fbpx
الصباح السياسي

التقطيع الترابي… أداة صناعة الخريطة السياسية

مشروع قانون جديد يقلص سلطة الداخلية في التقطيع ويبعد عنها تهمة التزوير والتحكم في الانتخابات

في البرلمان بدأت الداخلية التحضير لمرحلة العد العكسي للانتخابات الجماعية، فقد تقدمت الوزارة الوصية بمشروع القانون 131.12، بشأن تحديد الدوائر الترابية، في إطار تطبيق أحكام الفصل 71 من الدستور، الذي اسند صلاحية تحديد هذه المبادئ إلى قانون.

تحديد الخريطة السياسية
يشكل التقطيع الترابي آلية لمراقبة نتائج الاقتراع قبل إعلانها، فقد لعبت وزارة الداخلية، في الماضي، كثيرا بورقة تقطيع الدوائر من أجل تقوية حظوظ طرف سياسي ضد آخر. معرفة الأحزاب السياسية بأهمية التقطيع الانتخابي للدوائر الانتخابية المحلية، جعلها تركز في مشاوراتها مع وزارة الداخلية على هذه المسألة، لأنها الطريق نحو تحديد ملامح الخريطة السياسية المقبلة، وطبيعة التحالفات التي ستحكمها، علاوة على أن امتلاك تقطيع انتخابي ملائم لترشيحات الحزب السياسي يجعله في موقع “تمييز إيجابي”.
ويؤثر التقسيم الترابي للدوائر في النفوذ الانتخابي، وإن كان الأخير يتأثر، بدوره، بنمط الاقتراع بشكل كبير، فـ”الاقتراع الأحادي الاسمي يقتضي وجود دوائر صغيرة فيما يتطلب الاقتراع بالتمثيل النسبي توزيع الدوائر إلى دوائر كبرى”. وقد ينتج عن عدم أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار، ضرب مبدأ التناسب بين الوحدة الإدارية والقوانين الانتخابية.
لقد ظلت قضية التقطيع الترابي، أحد الأساليب التي نهجتها الدولة، لتحديد مسبق لنتائج الانتخابات، وكان إحداث الجماعات الترابية، يخضع للمنطق الانتخابي أكثر من اعتماده معايير الاندماج الجغرافي أو الاقتصادي والاجتماعي داخل الجماعة، فقد شكلت بعض هذه الجماعات أداة لتقوية حظوظ مرشح بعينه، وهو ما يفسر الصراع الذي تعرفه الانتخابات الجماعية، قبل نظيرتها التشريعية، لأن حيازة تسيير جماعة ترابية مفيد في تأمين الأصوات الانتخابية، وتقديم تقدم رمزي لا يتوفر لباقي المرشحين.

معايير جديدة للتقطيع
لقد تضمن مشروع القانون، كما أحالته وزارة الداخلية على الأمانة العامة للحكومة، مراجعة مجموعة من المعايير الخاصة بتحديد الدوائر الانتخابية، وذلك بالقطع مع الطريقة التي كانت تتم بها عملية تحديد النفوذ الترابي للجماعات الترابية، وجعلها وسيلة للتحكم في الخريطة الانتخابية مسبقا، من خلال ربط بعض الدوائر الحضرية بنفوذ قروي قوي يتحكم في نتائج الانتخابات بهذه الدوائر.
ووفق مشروع وزارة الداخلية، فإن الأمر يتعلق بتغيير كل أنواع الجماعات الترابية، من جهات وعمالات وأقاليم وجماعات، إذ يستلهم قواعده من توصيات اللجنة الاستشارية للجهوية الموسعة، والتراكم الذي جعل الجماعة الترابية بالمغرب تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة، تتوزع بين الجهة والعمالة أو الإقليم (ذلك أن تصنيف هذه الجماعة الترابية إلى عمالة أو إقليم يرتكز على مدى غلبة الطابع الحضري أو القروي على نفوذها)، ثم أخيرا الجماعة.
وسيخضع تحديد نفوذ الجهة، لطبيعة الاختصاصات الجديدة لهذه الجماعة الترابية باعتبارها مؤسسة تحتل مكانة متميزة، وتعتبر شريكا للدولة في ممارسة السلط. كما يقترح المشروع نظام القطبية، في تحديد المجال الجهوي، وفق ما توفره الشبكة الإدارية للعمالات والأقاليم من وحدات إدارية. بالمقابل، يراعي التحديد الترابي للعمالة أو الإقليم تناسب مجالها مع المهام المسندة إليها، شريطة أن يسمح التقسيم الجديد للنفوذ الترابي لها، بطهور مجالات توفر أرضية لتأسيس مجموعات جماعات لضمان التعاون بينها. في حين تم استبعاد الامتداد القروي كمحدد للدائرة الانتخابية، وأداة للتحكم في خارطة الانتخابات، كما جرت العادة في مراحل سابقة. أمام بخصوص تحديد النفوذ الترابي للجماعة، فإنه يشترط توفرها موارد استمرارية الجماعة.

تقييد سلطة الداخلية
الاستناد إلى قوانين في تحديد الدوائر الترابية بدل القرارات الإدارية الصادرة عن وزير الداخلية، شكل تقدما بالمقارنة مع ما سبق، غير أن هذا التوجه لا تدعمه المادة السابعة من مشروع قانون 131.12، بشأن تحديد الدوائر الترابية. فقد شكلت هذه المادة موضوع خلاف بين الأحزاب السياسية، وذلك بالنظر إلى أنها تحصر تعيين الحدود الترابية ومراكزها، في قرار يصدر عن وزير الداخلية، في حين تتمسك بعض الهيآت السياسية بمطلب أن يخضع هذا التحديد إلى قانون تصدره السلطة الحكومية المختصة، وذلك بما يقطع بصفة نهائية مع تدخل القرارات الإدارية في كل ما هو انتخابي، حتى لا يتكرر اتهام الإدارة الترابية بتزوير الانتخابات عن طريق التحكم في التقسيم الترابي.
ومن التغييرات الجديدة التي طرأت على مسألة التحديد الترابي للجماعات، أن إحداثها يكون بمرسوم يتخذ باقتراح من وزير الداخلية، وهو الشرط الذي يستبعد تدخل الداخلية في عملية التحديد بموجب قرارات إدارية، غالبا ما كانت تثير مشاكل وردود فعل رافضة من طرف بعض الأحزاب السياسية، التي كثيرا ما اتهمت وزارة الداخلية بالتحكم في نتائج الانتخابات من خلال قراراتها الإدارية التي لا تستند إلى نصوص قانونية واضحة.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق