fbpx
حوادثمقالات الرأي

اسباغي: العقار المهمل وأثره على النظام القانوني للرسم العقاري

تم إحصاء العقارات المملوكة للأجانب من جهة والأملاك المهملة من جهة أخرى (3/1)

بقلم: مبارك اسباغي *

تعد ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير من الظواهر التي أسالت الكثير من مداد الباحثين ونالت حصة كبيرة من النقاش، لأنها تفشت بشكل خطير وضربت الأمن العقاري في الصميم، لذلك كان لابد من التصدي لها استعجالا بعد معرفة الأسباب ومنابع الخلل والثغرات التي أصبحت القوانين غير قادرة على ردعها وسد الباب في وجهها.

لما وصل صدى ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير إلى أعلى مستوى، تدخل جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، فراسل وزير العدل سنة 2016 برسالة يحثه من خلالها على اتخاذ كل التدابير اللازمة من أجل الوقوف على مواطن الخلل وإيجاد حلول ناجعة، والضرب على أيدي الذين تورطوا في مثل هذه العمليات المربحة والمدرة لأموال طائلة نتيجة الزور والتزوير  في وثائق وسندات مكنتهم من الاستفادة بطرق غير شرعية من تمليك عقارات أو المساهمة في تفويتها للغير، والتي نتج عنها جني الثروات دون رقيب أو حسيب.
استجابة للتعليمات الملكية السامية تكونت لجنة ضمت ممثلي عدة وزارات، حيث انكبت على التشخيص والإحصاء والدراسة والتحليل واتخاذ القرارات المناسبة، وخلصت اللجنة إلى حرصها وإلحاحها على سن قوانين جديدة تسد الباب في وجه كل من خولت له نفسه الغوص في هذا الميدان والاستفادة من ثغرات القوانين المعنية والمتجاوزة جزئيًا على مستوى بعض التصرفات.
وبالفعل تم تعديل مجموعة من النصوص القانونية ذات الصلة بالموضوع، بهدف معالجة الوكالات العرفية الخاصة منها والعامة التي أصبحت خاضعة للشكلية المحددة في المادة الرابعة من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية،وتمت أيضا معالجة الشركات المدنية العقارية بجعلها خاضعة لقانون جديد أشد صرامة وحرصا على سلامة الأمن التعاقدي والأمن العقاري،وهي كلها قوانين استهدفت التصدي لحالات التزوير والتدليس وتضييق الخناق على ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير.
وبالموازاة مع هذه التدابير المهمة تم إحصاء العقارات المملوكة للأجانب من جهة والأملاك المهملة من جهة أخرى، وتبعا لذلك جاء في تصريح وزير العدل بتاريخ 17 – 09 – 2018 بأن العقارات المهملة في المغرب يبلغ عددها 8299 عقارا حسب تقرير اللجنة المكلفة بتتبع موضوع الاستيلاء على عقارات الغير، وأنه تم القيام بعملية جرد للعقارات المهملة بتنسيق بين وزارة الداخلية والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، حصرت من خلالها اللجان المحلية بمختلف العمالات والأقاليم بالمملكة عدد العقارات المهملة في 8299.
وبعد إحالة ملف جرد هذه العقارات على مصالح المحافظة العقارية لتدقيقها، تبين أن لائحة العقارات المحفظة المهملة تضم 4037 رسما عقاريا، وأنه تم اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات لحمايتها من خلال وضع تنبيه خاص يتضمن عبارة “عقار مهمل” بملف الرسم العقاري المعني، وكذا بقاعدة المعطيات العقارية المعلوماتية لدى المحافظة العقارية مع حث المحافظين على الأملاك العقارية بالاحتراز الشديد في دراسة المعاملات والبت في الطلبات التي ترد عليهم والمتعلقة بالعقارات المهملة. هذا هو مربط الفرس، يعني تنبيه المحافظين بأن هذه العقارات يجب التعامل معها بيقظة عالية وحيطة وحذر لمناسبة أي طلب يهدف إلى تفويت أو تعديل أو تغيير أو إسقاط لحق الملكية العقارية أو لحقوق عينية أو حقوق شخصية تهم العقار المهمل دون الخروج عن المعتاد من تحر ومراقبة وتدقيق قبل اتخاذ القرار المناسب.
وفي السياق نفسه أصدر المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية مذكرة إدارية عدد 02056 بتاريخ 15 فبراير 2017؛ يؤكد فيها أن كل رسم عقاري يتضمن عبارة عقار مهمل في الملف الفرعي للرسم العقاري يقتضي من المحافظين على الأملاك العقارية الاحتراز الشديد عند البت في الطلبات المقدمة إليهم بشأنه مع الحرص على مراقبة السندات المؤيدة لها، واتخاذ كافة الإجراءات التي تمكنهم من التأكد من صحة وسلامة تلك السندات في إطار المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
ولا شك أن هذا الإجراء المتخذ من الجهات المعنية يتميز بالعديد من الإيجابيات الرامية إلى حماية الملكية العقارية وتحقيق الأمن التعاقدي والأمن العقاري بالخصوص، ذلك أن تضمين الرسم العقاري إشارة خاصة تحت عبارة “عقار مهمل” إجراء يترك أثرا سلبيا في نفس المتربص بالعقار ويجعله يتخذ خطوة للوراء، بل قد ينصرف تركيزه عنه، خاصة وأنه في الغالب ما يكون ذا تجربة أو على معرفة تامة بالقانون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد في هذا الإجراء حماية للمالك الحقيقي للعقار من خلال إخباره بالشك الذي يحوم حول عقاره وبضرورة الانتباه واليقظة بشأنه.
وبمقابل هذه الإيجابيات التي يتمتع بها هذا الحل النسبي في حماية الملكية العقارية؛ فقد أفرز موضوع العقارات المهملة العديد من الجوانب السلبية، من أهمها أن هناك من اعتبره مسا بالملكية العقارية لأن المالك حر في عقاره ولا وجود لقانون يجبره على الوجود به ولا إقحام أي إشارة غير واردة في القانون على رسمه العقاري. بل هناك من ذهب بعيدا واعتبره خرقا لنظام التحفيظ العقاري وضربا لأسسه ومبادئه.
تأسيسا على ذلك، فقد أفرز هذا الموضوع جملة من الإشكاليات على الصعيد العملي، والتي يمكن اختزالها في ما يلي:
ما هي الطبيعة القانونية لمفهوم العقار المهمل في ظل قانون التحفيظ العقاري؟ وما هي الآثار المترتبة عن الإشارة لعبارة عقار مهمل في الرسم العقاري؟
وتتفرع عن هذا الإشكال الرئيسي مجموعة من الأسئلة الفرعية أهمها:
متى يتخذ العقار صفة عقار مهمل؟ وكيف يتعامل المحافظ على الأملاك العقارية مع هذا المفهوم الغامض ذي الآثار المعقدة والخطيرة أحيانا؟ وكيف يتوصل عون السلطة على أن العقار مهمل؟ وهل يمنع التصرف فيه ؟ وهل يبقى العقار مهملا حتى ولو ظهر مالكه؟ وهل الإشارة إلى عقار مهمل في الرسم العقاري لا يمكن للمحافظ محوها؟
إلى غير ذلك من الأسئلة العديدة التي يطرحها الموضوع.
تتطلب معالجة الإشكالية التي يطرحها الموضوع التطرق بداية للطبيعة القانونية للعقار المهمل ( الفقرة الأولى)، تمهيدا لتحديد مختلف الآثار المترتبة على الإشارة لعبارة العقار المهمل في الرسم العقاري ( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تحديد الطبيعة القانونية لمفهوم العقار المهمل
من المعلوم أن العقار في المغرب باعتباره عنصرا من عناصر الأمن الاجتماعي والنمو الاقتصادي يتميز بالتعدد والتنوع الذي لا يشكل إشكالا في حد ذاته، وإنما طريقة تدبيره هي الإشكال ذاته، فهناك الأملاك الخاصة للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين؛والأملاك العامة للدولة وأملاكها الخاصة، ثم العقارات الوقفية، وأراضي الجماعات السلالية،وأراضي الجيش، والأملاك الغابوية؛ وغيرها من الأنظمة العقارية الخاصة. بيد أنه مهما تعددت الأنظمة العقارية وتنوعت فإنها تكون إما عقارات محفظة أو في طور التحفيظ، يسري عليها قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية، أو عقارات غير محفظة خاضعة هي أيضا لمدونة الحقوق العينية وقانون الالتزامات والعقود في ما لم يرد بشأنه نص في المدونة، فإذا لم يوجد نص فيهما معا يتم الرجوع للراجح والمشهور، وما جرى به العمل في الفقه المالكي.
فمن خلال استقراء مختلف النصوص القانونية ذات الصلة بالموضوع لا نجد أي إشارة لمفهوم العقار المهمل ولا نصا قانونيا يؤطر هذه المسألة. لذلك لابد من تحديد مفهومه وبحث طبيعته القانونية.
فالعقار المهمل لغة هو العقار المتروك، غير المستعمل، لا قيمة له، غير معتنى به.
أما في الاصطلاح الواقعي -وليس الاصطلاح القانوني- لأنه لا وجود لمفهوم العقارات المهملة في قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية؛ فيمكن تعريفه بأنه ذلك العقار الذي لم يتم استغلاله مدة طويلة من الزمن لسبب من الأسباب، كبقاء مالكه مجهولا أو توفى ولا يعرف له وارث، أو غائبا لم يترك وكالة، سواء كان المالك مغربيا أو أجنبيا.
* محافظ ممتاز سابقا وموثق حاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى