fbpx
حوادثمقالات الرأي

عبيد: قراءة في المادتين 14 و15 من مدونة الأسرة

منظور جديد ومبتكر لتعامل المشرع مع عقود زواج المغاربة المقيمين بالخارج (3/1)

بقلم: ذ/عثمان عبيد *

لا شك أننا جميعا واعون بأن توثيق عقد الزواج يعتبر اللبنة الأساسية في تنظيم العلاقة الأسرية وضبطها، وهو بذلك يشكل مرتكزا للمحافظة على الروابط الأسرية والهوية الوطنية بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، وعاملا مهما للحماية والمحافظة على حقوق المرأة المغربية المقيمة بالخارج وعلى أبنائها، باعتبار أن المرأة هي المتضررة الأولى من عدم توثيق العلاقة الزوجية، أو حتى من وجود خلل قانوني في توثيق هذه العلاقة، لذلك اهتمت مدونة الأسرة بتوثيق الزواج بالخارج وأفردت له مقتضيات خاصة تميزه عن تلك المعمول بها ضمن الحدود الجغرافية لتراب المملكة.

ومن هذه الخلفية المتفتحة على هموم وانشغالات المغاربة المقيمين بالخارج، ومراعاة لظروفهم وأحوالهم ببلد الإقامة، نصت مدونة الأسرة على إمكانية إبرام عقود زواجهم، طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، حيث ورد في المادة 14 منها: “يمكن للمغاربة المقيمين في الخارج أن يبرموا عقود زواجهم، وفقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد إقامتهم إذا توفر الإيجاب والقبول والأهلية والولي عند الاقتضاء، وانتفت الموانع ولم ينص على إسقاط الصداق، وحضره شاهدان مسلمان، مع مراعاة أحكام المادة 21 بعده”. كما نصت المادة 15 على أنه “يجب على المغاربة الذين أبرموا عقد الزواج طبقا للقانون المحلي لبلد إقامتهم، أن يودعوا نسخة منه داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرامه، بالمصالح القنصلية المغربية التابع لها محل إبرام العقد…”.

لا يمكن إنكار الفوائد الجمة التي شكلتها مقتضيات المادتين 14 و15 من مدونة الأسرة، في حماية حقوق الأسرة المغربية المقيمة بالخارج، وكذا الجوانب الإيجابية الواضحة التي أتت بها هاتان المادتان، فقد حلتا كثيرا من المعضلات والمشاكل التي كانت تعانيها الأسرة المغربية المقيمة بالخارج بصفة عامة والمرأة المغربية المهاجرة على الخصوص، والتي كانت تواجه بالتشدد في توثيق علاقتها الزوجية ببلد الإقامة، وفرض أن يكون الزواج موثقا وفق الإجراءات الشكلية للقانون الوطني، مما كانت تنتج عنه أوضاع مستغربة وشاذة أحيانا تلحق أضرارا بالأسرة وباستقرارها وتولد مشاكل لاحقة قد لا تعرف حلا، وهكذا كنا نجد في حالات كثيرة أن الأزواج المغاربة المقيمين بالخارج كانوا يبرمون عقدين للزواج، أحدهما وفق الإجراءات الإدارية لبلد الإقامة، وآخر في المغرب طبقا لقانون الأحوال الشخصية المغربي…، إلا أن هذا الأمر انقضى نهائيا ولم يعد مطلوبا من المواطنين المغاربة المقيمين في الخارج، إلا أن يبرموا عقد زواج واحدا طبقا لقانون بلد الإقامة، وهو منتج لآثاره في أرض الوطن، ما دام أن نسخته يتم إيداعها لدى القنصليات المغربية بالخارج التي تتولى توجيهها إلى المصالح المختصة في المغرب.

وبالنظر إلى مقتضيات المادة 14، يمكن القول إنها تعتبر تطبيقا لقواعد القانون الدولي الخاص التي ترتكز على خضوع القواعد والشروط الشكلية الخاصة بالأحوال الشخصية لقانون الموطن، في حين أن الشروط الموضوعية تبقى خاضعة للقانون الوطني، ومن هنا تظهر الأهمية الحيوية لمسألة التمييز بين الشروط الشكلية والأخرى الموضوعية التي تضمنتها هذه المادة، بالنظر إلى الآثار التي تترتب عن هذا التمييز في تقرير صحة عقد الزواج من بطلانه، وأيضا باعتبار هذا التمييز مدخلا لإيجاد صيغة الحل الذي يمكن أن نصل إليه في الإشكال الجوهري الذي طرحه تطبيق مقتضيات المادة 14 على أرض الواقع.
فبالرجوع إلى الشروط التي أوردتها هذه المادة من أجل صحة إبرام عقد الزواج في الخارج، طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، فقد تطلبت احترام القواعد التالية:
– توفر الإيجاب والقبول.
– الأهلية القانونية لإبرام عقد الزواج والولي عند الاقتضاء.
– انتفاء الموانع الشرعية.
– عدم التنصيص على إسقاط الصداق.
– حضور شاهدين مسلمين لمجلس العقد.

فإذا كانت الشروط الأربعة الأولى لا تثير إشكالا من حيث إنها تعتبر شروطا موضوعية، يترتب عن الإخلال بها اعتبار عقد الزواج المبرم وفق قانون بلد الإقامة غير صحيح أو باطلا، والأمر نفسه إذا أبرم العقد فوق التراب الوطني، فإن الشرط الأخير المتمثل في وجوب حضور شاهدين مسلمين أثار مفارقة من حيث إنه يدخل في صميم الشروط الشكلية التي من المفروض أنها تخضع لقانون بلد الإقامة، وفي الوقت نفسه، مدد بعض الصيغ الشكلية التوثيقية الوطنية خارج التراب الوطني المغربي، مما أثار إشكالات عدة في التطبيق اعتبارا لصعوبة تحقق هذا الشرط الشكلي في كثير من بلدان المهجر التي لا تتطلب أصلا حضور شاهدين لمجلس العقد، فبالأحرى أن يكونا مسلمين.

– المادة 14 في محك التطبيق: محاولة التوفيق :
لقد دفعت هذه المفارقة إلى التفكير في حل للمعضلة حتى يتأتى عدم تعطيل المادة 14 والاستفادة من مقتضياتها إلى أقصى ما يمكن، وفي الوقت نفسه، عدم مخالفة الشروط المضمنة بها، وكان من نتائج ذلك أن قامت وزارة العدل، وبعد شهرين فقط من دخول مقتضيات مدونة الأسرة محك التطبيق العملي، بإصدار منشور بتاريخ 12 أبريل 2004 تحت عدد 13 س2 حول تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة على أفراد الجالية المغربية المقيمين بالخارج، وتطرقت من جملة المواضيع التي شملتها الدورية، إلى تطبيق المادة 14 وكيفية تدارك بعض الشروط التي لم يتضمنها عقد الزواج المبرم طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، خاصة حضور شاهدين مسلمين، والحل الذي تم التوصل إليه آنذاك هو إنجاز إشهاد عدلي أمام العدول المنتصبين للإشهاد لدى القنصلية المغربية المختصة (وهي قنصلية محل إبرام العقد) بحضور الزوجين المعنيين والشاهدين المراد تضمين شهادتهما على حضورهما لعقد الزواج، ويتضمن هذا الملحق الإشهادي ما يلي:
– التنصيص على مراجع الزواج المدني.
– الإشارة إلى حضور الشاهدين المسلمين وهويتهما….
– تحرير هذا الملحق العدلي وضمه إلى نسخة العقد المدني المنجز طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة.

توجيه العقد والملحق الإشهادي المرفق به إلى ضابط الحالة المدنية، وقسم قضاء الأسرة، طبقا للكيفية المشار إليها في المادة 15 من مدونة الأسرة.
غير أن صيغة الحل هذه، والمعمول بها إلى غاية يومه، وإن كانت تبدو أنها حلت مشكل التوفيق بين مفهوم الإشهاد على عقد الزواج المعمول به في القانون الوطني، والقواعد الشكلية لإبرام عقد الزواج ببلد الإقامة، فإنه مع مرور الوقت بينت أنها بدورها أثارت صعوبات جديدة، لعل أبرزها فرض شكليات وإجراءات مستحدثة على المغاربة المقيمين بالخارج من دونها يعتبر زواجهم الذي تم وفق قانون بلد الإقامة غير مقبول في وطنهم الأم، فعوض التقليل من الشكليات وتبسيط الإجراءات تمت إضافة إجراءات أخرى زادت من إثقال كاهل مغاربة العالم وهي: البحث عن شهود مسلمين، والحضور الشخصي للزوجين وإحضار الشاهدين اللذين حضرا بمجلس العقد إلى مقر القنصلية، وسماع شهادتهما من قبل العدلين وتوثيقها، إلحاق الإشهاد العدلي بالعقد المدني، والإيداع بقنصلية محل إبرام العقد، مما جعل مواطنينا في الخارج وفي كثير من الحالات يختارون عدم إيداع عقود زيجاتهم بالقنصليات المغربية طبقا لما تحدده مقتضيات المادة 15 من مدونة الأسرة.
* رئيس قسم قضاء الأسرة والقاصرين وفاقدي الأهلية بمديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى