى الكامحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى