الثقة في القضاء تتحقق بترسيخ القيم والأخلاقيات القضائية الرفيعة يهدف التأطير القضائي إلى تقوية مهارات الصنعة القضائية لدى القاضي وصقلها بغية الرفع من الأداء القضائي وتقوية النجاعة القضائية دون المس باستقلال القضاء. وقد كرس الدستور المغربي الجديد مبدأ استقلال السلطة القضائية وارتقى به إلى مستوى المبادئ الدستورية، حينما نص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، وأن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية (الفصل 107) . وأنه يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط. لاشك أن الجمعية العامة للمحكمة تعتبر إطارا قانونيا يسمح بتحفيز القضاة والأطر العاملة بالمحكمة على المشاركة في إغناء النقاش وتقديم مقترحاتهم بخصوص الصعوبات التي تعترض سير المرفق القضائي .رابعا: عقد موائد مستديرة لتوحيد العمل القضائيينص الفصل السادس المكرر من المرسوم رقم 498-74-2الصادر بتاريخ 25 جمادى الثانية 1394 صادر تطبيقا لمقتضيات الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 338-74-1 بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 (15 يوليوز 1974) المتعلق بالتنظيم القضائي (ج. ر. بتاريخ 26 جمادى الثانية 1394 - 17 يوليوز 1974 والذي أضيف بالمادة الأولى من المرسوم رقم 885-95-2 بتاريخ 28 جمادى 1418 (31 أكتوبر 1997 : تنظم محكمة الاستئناف والمحاكم الابتدائية التابعة لدائرة نفوذها، اجتماعات دورية يشارك فيها جميع القضاة المزاولين عملهم في المحاكم التابعة لدائرة نفوذ كل محكمة استئنافية قصد النظر في :- المسائل ذات الطابع القضائي ووضعية المساعدين القضائيين.- توحيد مناهج العمل والتنظيم الداخلي للمحاكم.- تقوية وتطوير التواصل بين المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف داخل الدائرة القضائية الواحدة.- البحث في سبل تحقيق نجاعة أكبر في طريقة تصريف القضايا داخل المحكمة وتجاوز الصعوبات والإشكاليات.- تطوير دور الجمعيات العامة للمحاكم وجعلها أداة للتسيير ورسم الأهداف والسهر على تنفيذها.فالاجتماعات تكون مناسبة للحديث عن سير المحكمة ومنجزاتها وتوجيه الملاحظات والتوجيهات.وفي هذا المجال ومن أجل تحسين الكفاءات والمهارات المهنية للقضاة ومواكبة التحديث تلزم برمجة دورات تكوينية وتطبيقية تهم:- حوسبة المساطر من خلال الإعلاميات- إدخال منهجية لوحات القيادة في العمل القضائي.- جعل الإدارة القضائية أداة فعالة في تطوير العمل القضائي.- تحقيق شروط التواصل الحقيقي المبني على الحوار والاستماع وتبادل الخبرات والتجارب وتشجيع المبادرات وإيصال المعلومة بالكيفية والسرعة المطلوبة.- العمل على تكريس البعد الأخلاقي في مهنة القضاء، خاصة أن «مدونة القيم القضائية» تأتي في سياق الورش الكبير لإصلاح القضاء خاصة وأن القضاء أصبح اليوم ضامن المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون، بالإضافة إلى أدواره المحورية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.ولا شك أن الثقة في القضاء، وتكريس مصداقيته، لن يتحققا إلا عن طريق ترسيخ القيم والأخلاقيات القضائية الرفيعة، وسيادة السلوك القويم لدى مكونات الجسم القضائي برمته، مما يؤكد ضرورة أن يلتزم القاضي ويتقيد في حياته وسلوكه بما يحافظ على هيبة القضاء وحرمته، ذلك أن المجتمع ينتظر من القضاة أن يكونوا على أعلى مستوى من الحكمة، والنزاهة والحياد والاستقلال والاستقامة بشكل قد لا يطلب في أي مهنة أخرى، وعلى هذا الأساس تجلت أهمية مدونات الأخلاق القضائية.خامسا: التأطير على مستوى الإدارة القضائيةيشكل إصلاح وتحديث قطاع العدالة رهانا أساسيا لتحقيق التنمية، وهو ما يستلزم من المسؤول القضائي إنجاز تقييم موضوعي لأداء الإدارة القضائية لمحكمته من أجل الرفع من جودة الخدمة القضائية وضمان تصريف القضايا بالشكل الملائم وداخل أجل معقول لتعزيز ثقة المتقاضين بالجهاز القضائي، ولتهييئ المناخ المناسب للاستثمار الوطني والأجنبي.ولضمان تحقيق هذه الأهداف الكبرى، يجب إعداد تصور لخطة عمل مستقبلية تستهدف تطوير الإدارة القضائية باعتبارها مرتكزا أساسيا لتنمية العمل القضائي وتحسين أدائه .وتتضمن هذه الخطة جملة من التدابير الجديدة التي روعي في إعدادها النتائج المستخلصة من تقييم عمل المحكمة، وكذا الانفتاح على المحيط القضائي، من خلال استحضار أهمية دور مساعدي القضاء في برنامج تأهيل وإصلاح العدالة وترشيد عملها .إن التوجهات الجديدة لمواكبة سير الإدارة القضائية تقوم على تشخيص دقيق للمعطيات الواقعية لعمل المحاكم بغية تحسين مستوى أدائها وتأهيلها، والرقي بها إلى آفاق رحبة تضع جهازنا القضائي في مصاف الدول المتقدمة وتضمن الرفع من جودة الخدمات القضائية مسعى ومطلب جميع فئات المجتمع، سواء العاملة بقطاع العدالة أو المستفيدين من خدماته .وفي هذا السياق، يجب العمل على إعداد منظومة متكاملة تستهدف تشخيص الواقع بناء على مؤشرات دقيقة، وإعداد تقييم موضوعي لوضعية المحكمة وإعداد رؤية جديدة وموحدة لهيكلتها وعمل كتابة الضبط، تنطلق من الحاجة إلى نظام قضائي متكامل مستقل ونزيه يصب في اتجاه واحد هو شيوع العدل ورعاية الحقوق وحماية حريات المواطنين، وهو ما يتيح عقلنة تدبير قطاع العدالة وفق ما يتناسب والتطورات الحديثة في مجال خدمة مستهلك الخدمة القضائية (المتقاضي) .إن تحقيق فعالية تدبير عمل الإدارة القضائية يستدعي العمل على تقوية وسائل التتبع والمراقبة للمساطر والإجراءات المتعلقة بالملفات المعروضة على المحكمة، وذلك لجعل آجال البت في القضايا معقولة جدا، وخلق مناخ تسود فيه كل ظروف المحاكمة العادلة وما يضمن تحسين معدلات إنتاج المحاكم كما وكيفا، وفعالية الوظيفة القضائية، وذلك من منطلق أن كل مجهود واستثمار في مجال العدل لا يمكن معاينته إلا من خلال تحقيق غاية مسطرة التقاضي، المتمثلة في إرجاع الحق إلى صاحبه داخل أجل معقول، فتفعيل وتيرة الإصلاح ومبادرة التغيير لن يكون له وقع على نفسية المتقاضي إذا لم يعمل الجهاز القضائي بالتسريع في إصدار الأحكام وتصفية الملفات وتتبعها وتنفيذها، من خلال الرفع من جودة الخدمات القضائية وضمان الفعالية الضرورية الكفيلة بجعل المساطر القضائية والأحكام تحقق الإنصاف والسرعة في البت والتنفيذ، غايتها تحقيق عدالة سريعة وفعالة وشفافة. بقلم: محمد الهيني, مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط