fbpx
حوادثمقالات الرأي

جدوي: الاستقلال الذاتي لقضاة الرئاسة

علاقة النيابة العامة بقاضي التحقيق علاقة متابعة ومصاحبة ومراقبة

بقلم: أشرف منصور جدوي*

القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، كان هذا هو شكل النص الدستوري الذي يتحدث عن القضاء، وكانت تلك هي صياغته في كل الدساتير التي عرفتها التجربة الدستورية المغربية، من دستور 1962، 1970، 1972، 1992، 1996، هذا النص شكل مدعاة للانتقاد من قبل الحقوقيين و المجتمع المدني والمحامين، بل وحتى القضاة في وقت ما، إذ كان ينظر إلى ذلك النص أنه يتحدث عن القضاء مجردا دون أن يشير إليه باعتباره سلطة. وبحلول سنة 2011 تغير النص الدستوري و صرنا أمام “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية” هكذا جرى التنصيص في دستور 2011 في فصله 107. وهو ما شكل مبعث طمأنينة إذ بعد أن كان القضاء مجردا أصبح سلطة، وسلطة مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية بنص الدستور.

ولئن كانت مسألة استقلالية السلطة القضائية منتهيا ومحسوما أمرها بنص الدستور وصريح منطوقه، حق لنا أن نتساءل ماذا عن الاستقلالية الذاتية -النفسية والقانونية – لقضاة الرئاسة؟ خصوصا في علاقتهم بقضاة النيابة، إذ ثمة مجموعة من التمظهرات – في اعتقادنا – والتي قد نمر عليها مرور الكرام ونراها رأْيَ العين دون أن نلقي لها بالا ونحسب تلك هي طبائع الأمور. تلك المظاهر تجعل تلك الاستقلالية تبيت مهددة بل وتصير كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي تمظهرات نفسية في مقام أول، ثم تمظهرات قانونية في مقام ثان.
أولا: التمظهرات النفسية المهددة للاستقلالية الذاتية لقضاة الرئاسة.
إن ولوج أي قاعة من قاعات المحاكم بالمملكة ليجعلنا نلحظ مجموعة من الأمور قد يخالها المرء عادية، إلا أنها في اعتقادنا غير طبيعية ونتيجتها الحتمية أن الاستقلالية الذاتية لقضاة الرئاسة باتت مهددة، هذا إن لم تكن تلك المظاهر قد أجهزت عليها فعلا.

أ – من حيث الولوج إلى قاعة الجلسات.
إن أول ملاحظة هي أن قاضي الحكم وقاضي النيابة العامة يلجان من الباب نفسه وينصرفان من الباب نفسه، وهو ما قد يولد لدى قاضي الحكم إحساسا بأنهما جسم واحد، في حين أنهما وإن كانا ينتميان لنفس السلطة أي القضائية، فإنهما يختلفان اختلافا عميقا، إذ يبقى السمو لقضاء الحكم وحده، فالأخير هو الذي له الكلمة الفصل انتهاءً.
ب – من حيث البذلة

إن كلا من قاضي الحكم وقاضي النيابة العامة يرتديان البذلة نفسها وكأن لسان حاليهما يقول إذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته كان أنا، في حين أن النيابة العامة طرف في الدعوى وهي دفاع، دفاع عن المجتمع ومحامٍ له، ومن ثم كان لزاما أن تكون بذلة قاضي النيابة العامة مماثلة لبذلة المحامين أو على الأقل مختلفة عن بذلة قاضي الحكم، حتى لا يظن الأخير ولا يظن من بعده آخرون أن هناك من ينازع قاضي الحكم في التفرد بالحكم.

ج. من حيث مكان الجلوس

إن المنصة حيث تجلس الهيأة القضائية هي كذلك باعث من بواعث الشعور بعدم الاستقلالية النفسية، حيث يجلس قاضي الحكم والنيابة العامة في نفس المستوى وفي مكان مرتفع عن باقي أطراف الدعوى، في حين أن الأقرب إلى الصواب ومادامت النيابة العامة طرفا فيتعين أن يكون قضاء الحكم وحده هو الذي يجلس في مكان مرتفع عن الأطراف، ومكان الجلوس بهذا الشكل رسالة مفادها أن القضاء يسمو على كل أطراف الدعوى، وأنه محايد ودليل حياده جلوسه متفردا لا يزاحمه في نفس مكان الجلوس أي طرف، حتى ولو كان الطرف نيابة عامة.
د. من حيث الولوج إلى سلك القضاء

بعد اجتياز مباراة ولوج السلك القضائي وقضاء فترة التكوين، وحسب القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، يعين الملحقون القضائيون نوابا لوكيل الملك لمدة سنتين على الأقل ثم بعدها يعين من بينهم قضاة للحكم، واستثناء يعين الملحقون القضائيون مباشرة قضاة للحكم متى اقتضت المصلحة القضائية ذلك لسد الخصاص الحاصل في عدد قضاة الحكم.
أي أن قاضي الحكم وقاضي النيابة العامة يقضيان جنبا إلى جنب فترة التكوين ثم يعينان فيما بعد، وكم من قاض للحكم أصبح قاضيا للنيابة العامة. وكم من قاض للنيابة العامة يصبح فيما بعد قاضيا للحكم، وبالتالي أعتقد أن تلك الزمالة من شأنها التأثير على الاستقلال الذاتي النفسي لقضاة الرئاسة، خصوص اذا استحضرنا باقي التمظهرات و المؤثرات السالف ذكرها، وأعتقد أنه من أجل تعزيز الاستقلالية لابد من مراجعة التمظهرات التي تمت الإشارة إليها، بدءا من مكان الولوج الى قاعة الجلسات، والبذلة التي يتعين إعادة النظر فيها وإحداث تمايز بين بذلة قاضي الحكم ونظيره في النيابة العامة، كما أن مباراة الولوج للسلك القضائي يتعين أن تصبح مباراتين أولى من أجل تكوين قضاة للحكم، وأخرى من أجل تكوين قضاة للنيابة العامة، حتى يعلم كل منهما أنه بدأ قاضيا للحكم و سينتهي كذلك ويعلم قاضي النيابة العامة الأمر نفسه، فضلا عن الفصل بينهما في التكوين، وتخصيص معهد للتكوين لكل منهما مستقل عن المعهد الآخر.
ثانيا: التمظهرات القانونية المهددة لاستقلالية قضاة الرئاسة.
سنحاول تسليط الضوء على بعض المقتضيات القانونية الواردة بقانون المسطرة الجنائية، التي تشكل سلاحا حقيقيا مهددا لاستقلالية قضاة الرئاسة بل ومجهزا عليها يمارس من قبل قضاة النيابة العامة وبالقانون!!!

طبقا للمادة 90 من قانون المسطرة الجنائية، فإنه إذا تعدد قضاة التحقيق بالمحكمة فإن النيابة العامة تعين من يتولى التحقيق في كل قضية على حدة، وبالتالي فإن النيابة العامة لن تعين إلا من آنست فيه مجاراتها في ملتمساتها.
وإذا كانت النيابة العامة تمتلك سلطة تعيين قاض للتحقيق في الملف، فهي تملك سلطة المراقبة والتتبع، ويكون قاضي التحقيق ملزما بتبليغ النيابة العامة أي أمر قد يتخذه خلافا لملتمساتها، بل إذا ارتأى قاضي التحقيق القيام بإجراء من إجراءات التحقيق كالتنقل والتفتيش وجب عليه إخبار ممثلها الذي له الحق في مرافقته من عدمه، بل حتى طلب الأمر بالإفراج المؤقت الذي يتخذه قاضي التحقيق، يبقى من دون أثر إذا ما استأنفته النيابة العامة، وبالتالي تبقى علاقة النيابة العامة بقاضي التحقيق علاقة متابعة ومصاحبة ومراقبة ابتداء من تعيينه وتتبع مختلف إجراءات التحقيق التي يقوم بها، وبإمكانها في أي لحظة الحصول على ملف التحقيق بل وقد تمتد إلى التقدم بملتمس إلى الغرفة الجنحية قصد سحب القضية من قاض للتحقيق وإحالتها على آخر. فهل القانون بهذه الصلاحيات يجعل من قاضي التحقيق مستقلا؟؟؟ أعتقد أن الأمر ليس كذلك.

تعيين هيأة الحكم

أعطى قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة صلاحية تعيين هيئة الحكم التي ستبت في ملف من الملفات الزجرية، وبالتالي فإن النيابة العامة لن تختار إلا قضاء الحكم الذي آنست فيه أنه سيجاريها في ما ارتأته في الملف المعني، بل إن النيابة العامة وإن كانت تمتلك سلاح التعيين هذا فإنه تمتلك سلاح عدم التعيين مستقبلا في حق قاضي الحكم الذي لن يجاريها، فعدم مجاراة النيابة العامة في رأيها من قبل هيأة الحكم قد يدفع النيابة العامة مستقبلا إلى عدم تعيين ملف من الملفات وعرضه على أنظار القاضي الذي لن يوافقها الرأي، أو الذي له سابقة معها حيث لم يجارها في وجهة نظرها.
كانت تلكم بعضا من المظاهر التي يتعين في اعتقادنا إعادة النظر بشأنها حتى يتحقق نوع من التوازن بين الفاعلين القضائيين من نيابة عامة وقضاء للتحقيق وقضاء للحكم.

* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى