fbpx
حوار

هشكار: تـاريـخـنـا مـعـطـوب

المخرج المغربي هشكار قال إنه يبحث في اليهود عن “تمغربيت”

قال المخرج كمال هشكار إن اشتغاله على المكون اليهودي المغربي نابع من شغفه الخاص بكل ما له علاقة بالمغرب، وأضاف المخرج المغربي المقيم بفرنسا أنه لا يهتم بتهمة التطبيع الموجهة إليه، معتبرا أن أعماله ينجزها بدون خلفيات سياسية. كما تحدث صاحب شريط “تنغير أورشليم.. أصداء الملاح” عن جوانب من طفولته الموزعة بين تنغير وفرنسا، وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب ـ عصام الناصري ـ تصوير: (أحمد جرفي)

> هل يكن اعتبار شريط “في عينيك كنشوف بلادي” امتدادا لمشروعك التوثيقي الذي بدأته في “من تنغير إلى أورشليم”؟
> ربما، خاصة أنه بعد انتهائي من شريطي الأول، شعرت أن اشتغالي على موضوع المغاربة اليهود لم ينته بعد، وأنه ما زال هناك العديد من الأشياء التي يمكن تناولها، إلى أن قادتني الصدفة إلى اكتشاف شخصية الفنانة نيطع القيم وهي مطربة وفنانة تشكيلية ذات أصول مغربية تعيش في القدس أصول والدها من تنغير ووالدتها من البيضاء، وزوجها أميت حاي كوهين عازف البيانو، الذي يستقر بالقدس فيما تعود أصوله إلى قرية “تزكي” نواحي ورزازات.
ومن خلال أحداث الوثائقي سيكتشف الجمهور علاقة نيتا وأميت اللذين تزوجا منذ فترة وعاشا طفولتهما بمدينة نتيفو ويتحدثان “الدارجة” واللهجة الفلسطينية، وسيأخذان الجمهور في رحلة بحث حول التراث الموسيقي اليهودي بالمغرب، ومن ثم يتشكل حلم إعادة بناء الجسور بأرض الأجداد.
ومن خلال مجالستي لها استلهمت عنوان الشريط من طريقة حديث نيطع عن جدتها وهي تقول إنها كانت ترى المغرب في عينيها، إذ استغرق الشريط سبع سنوات من الاشتغال بهدف تسليط الضوء على الفنانين المغاربة اليهود الذين يسعون إلى تجذير علاقتهم ببلدهم الأصلي من خلال الموسيقى والفن.

> على ذكر الموسيقى الملاحظ أن حضورها طاغ في الشريط، بل إنها الخيط الناظم الذي يوحد الأحداث والشخوص؟
> عندما كتبت فكرة هذا المشروع، لم أفكر في أن تكون الموسيقى مجرد عنصر مؤثث للعمل، بل لتكون شخصية مركزية فيه، حتى في مرحلة “المونتاج” كان الاختيار يتم بشكل يعكس تيمات مختلفة منها الحب والفراق والحنين والمنفى والهجرة والترحال.
وتركيزي على الموسيقى نابع من أنها تظل تراثا فنيا مشتركا بين مكونات الثقافة المغربية، إذ أن أغاني اليهود المغاربة تمت استعادتها بأصوات مغربية مختلفة مسلمة ويهودية، إيمانا من أصحابها بأنها تتحدر من أعماقهم، فالعمل إذن بحث في الجذور، وإبراز كيف أن الموسيقى صارت عند الجيل الجديد من الفنانين الذين تتبعهم الشريط، بمثابة طريقة لمعالجة أعطاب الهجرة والمنفى التي عاشها آباؤهم وأجدادهم، وفرصة لمنح صوت المغرب المتعدد.

> الملاحظ أن المغاربة اليهود يتعاملون مع الموسيقى بنوع من العاطفة والنوستالجيا ما سر ذلك؟
> حاولت أن أركز على هذه النقطة بشكل كبير، سيما أنني نشأت وتربيت على الموسيقى في بلدتي الأصلية بتنغير، التي ولدت بها قبل انتقالي إلى فرنسا، حيث درجت على الاستماع لأحيدوس وموسيقى الأعراس والمناسبات العائلية والقبلية، أي الموسيقى المرتبطة بالأرض والجذور والانتماء، لذلك كنت أشعر بما يمكن أن تمثله الموسيقى لمن فارق أرضه، وهو الأمر الذي ينطبق على المغاربة اليهود ، لذلك فما يمكن أن يجمعنا هو الفن والموسيقى لأنهما يختزلان التاريخ والتخيلات.

> هل انتماؤك إلى تنغير له علاقة باختياراتك الفنية؟
> بطبيعة الحال، فهذه المنطقة تعني لي كل شيء، فقد ولدت هناك بالبيت، وليس بالمستشفى، وفتحت عيني وسط بنايات “إيغرمان” والنخيل، والعوالم الصغيرة لهذه المدينة العريقة المشكلة من منازل ودور بلونها الطيني المميز، وبروائحها الخاصة عندما يهطل المطر على ترابها، وعبق المواشي والدواب، كل هاته الأشياء لم تخفها في نفسي حداثة ومدنية فرنسا وطابعها العصري، رغم أنني نشأت فيها، لكن في وسط هامشي، إذ أن والدتي غير متعلمة، وتتحدث الأمازيغية والدارجة، وأيضا الفرنسية، كما أن والدي كان مجرد عامل بسيط، وهو ما جعلنا دائما مرتبطين بالأرض التي جئنا منها، إذ نعود إليها سنويا ونقضي بها العطلة، مما كان يتيح لي الفرصة للتشبع بالحمولات الرمزية والثقافية لتنغير.

> لكن ما علاقة تعلقك ب”تنغير” باهتمامك بالمسألة اليهودية في أعمالك؟
> ما أود توضيحه هو أن هذا الاهتمام طارئ، إذ إلى حدود العشرين من عمري لم أكن أعرف أن هناك شيئا اسمه الثقافة اليهودية في المغرب. كنت أعرف أن اليهود كانوا في أوربا وأنهم تعرضوا لجرائم إبادة على يد النازية، كما درسونا في المقررات التعليمية، ما جعلني أكره العنصرية بكل أشكالها ومظاهرها. كما كنت مأخوذا بحكايات أفراد العائلة في مسامراتهم بتنغير عن زمن السيبة والاستعمار والصراع بين القبائل. كل هذا زرع في شغفا مبكرا بالتاريخ الذي توجهت إلى دراسته وتدريسه، في ما بعد، مقتادا بسؤال يؤرقني: من أين أتينا؟، إلى أن حدثني جدي ذات يوم عن معاملة تجارية جرت بينه وبين جاره اليهودي “موشي دافيد” وكان يحدثني عنها بكل عفوية، وكيف اعتقلا معا من قبل الفرنسيين لاتجارهما في السوق السوداء، وأنا الذي كنت أعتقد أن المغاربة فقط كانوا مسلمين ولا وجود لديانة أخرى بينهم. آنذاك اكتشفت أن هناك دينا آخر وتاريخا آخر لم أكن أعرفهما، بل أن اليهود عاشوا في “تنغير” مئات السنين، لذلك حاولت تتبع ذلك الإحساس الذي تولد لديهم وهم يعيشون تجربة الهجرة وترك كل شيء وراءك: طفولتك ومخيالك، وكيف تعايشوا مع هذا الاقتلاع والفصل عن الأرض التي انبثقوا منها، لذلك بحثت عن مغربيتي وأمازيغيتي فيهم.

منطقة محظورة
> وأنت تطارد شغفك الخاص في البحث عن الجذور والهوية .. هل كنت تضع في حسبانك أن تجد نفسك في مواجهة تهمة “التطبيع”؟
> لم أكن في البداية أعرف أنني بمقاربتي هذا الموضوع سأدخل منطقة محظورة تشكل طابو لدى البعض، إذ لم أكن معنيا بالسجال الإيديولوجي المثار حول هذا الموضوع، لأنني في النهاية فنان أنجز أعمالي مدفوعا بالحب وبطاقة روحية توجهني، بعيدا عن الحسابات السياسية، إذ حتى لو هاجر يهود المغرب إلى “زيمبابوي” كنت سأتبعهم وأحكي عن تجربتهم، ما يهمني هو التقاط تجارب “الناس ديالنا” الذين لم ينسوا ثقافتهم ومغربيتهم. وشخصيا لا أحبذ مصطلح “تطبيع” بل “ترميم” و”إصلاح” تاريخنا المعطوب، وكأن الأمر يتعلق بشيء مكسور، لأن الهجرة في صميمها تجربة صعبة تنطوي على نواحي تراجيدية، بل إننا ما زلنا نؤدي غاليا فاتورة الفصل والتفرقة بين اليهود والمسلمين. حتى وإن لم أعش في تلك المرحلة فإنني أشعر وكأنني صرت يتيما بسبب هذا، وفقدت عنصرا مهما كان يشكل عنوانا لتعددنا، خاصة عندما كنت أتابع والدي وجدي يتحدثان عن حضور المكون اليهودي معطى بديهيا لا يحتاج كثيرا من النقاش والتساؤل. لدينا في تاريخ المغرب مراحل مهمة لم تكن الاعتبارات السياسية فيها تتدخل في علاقات الناس إذ كانوا يعيشون بشكل طبيعي وبدون خلفيات.

لا أفهم اتهامي بالتطبيع
لا أفهم معنى اتهامي بالتطبيع، بل لا أستوعب أصلا هذا التوصيف، فمثلا إذا لم أكن متفقا مع النموذج الإيراني والسعودي، من غير المقبول أن أقاطع المواطنين الإيرانيين والسعوديين، فقط لأنني غير متفق مع سياسات بلدانهم، وأمنع نفسي من ربط علاقات إنسانية معهم، فهناك إسرائيليون يدافعون عن الفلسطينيين وهناك تفاصيل إنسانية دقيقة بينهم، تخيل لو أن أوربيا يقاطعك كفرد فقط لأن بلدك اتخذ موقفا سياسيا في منطقة معينة، هذا شيء لا معنى له.

تعددنا سر قوتنا
جيد أن يتم إدراج تاريخ اليهود المغاربة بالمقررات التعليمية، لكن الأجود هو أن ندرس تاريخ كل المكونات التي يتشكل منها المغرب، وتعد عنصر قوته، خاصة الأمازيغية والصحراوية والأندلسية والأطلسية والفاسية والجبلية و”العروبية”، لا يجب أن يطغى مكون على آخر، فنحن متعددون ومتنوعون، وهذا ما يشكل مصدر قوتنا، وسلاحنا ضد كل خطاب يريد أن يفرقنا ويجتزئ عنصرا وعرقا دون غيره.

يهود المغرب سفراء
> لماذا في نظرك نجد تمسك المغاربة اليهود ببلدهم الأصلي أكثر من بقية يهود إسرائيل الآخرين؟
> لأنه بكل بساطة تاريخهم متجذر بالمغرب، ويتجاوز ثلاثة آلاف سنة، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون أيضا في بلدان عربية أخرى، لكن الفرق هو أن اليهود المغاربة لم يتم طردهم، كما فعل نظام جمال عبد الناصر وأنظمة أخرى قدم مسؤولوها خدمات جليلة، من حيث لا يعلمون، للكيان الصهيوني وساهموا في تقويته وإعماره بطرد اليهود. كما أن ما يميز المغاربة اليهود هو أنهم ظلوا مرتبطين بعلاقات وطيدة مع بلدهم الأصلي، بل إنهم ظلوا يعتبرون أنفسهم سفراء له، ونقلوا شغفهم إلى الأجيال الأخرى.

أعشق النبش في المندثر
> اشتغلت أيضا على تيمة الحب عند الأمازيغ في شريط “تاسانو تايرينو”؟
> كنت مدفوعا في هذا العمل بعشقي للنبش في الأشياء المعرضة للاندثار والانقراض، من خلال نماذج فنية أمازيغية للشاعرة مريريدة نايت عتيق والفنانة حادة أوعكي، اللتين تمثلان جزءا من الثقافة الأمازيغية التي تم التعامل معها كمكون هامشي وفلكلوري تؤثث به مداخل المهرجانات والتظاهرات الثقافية، بدل أن تأخذ هذه الفنون والمشتغلون بها مكانتهم الحقيقية، فندرس في مقرراتنا شخصيات مثل أوعكي ورويشة وإدمون عمران المالح والحمداوية والعيطة والروايس وغيرهم.

في سطور:
ـ من مواليد تنغير سنة 1977.
ـ نشأ وترعرع بفرنسا.
ـ حاصل على درجة الماجيستر في تاريخ العصور الوسطى في العالم الإسلامي من جامعة السوربون ليصبح عام 2005 مدرسا في فرنسا بسلك التعليم الثانوي.
ـ من أعماله “تنغير- جيروزاليم : أصداء الملاح”. و”أورشليم-تنغير: العودة إلى الوطن” و”تاسانو – تايرينو (قلبي – حبي بالأمازيغية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى