fbpx
حوادثمقالات الرأي

بن سلامة: التحكيم في التشريع المغربي

المادة 9 من القانون المالي أضرت بمؤسسات التحكيم والدستور المغربي وترسانة قوانين الاستثمار

بقلم: الدكتور عبد الرحيم بن سلامة *

تولي الدولة المعاصرة للقضاء اهتماما خاصا فتضع القواعد المنظمة له ولوظيفته، وتمنح له من الضمانات ما يكفل له النهوض بهذه الوظيفة، فأعطت للأفراد والمؤسسات حق اللجوء إليه طلبا للفصل في منازعاتهم. ويمثل التحكيم صورة منظمة من صورة القضاء الخاص في عصرنا الحاصر. إلا أن التحكيم غير القضاء، فهو مؤسسة مختلفة عنه عرفته مختلف الأنظمة القديم منها والمعاصرة. كان التحكيم شائعا بين قبائل العرب في الجاهلية، بل اعتبر الشكل الرئيسي للعدالة – القضاء الشعبي – والفصل في المنازعات بين الأفراد والجماعات، في مجتمع كان الحق فيه متوقفا على القوة في غالب الأحيان.

أجاز الشرع الإسلامي التحكيم كما تبنته معظم القوانين الوضعية، لأنه نظام فرضته الضرورة، وأملته المصلحة العامة والخاصة على حد سواء، كما سنرى من خلال هذا البحث.

– التحكيم في القانون الوضعي
إذا كانت التشريعات الحديثة تعطي أهمية بالغة لقضاء الدولة باعتباره أحد السلط الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية – فإن التطور الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية والتجارية والاستثمارات العالمية، حتم على كثير من الدول – ومنها المغرب، أن تلعب دورا هاما في صياغة القوانين والتشريعات وتحديثها في مجال التحكم التجاري لتتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة التي يعرفها العالم.
لقد برز نظام التحكيم التجاري في السنوات الأخيرة نظاما قانونيا يساعد على حل المنازعات، وبات اللجوء إليه ثقافة سائدة في جميع أنحاء المعمور.
وهكذا نجد معظم القوانين الوضعية أفردت لنظام التحكيم بابا خاصا، كما هو الشأن بالنسبة إلى المغرب، حيث نظم المشرع المغربي التحكيم في فصول من 306 إلى 327 من الباب الثامن من القسم الخاص من قانون المسطرة المدنية.

ويقصد بالتحكيم اتفاق أطراف النزاع على اللجوء إلى جهة قضائية اختيارية لفض نزاعاتها القائمة أو المحتملة بواسطة شخص أو عدة أشخاص معينين من طرفها أو من طرف هيأة مختصة، فالتحكيم فضاء غير نظامي يمارس من طرف جهات معينة منظمة تنظيما قانونيا حرا.
فالتحكيم وجد كنظام لتسوية المنازعات القائمة أو المحتملة عن طريق أفراد عاديين يتم الاتفاق عليهم عادة من قبل المتنازعين، وذلك بدلا من عرض نزاعاتهم على قضاء المحاكم، شريطة أن يلتزموا بما يحكم به هؤلاء المحكمون.

ولجوء أطراف النزاع إلى التحكيم هدفه سرعة الحكم وتفادي البطء الذي تعرفه القضايا الكثيرة التي تعرض على المحاكم.
فنظام التحكيم أصبح اللجوء إليه من مظاهر العصر الحديث، يسلكه الخصوم لتسوية منازعاتهم التجارية والاقتصادية خصوصا منها الدولية، بعد اتساع المعاملات التجارية عن طريق الاستثمار الأجنبي.
والتحكيم تتعدد صوره بحسب تطور العلاقات الإنسانية، فبعد أن كان مقتصدا على نوع معين من النزاعات نجده اليوم يشمل كثيرا من العلاقات الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية الدولية، فهو إما تحكيم إجباري خارجي أو داخلي.

– التحكيم الاختياري والتحكيم الإجباري
يكون التحكيم اختياريا إذا لم يكن اللجوء إليه أمرا مفروضا على الخصوم، فيكون اللجوء إليه بمحض إرادة أطراف النزاع، وهذا هو الأصل في التحكيم.
يقابل هذا النوع من التحكيم، تحكم يفرض قسرا على الخصوم بنص تشريعي يجب اللجوء إليه في منازعات معينة منصوص عليها في القانون، فيكون حينئذ إجباريا بحيث لا يجوز إطلاقا اللجوء إلى القضاء العادي بالمرة، أو أنه يجوز ذلك، ولكن بعد طرح النزاع على التحكيم أولا.
ومن أمثلة هذا النوع من التحكيم في النظام الفرنسي وغيره من أنظمة بعض المنازعات العالمية:

– التحكيم الخاص والتحكيم النظامي
إن الصورة الغالبة التي عرف عليها التحكيم هي أن يتفق الأطراف في نزاع معين قائم أو سيقوم على كل جزئيات ودقائق التحكيم فيعينون باتفاقهم ـ بعد قبول التحكيم ـ المحكمين وطريقة التحكيم ويضعون لسيره الإجراءات التي تنظمه، وهذا ما يعرف بالتحكيم الخاص أو الحر، وهذا الأخير يجعل أساسا له مبدأ الثقة في شخص المحكم والطمأنينة لتقديره السليم، وهو نوع غالبا ما يسود في إطار العلاقات الداخلية.
أما بالنسبة إلى المعاملات الخارجية، فالملاحظ أن التحكيم قد أصبح في ظلها يأخذ طابعا نظاميا.

– التحكيم الوطني والتحكيم الدولي
أن حكم المحكمين يكون وطنيا إذا ما صدر في إقليم الدولة المراد تنفيذه فيها، بغض النظر عن جنسية الخصوم أو موطنهم، ويكون أجنبيا إذا اتصلت جميع عناصره بدولة أخرى أو توزعت بين عدة دول أجنبية.
لقد اهتم رجال القانون بإقامة التفرقة بين التحكيم الوطني والتحكيم الدولي، نظرا لكثرة المنازعات القانونية التي تثور بالنسبة إلى التحكيم في مجال الاستثمار والتجارة الدولية، وخاصة عند تحديد القانون الواجب التطبيق، فالاستثمار والتجارة هما المجال الخصب للتحكيم الدولي، وإن المقام لا يسمح هنا باستعراض السمات التي تطبع عالم التحكيم بالنسبة إلى العلاقات الدولية الاقتصادية والتجارة بخصوص عالم الاستثمار.

المادة 9 من القانون المالي لسنة 2020 وتأثيرها على مؤسسة التحكيم في منازعات العقود الإدارية
لقد جاء المشرع المغربي بمستجدات تتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، وتتعلق بإمكانية اللجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية، بعد أن كان قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 ينص صراحة على عدم جواز ذلك.

وهكذا أصبح الفصل 310 من القانون المذكور ينص على أنه: “يمكن أن تكون المنازعات المتعلقة بالعقود التي تبرمها الدولة والجماعات المحلية محل اتفاق تحكيم في دائرة التقيد بالمقتضيات الخاصة بمراقبة الوصاية المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في ما يخص العقود المعنية”.
فالمشرع المغربي أقر بإمكانية اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية اقتناعا منه بالدور الإيجابي الذي يلعبه التحكيم في تحفيز الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكن جاءت المادة 9 من القانون المالي لسنة 2020 لهدم كل ما جاء به المشرع المغربي لصالح الاستثمار والمستثمرين طيلة السنوات الماضية، وكأنه يعمل على هدم كل ما بناه ونقض تشريعه بيده.
لذلك فإن المادة 9 المذكورة أثارت نقاشا حادا بين البرلمانيين ـ في مجلس النواب، ومجلس المستشارين ـ ورغم هذا النقاش صادق البرلمان عليها رغم مخالفتها للدستور، مما جعل أصناف المستثمرين عامة تنعدم ثقتهم ومصداقيتهم في القوانين المغربية وفي الأحكام القضائية التي تفرغ من محتواها، بامتناع الدولة المغربية، عن تنفيذها بدعوى عدم وجود الإمكانيات المالية، مع أن الدستور المغربي ينص في المادة 126 على أن “الأحكام والقرارات القضائية ملزمة للجميع” وكلمة للجميع تفيد الدولة والأفراد والجماعات بدون استثناء…!
فالقانون المالي 2020 يشكل خطرا كبيرا على الدولة نفسها بجعل المستثمرين الأجانب خاصة يفقدون الثقة في القوانين المغربية وفي الأحكام القضائية التي أفرغت من محتواها، فلا أساس قانونيا ولا قضائيا مع وجود المادة (9) التي صادق عليها البرلمان، الذي كان عليه عدم المصادقة على هذه المادة التي أضرت بمؤسسات التحكيم أولا، وبالدستور المغربي ثانيا، وبترسانة قوانين الاستثمار الوطني والأجنبي.
* مستشار بمحكمة النقض أستاذ بالمعهد العالي للقضاء سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى