fbpx
ملف الصباح

العلاقات الرضائية … الإيبوركي: مؤشر على حيوية المجتمع

الإيبوركي أستاذ علم الاجتماع قال إن المقاربة الجنائية لا تزيد إلا أعباء

قال الباحث عمر الإيبوركي إن النقاش حول العلاقات الرضائية، حالة صحية تدل على حركية المجتمع المغربي الذي يسعى الى التخلص من بعض أعباء الماضي في طريقه نحو الحداثة والعصرنة في تصالح مع قيمه الدينية والثقافية، والخروج من عباءة المحافظة نحو التجديد، وهو المجتمع المؤهل حاليا بكل إمكانياته لذلك. واعتبر أستاذ علم الاجتماع أن الاحتجاج على الفصل 490 مؤشر على حيوية المجتمع الذي يسعى إلى تجاوز بعض معيقات التقليد، الذي يكتسب صفة السيطرة والسكون. وميز الإيبوركي بين المنظور الأخلاقي والأحكام الجنائية، معتبرا أن الواجب الأخلاقي والتنشئة الاجتماعية الصحيحة، وتأهيل الأفراد تربويا ومعرفيا، هي الموانع لكل ما يترتب عن العلاقات الرضائية من مآس.

> ما هي الدلالات الاجتماعية لحملة مناهضة الفصل 490 والمؤشرات التي تنطوي عليها؟
> في اعتقادي تتجلى الدلالات الاجتماعية لحملة مناهضة الفصل 490 في التغيرات الاجتماعية، أو العوارض بلغة ابن خلدون التي تلحق المجتمعات في مسيرتها. وحينما نتحدث عن المجتمع المغربي فإن هذه التحولات تتمظهر في تغير التمثلات الاجتماعية للمرأة، وللحريات الفردية، وأيضا للتغير الذي يلحق المؤسسات الاجتماعية بما فيها الأسرة. ولا شك أن مجموعة من المتغيرات تساهم في الدفع نحو المزيد من التطلعات للممارسات الإرادية والحرة. وأهم هذه المتغيرات التغير على مستوى الأدوار الاجتماعية للجنسين، وتقلص وظائف الأسرة، ففي ظل العولمة الاقتصادية وخروج المرأة للعمل، وسيطرة النمط الاستهلاكي، وتحكم والوسائط الاجتماعية بفعل التقدم التكنولوجي، كل هذه المتغيرات ساهمت في تحول العلاقات الاجتماعية، وتراجع سلطة الأب، ومحاولة التحرر من السيطرة الذكورية التقليدية داخل الأسرة، إذ اقتصرت الأسرة على وظيفة الاستهلاك، واستحالت العلاقات بين أفرادها إلى الانفصال والتباعد. واعتقد أن هذا التلاشي يساعد على بروز مثل هذا الرفض، وعلى المزيد من الاحتجاج على قوانين أصبح هذا الجيل ينظر إليها بعين الريبة والشك. وهذه مؤشرات على حيوية المجتمع الذي يسعى إلى تجاوز بعض معيقات التقليد الذي يكتسب صفة السيطرة والسكون.

> هل يمكن التمييز بين المنظور الأخلاقي والحكم الجنائي في قضايا تتعلق بالعلاقات الرضائية؟
> إذا أردنا أن نميز بين ما هو أخلاقي وما هو جنائي على مستوى العلاقات الرضائية، فيمكن القول إن ما هو أخلاقي هو إنساني، وهو سابق على ما هو قانوني، فإذا كانت الغاية من القانون هو القمع والردع، فالأخلاق أكثر نبلا من القانون، لأنها تكرم الإنسان وتجعله قيمة مثلى، وسيد إرادته، ولا يتصرف إلا وفق الواجب الأخلاقي. وباعتبار أن المجتمع المغربي، يتأسس على ثقافة مركبة يتداخل فيها العرف والدين، والحداثة، فيمكن القول إن الاختلافات التي تطفو بين الحين والآخر من مستوى اللاشعور الجمعي، وفي ذلك يتم الدفاع عن الأخلاق بالزجر القانوني، أو يتم رفض بعض فصول القانون الجنائي للمزيد من التحرر والحداثة إسوة بالمجتمعات الغربية التي تشكل نموذجا للبعض، وكل حزب يدافع بما لديه من قناعات. إن تبرير الرأي المحافظ يعتمد على إبراز عواقب هذه العلاقات الرضائية مثل نشر الرذيلة، وتكاثر المواليد خارج شرعية الزواج، بينما هذه الظواهر هي موجودة رغم القانون الجنائي، ومثل هذه العقوبات لا تضيف إلا أعباء أخرى على المجتمع. ومن هنا فان الواجب الأخلاقي والتنشئة الاجتماعية الصحيحة، وتأهيل الأفراد تربويا ومعرفيا، هي الموانع لكل ما يترتب عن العلاقات الرضائية من مآس.

> ما هي الإشارات التي يمكن التقاطها من واقعة فتاة تطوان التي تحولت من ضحية تشهير إلى مذنبة؟
> في الماضي كانت هذه الظواهر خفية ومسكوتا عنها لأنها تمس قيم وشرف الأفراد والأسر،ولكن مع وسائل التواصل الاجتماعي،وثقافة الصورة،وفي إطار ما يسمى المجتمع الشبكي أصبحت علنية مكشوفة،وكل واحد يبدي رأيه ويمرر قناعته كأنها حقيقة علمية، وحكم نهائي يجب الأخذ به. وتلك هي الإشارات التي يمكن التقاطها من واقعة فتاة تطوان، تلك الواقعة التي تكررت في مناطق أخرى، وكثير منها بقي في الخفاء والسرية. فكانت تلك الفتاة ضحية التشهير، وحولتها العقلية الذكورية الى مذنبة تستحق الانتقام، فكان الانتقام منها مرتين: انتقام المشهر بحيث تم تداول حالتها وانتشرت صورها،ومرة ثانية عند تطبيق الفصل القانوني بتهمة الفساد. وهنا يمكن أن نتساءل هل بهذا المنحى يمكن أن نعالج هذه الظواهر؟ أم أن المجتمع بعقليته قد جنى عليها، وحطم نفسيتها إلى الأبد؟

> هناك من يرى أن رفع التجريم عن العلاقات الجنسية خارج الزواج لا يتناسب مع عادات المجتمع المغربي، وأن هناك حاجة مجتمعية لذلك الفصل.. ما تعليقك؟
> إن مجموعة من السلوكات والظواهر الإنسانية تتحدد سوسيولوجيا، وأن سلوك الأفراد هو نتاج لسيرورة من التطبيع الاجتماعي والثقافي.ومن خلال دراسات مارغريت ميد تبين أن كل مجتمع تتشكل العلاقة فيه بين الجنسين تحت تأثير البنيات الثقافية، وان هذه المجتمعات يكون تأويلها للعلاقة بين الجنسين اجتماعيا خاصا، ومن هنا فان المجتمع الذكوري هو حصيلة ثقافية وتاريخية قد ينتفي في مجتمعات أخرى كانت الهيمنة فيها للمرأة التي تميزت بالعدوانية، وامتلكت السلطة الاقتصادية، والسيطرة على الرجال الذين يسعون إلى إرضاء النساء.
فالقوانين في المجتمعات الذكورية تكون لصالح جنس وتعسفية على الجنس الآخر، والمجتمع يسلط انتقامه على الأنثى وكأن الذكر مباح له فعل ما يحلو له، بل قد يزيده تقديرا ويثبت فحولته. وما نلاحظه اليوم هو أن المحظور منتشر بكثرة رغم وجود القوانين الزجرية. لذلك اعتقد أن العلاقات الرضائية يقننها العقل الإنساني، ولا يحد منها القانون الجنائي. إن الدراسة العلمية الرصينة للمجتمع من شأنها أن تخرجنا من هذا التجاذب الإيديولوجي، والدفاع عن حقوق الفرد كان ذكرا أم أنثى، بمنحه المزيد من التحرر والقدرة على التعبير الحر عن رغباته وقناعاته دون رقابة مجتمعية وقانونية قد تكون لها انعكاسات سلبية. وإلا سنعيش في مجتمع الفضيلة الافتراضية وكأن الإنسان كائن آلي ليست له عواطف ورغبات، فيما المجتمع الفاضل لن يتحقق إلا بالتعلم والمعرفة والتقدير الاجتماعي للفرد كقيمة وجودية وأخلاقية.

حالة صحية
> إلى أي حد يمكن اعتبار نقاش العلاقات الرضائية في المجتمع المغربي صحيا وليس ترفا ذهنيا؟
> في كل المجتمعات يتم الصراع بين قوى التغيير وقوى المحافظة، يتجلى ذلك أساسا بين الأجيال، وعبر سيرورة تاريخية قد تطول أو تقصر. وما نلاحظه اليوم هو هذا النقاش الذي احتد في خضم تحول المجتمع المغربي بين طرفين مختلفين على مستوى التصورات والإيديولوجيا، والمواقف السياسية، وكل طرف يسعى إلى تبرير مواقفه، ولاسيما على مستوى المجتمع المدني الذي عرف انتعاشة كبيرة في العقود الأخيرة.. فإن كان من منظور الإسلام، فإنه لا يحصر الجنس في بعده الحسي البيولوجي بل يدرجه ضمن أبعاده الأخلاقية والجمالية والوجدانية، وما يرتبط بها من عواطف وأحاسيس تشكل وحدة الكائن الإنساني. إذا كان الغرض هو الدفاع عن حقوق المرأة فهناك بون شاسع بين ما أقره الاسلام ( الكتاب والسنة) وما آلت إليه أوضاعها باسم الدين في ظل التأويلات الفقهية المرتبطة أساسا بالشروط التاريخية والمجتمعية، والتي كانت في مجملها أكثر حدة وصلابة من النصوص الشرعية نفسها كمصدر للتشريع. وهذا يخضع كما قلنا سابقا يرتبط بالنسق الثقافي والتاريخي للمجتمعات. وهكذا أخلص إلى أن النقاش حول العلاقات الرضائية، حالة صحية تدل على حركية المجتمع المغربي الذي يسعى إلى التخلص من بعض أعباء الماضي في طريقه نحو الحداثة والعصرنة، في تصالح مع قيمه الدينية والثقافية، والخروج من عباءة المحافظة نحو التجديد، وهو المجتمع المؤهل حاليا بكل إمكانياته لذلك.
في سطور:
– أستاذ وباحث في مجال السوسيولوجيا
– حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة، ودبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع تخصص: النظريات الاجتماعية.
– حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة محمد الخامس بالرباط.
– أستاذ مشارك في شعبة علم الاجتماع بكل من كليتي الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعتي محمد الخامس بالرباط، وابن طفيل بالقنيطرة.
له مساهمات متعددة في مجال السوسيولوجيا:
– كتاب “الظاهرة القائدية، القائد العيادي الرحماني».عن دار بابل للطباعة والنشر، الرباط ،سنة 2000.
– دراسات ومقالات في مجلات متخصصة، ومساهمات في الجرائد الوطنية.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى