مجتمع

فاس بدون صفيح… حلم مؤجل

إكراهات تحول دون استئصال ورم الصفيح وجيوب تقاوم المجهودات المبذولة

لم تنفع كل الحلول الرسمية لإخلاء مدينة فاس من صفيحها الجاثم على قلب قاطنيه. جهود متواترة وبرامج رصدت لها مبالغ وميزانيات مهمة، لكنها لم تنجح في استئصال ورم خبيث يخدش جمالية مدينة ضاربة في عمق التاريخ، ومتطلعة إلى مستقبل تبقى فيه خالية من القصدير وكل بناء عشوائي أينما كان.

الجهات المعنية جربت وأطلقت مشاريع لضمان إعلان فاس “مدينة بدون صفيح”، الذي تأجل إلى أواخر السنة المقبلة، أمام جسامة الإكراهات التي تفرمل كل عملية خاصة بتلك الجارية بها عملية إعادة الإسكان في دوار العسكر، حيث أعدت محاضر عصيان بالإفراغ للأسر المركبة التي ما زالت ترفض الترحيل والموجودة قرب ورش الحامية العسكرية الزجر لوحده غير كاف لإقبار ظاهرة معقدة ارتبطت بمواقع جمعتها بقاطنيها حميمية القهر و”الحكرة” في بنايات قصديرية تصلح لكل شيء إلا السكن الضامن للعيش الكريم المتشدق به في المحافل وبمناسبة وبدونها، في انتظار التفاتة حقيقية وعملية جراحية ناجعة لاستئصال القصدير من على قلوب قاطنيه، قبل مسؤولي المدينة ومصالحها ومؤسساتها ومديرياتها الرسمية.   

جيوب صفيحية عصية على الاستئصال

لم تنجح المصالح المتدخلة في إخلاء المدينة من جيوب الصفيح الجاثمة بمواقع مختلفة فشلت العديد من المحاولات الرسمية في استئصال ورمها الخبيث كليا، رغم تجددها بتجدد أسماء المسؤولين ومسؤولياتهم المتشعبة والمتداخلة في أحايين كثيرة، فيما يبدو أن إعلان عاصمة العلم والثقافة، “مدينة بدون صفيح”، سيؤجل مرة أخرى على غرار ما وقع قبل 6 سنوات.
ولم تستطع الإجراءات الرسمية المتخذة، منذ سبعينات القرن الماضي، في القضاء النهائي على أحياء الصفيح بالمدينة وفي محيطها، كظاهرة قديمة واجهتها السلطات ببرامج طموحة تهدف استئصالها كهدف يبقى بعيد المنال أمام استمرار مجموعة من الإكراهات تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة، القمينة بإعلان فاس مدينة بدون صفيح في أفق نهاية السنة المقبلة.
وتقر وثيقة رسمية حول تفعيل برنامج فاس بدون صفيح، حصلت الصباح على نسخة منها، بوجود معيقات حقيقية في وجه البرامج المسطرة، بمختلف جيوب الصفيح بالمدينة وفي محيطها، بما في ذلك في القصبة ودوار السيمي والبورصي والزليليك وويسلان وظهر المهراز والليدو، في انتظار “عصا” كفيلة بتشطيب المواقع من “قصديرها” وقهرتها” بلا ضرر أو إضرار.
وحصرت الوثيقة الصادرة عن المفتشية الجهوية للسكنى والتعمير وسياسة المدينة بفاس بولمان، إكراهات عدة جيوب صفيحية في “وجود عائلات مركبة أو معوزة” يصعب ترحيلها، و”صعوبة انخراط أسر أخرى في نوعية التدخل المقترحة في إطار إعادة الإيواء باستفادة ثنائية، أو الترحيل إلى أماكن الاستقبال المقترحة التي قد تكون بعيدة عن المواقع الجاثم فوقها الصفيح.

برامج ومعيقات واحتجاجات

تشكل إعادة إسكان سكان دوار العسكر والليدو وظهر المهراز ومختلف الأحياء المجاورة لجامعة محمد بن عبد الله والثكنات العسكرية بقلب فاس، أهم مشاريع محاربة السكن الصفيحي بالمدينة. لكن تفعيل مختلف التدخلات، اصطدم باحتجاجات عارمة قادتها في مرحلة معينة، زوجات متقاعدي الجيش غاضبات على “خدوش” عمرانية شابت برنامجا فعل قبل 11 سنة.
السكان طالبوا بإنهاء المشروع والقضاء النهائي على الصفيح بهذه المواقع الإستراتيجية الحاضنة لأكبر جيوب الصفيح بالمدينة، إنقاذا لآلاف الأشخاص القاطنين تحت القصدير وفي “براريك” مهينة للكرامة أشبه بـ”علب السردين”، متهمين المسؤولين بالتراخي في تنفيذ برنامج إعادة الإسكان، وإنهاء محنتهم المتواصلة أملا في عيش حياة أفضل على الأقل بين جدران آمنة.  
وتطالب الأسر المتبقية من دوار العسكر، بتعميم الدعم المادي المخصص للكراء والمحدد في 9 آلاف درهم لكل أسرة، كما أورد ذلك تقرير مندوبية الإسكان في حديثه عن إكراهات تفعيل البرنامج، التي ذكر منها عدم توفر الرسوم بدعوى ضرورة استكمال أشغال التجهيز والتسليم المؤقت لها، وعدم مواكبة مصالح الوكالة المستقلة للترخيص بتصاميم البناء.
اشترطت الوكالة لأجل ذلك استكمال عملية التجهيز، بينما ما تزال نحو 24 براكة بحي باب الغول عبارة عن مساحات كبيرة على شكل “شالي”، في انتظار إعداد تصميم المسجد لهدم قاعة الصلاة الموجودة بالموقع التي تحول دون استكمال أشغال التجهيز، فيما تطالب الأسر بابن البيطار بالترحيل، ما سينعكس سلبا على ورقة طريق أعدت من قبل لجنة التتبع.

أطفال محرومون من التمدرس

لا تقتصر مشاكل الصفيح على قاطنيه بأحياء ظهر المهراز أو البورصي أو القصبة والسيمي، بل تمتد إلى خارج فاس ومحيطها، حيث يجثم حي الزليليك بمنطقة رأس الماء بجماعة عين الشقف، وتقطن عشرات الأسر في ظل ظروف اجتماعية صعبة بموقع اختاره عبدالإله بنكيران رئيس الحكومة، قبل أسابيع، لإقامة مهرجان خطابي داعم لبرلماني الحزب محمد يوسف.
سكان الحي الذين يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة في غياب أبسط شروط الحياة الكريمة والبنية التحتية الضرورية، سبق أن خرجوا في مسيرات احتجاجية رفعوا خلالها شعارات ولافتات طالبوا من خلالها برفع التهميش والحيف عنهم وعن أبنائهم الصغار وإعادة إسكانهم وإيجاد الحلول الملائمة لمشاكلهم المستعصية منذ سنوات دون أي التفاتة حقيقية لانتشالهم من واقعهم المر.
أبناء الزليليك سبق أن منعوا من الحصول على وثائقهم الإدارية المثبتة لسكناهم بالموقع، التي تمكنهم من تجديد أو استخراج بطائقهم الوطنية وعقود وشهادات الازدياد والوثائق الضرورية لتسجيل أبنائهم بالمؤسسات التعليمية، والاستفادة من تلك التي تمكنهم من إعادة الترحيل في إطار برنامج “مدن بدون صفيح”، بعدما شملهم إحصاء قبل عقد.
أكثر من 4 آلاف براكة في هذا الدوار ودواري الكيفان والكبانية المجاورين، تنتظر التفاتة رسمية تنتشلهم “حياتهم” العشوائية بموقع قريب من مقلع قديم للرمال والأحجار يحتفظ الدوار باسمه، على غرار مواقع صفيحية حملت أسماء مواقع جثمت فوقها أو شخصية معينة كانت وراء إنباتها لتسهيل خدماتها، كما الفرنسي المعمر البورصي وشيخ “الكارينات” بمدينة فاس.

 “فاس بدون صفيح” تاريخ مجهول

تؤكد أرقام رسمية أن عدد الأسر المتعاقد بشأنها لسنة 2004، نحو 7420 عائلة بكلفة إجمالية قدرها 667 مليون درهم، 164 مليون درهم منها مساهمة من صندوق التضامن للسكن، مشيرة إلى أن تاريخ الإعلان عن فاس بدون صفيح حسب العقدة، يعود إلى 2007، فيما تبقى 8642 عائلة معنية ب”ملحق فاس بدون صفيح” الممدد تاريخ إعلانه إلى 2014 بعد التحيين.
وسبق لمسؤول في الإسكان والتعمير والتنمية المجالية، أن أكد في لقاءات رسمية، أنه تم إبرام عقدة تكميلية لعقدة 2004 همت الجيوب الصفيحية المتبقية الناجمة عن النمو الديموغرافي للأسر ونشوء جيوب صفيحية جديدة داخل المدار الحضري، عهد بتنفيذها إلى المصالح المختصة التي عبأت عدة بقع أرضية لإيواء تلك الأسر التي تم إحصاؤها في إطار مقاربة تعميرية منسجمة.
وتحدث عن اتخاذ تدابير تكميلية بما في ذلك المساعدة المباشرة والاستفادة من السكن الاجتماعي منخفض التكلفة المقدرة بـ140 ألف درهم، حسب الإمكانيات المتوفرة، مشيرا إلى استمرار عملية القضاء على السكن غير اللائق بظهر المهراز الذي يعتبر من أكبر وأضخم جيوب الصفيح بفاس إلى جانب دواري البورصي والزليليك اللذين عمرا طويلا. وقال إنه تم حل مشاكل 5 آلاف أسرة من أصل 7420 أسرة مستهدفة، أي ما يشكل 68 في المائة من مجموع الأسر المستهدفة. وفاق المبلغ الإجمالي للإعانات المالية المخصصة لمحاربة السكن الصفيحي 150 مليون درهم، فيما تمت إعادة إسكان 1500 أسرة.

انجاز: حميد الأبيض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق