fbpx
افتتاحية

العلم “نور”

من حسن حظ الإنسانية أن هناك علماء وراثة كبارا أمثال “جيمس واتسون” و”فرانسيس كريك” و”روزاليند فرانكلين”، اكتشفوا، قبل 68 سنة، البنية الجزيئية للأحماض النووية، وإلا لكان محام شاب وزوجته، ربحا في 2021 رهان قضية غامضة، ستضيع فيها حقوق طفلة بريئة اسمها “نور”.
العلم فعلا “نور” والجهل عار، أما محاولات لي عنق القانون وفصوله للوصول إلى نتيجة محددة سلفا، فهي خيانة للقسم والعهد والبذلة، وتنصل من المبادئ السامية التي تعطي للطفل، مهما كان، أولوية إثبات حقوقه ونسبه، حتى لا تضيع وسط أرجل الكبار ومصالحهم.
فما صدر عن المحكمة الاجتماعية بالبيضاء، صباح أول أمس (الاثنين)، بخصوص إجراء خبرة جينية لإثبات النسب في القضية التي استأثرت باهتمام الرأي العام الوطني، وأضحت معروفة بقضية “المحامي وليلى”، لا يمكن إلا أن يشرف القضاء المغربي، ويعيد الملف إلى سكته الطبيعية، بعد أن انزاح إلى منعرجات أخرى تتعلق بالخيانة الزوجية والفساد، كانت فيها حقوق الطفلة “نور” ستضيع لا محالة.
فقديما قالوا “للي في راس الجمل في راس الجمال”، وتأخير البت في قضية الخيانة الزوجية المعروضة على أنظار المحكمة الابتدائية بعين السبع، دليل قاطع على أن القضاء منتبه جدا إلى تحقيق المبدأ العام، وهو مصلحة الطفلة “نور” في هذه الحالة، باعتبارها الحلقة الأضعف التي يجب توفير كل شروط الحماية لها.
وفي انتظار عرض الأم والأب “المفترض” والطفلة على خبير محلف معين من المحكمة، وصدور نتائج الخبرة الجينية، نعتقد أن الملف في طريقه إلى الحل، لأن المحكمة لا يمكن في الأصل أن تتخذ هذا الإجراء إلا إذا ثبت لها أن الأم والأب كانت تربطهما علاقة ما، وهي الخطبة، التي ثبتت، في هذه الحالة، بأكثر من دليل وحجة.
إن محاميا دارسا للقانون، مثل المتهم في هذه القضية، كان عليه أن يكون مدركا لعمق التحولات المجتمعية والتشريعية التي يعرفها المغرب في ما يتعلق بتوفير جميع الضمانات لحماية الأطفال، وأنه لا مجال للتلاعب والنزق في هذا الموضوع بالذات، المحمي بميثاق مجتمع وأمة توافقت، في 2005، على اعتبار مؤسسة الأسرة خطا أحمر.
أما إذا كان المحامي المعني ينتمي إلى حزب إسلامي كان طرفا أساسيا في معادلة التوافق حول مدونة الأسرة، فلا يمكن إلا أن نردد “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
إن مدونة الأسرة، التي من المفروض أن يكون المحامي متشبعا بنصوصها وروحها، يوجد فيها فصل واضح يحمل رقم 159، يؤكد أنه “إذا تمت الخطبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج، وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة”.
وحدد المشرع شروطا لتوفر هذه الشبهة، منها إشهار الخطبة بين الأسرتين، وموافقة ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء، أو إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة، أو إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما، وتتم معاينة هذه الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن.
وفي حالة القضية المعروضة على القضاء، فإن هناك شرطين على الأقل متوفران في شبهة النسب، هي إشهار الخطبة بالصور والفيديوهات المنشورة، وحمل المدعية من المدعى عليه أثناء الخطبة.
هذا هو القانون الذي كان ينبغي أن يتشبث به المحاميان إلى النهاية، لأنه مبرر وجودهما في مهنة منذورة لدفع الظلم وجلب العدل.
فقد كانت أمام المحامي “الإسلامي” فرصة أن يثبت أن الإيمان بالشيء، صنو تطبيقه في الواقع، لا أن نرتدي جلباب التقوى في النهار، وننزعه في الليل..
عند أول نزوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى