fbpx
افتتاحية

جريمة الصمت

هناك عندهم، لم تتردد حكومة في وضع استقالتها، بسبب خطأ إداري ارتكبه موظفون في مصلحة الضرائب، وخرج رئيسها من الباب الخلفي لوزارته، ممتطيا دراجته الهوائية في اتجاه منزله، وحين التقى صحافيين، قال لهم، بهدوء تام، إن التنحي عن تدبير الشأن العام هو أقل ما يجب من قبل حكومة تجبرت واستقوت على المواطنين.
أما هنا عندنا، فقد اعتبر رئيس الحكومة غرق عاصمة للمال والأعمال والاقتصاد والاستثمار مجرد “في ديفير”، أو حدث عرضي، لا يستحق الاهتمام بالمطلق، كأن من ماتوا تحت الأنقاض، ومن أصيبوا ونقلوا إلى المستعجلات، ومن باتوا في العراء وفي أقسام المدارس والخيريات وخيام البرد القارس، ومن تضررت منازلهم وسياراتهم وممتلكاتهم الخاصة، مواطنون من الدرجة العاشرة.
فخلال أسبوع كامل من الفيضانات والدمار والمخاوف والمشاهد الفظيعة لنساء ورجال وأطفال وشيوخ وأموات “يتنفسون” تحت الماء والوحل، لم يتحرك رئيس الحكومة قيد أنملة، ولم يصدر عنه ما يفيد أنه يعيش معنا في هذا البلد السعيد، ويحس بما نحس به.
وحتى إذا اعتقدنا جدلا، أن رئيس الحكومة مصاب بمرض العمى المزمن ضد الكوارث التي تقع في بلده، فهناك جهات أخرى من المفروض أن تتحمل مسؤوليتها في حماية مصالح المواطنين والمؤسسات وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يتحول هذا الفصل الدستوري، إلى “كليشي” يزين به الزعماء خطابات الإنشاء أمام الجماهير، أو جملة عرضية في بحث أكاديمي.
فحين تسكت الحكومة، بخلفيات سياسية وانتخابية، ينبغي على النيابة العامة أن تتكلم وتأمر وتوجه تعليماتها إلى المسؤولين القضائيين لفتح التحقيقات اللازمة، ضمانا لحقوق الدولة والمواطنين على حد سواء.
فقبل أيام، اتهم مسؤول كبير في مجلس البيضاء ورئيس مقاطعة، شركة “ليدك”، المفوض لها قطاع التطهير السائل، بتعمدها إغلاق نقاط تصريف المياه وقت تهاطل الأمطار الغزيرة، كما اتهمها بالتماطل في كنس البالوعات وقنوات الواد الحار وممرات تسرب المياه، وهي كلها تهم ثقيلة، تضع الشركة مباشرة أمام مسؤولية جنائية.
ورغم خطورة الاتهام وتوثيقه بالصوت والصورة، لم تبادر أي جهة إدارية، أو قضائية بفتح تحقيق، واستدعاء المسؤول الجماعي لتعميق البحث معه وتسلم المعطيات والوثائق والبيانات والصور التي تفيد أن الشركة تعمدت، فعلا، إغراق المدينة في مياه الأمطار، وإلحاق الضرر بالممتلكات العمومية والخاصة، بل والتسبب في وفاة مواطنين، هوت عليهم أسقف بنايات آيلة للسقوط تسربت إليها الأمطار.
فإذا كانت الجهات القضائية تفتح تحقيقات في ملفات بسيطة، وهو أمر مطلوب، فما المانع في إصدار أمر بالتحقيق في فيضانات كارثية، بدا من خلال التصريحات والتصريحات المضادة، أنها لم تكن قوة قاهرة، بل بفعل فاعل، والفاعل، إذا ثبتت فعلته، ينبغي أن يعاقب، وهو أضعف الإيمان في دولة تحتكم إلى القانون.
نعيد التأكيد على ذلك، (بإصرار هذه المرة)، لأن ما وقع بالبيضاء وغيرها من المدن الأخرى، لا يجب أن يمر دون تحديد واضح للمسؤوليات ودون مساءلة وعقاب، وهو السبيل الوحيد حتى لا تتكرر المأساة في المستقبل.
إن الصمت والمؤامرة وجهان لعملة واحدة.
وكلاهما جريمة لا تغتفر… ضد الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى