المحامي بالبيضاء قال ل "الصباح" إن قضاة النيابة العامة ملزمون بالتعليمات الكتابية الصادرة عن السلطة التابعين لها قال محمد الطيب عمر، المحامي بهيأة البيضاء، إن الاستقلال التام لقضاة النيابة العامة، أمر إن كان مرغوبا فيه، إلا أنه غير ممكن لأسباب منها أن الذي يتلقى تعليمات، بنص الدستور، لا يمكن الكلام عن استقلاله. كما عرج على مسألة الخلاف حول الجهة التي ستتبع لها النيابة العامة، مقترحا صياغة للفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية من شأنها تجاوز هذا الإشكال.... انتهى أخيرا الحوار حول إصلاح منظومة العدالة، ووصل الآن إلى مرحلة إعداد التوصيات، ما هو تقييمكم للطريقة التي دار بها ؟ لقد أشرتم أولا إلى أن الحوار قد انتهى، وهو ما قد أخالفكم فيه الرأي، لأنه سيستمر إلى نهاية مرحلة التفعيل الصحيح للتوصيات التي سيتم الخروج بها، وهو ما قد يتطلب، على الأقل ، سنة أخرى من استمرار الحوار، وكما قال صاحب الجلالة في خطاب 20/8/2009 "فإن الأمر يتعلق بورش شاق وطويل يتطلب تعبئة شاملة، لا تقتصر على أسرة القضاء والعدالة، وإنما تشمل كافة المؤسسات والفعاليات، بل وكل المواطنين"، ثم سألتم ثانيا عن الحوار دون أن تضيفوا كلمة "الوطني " وكأني بكم تريدون التأكيد بأن الحوار بين المهنيين قد انتهى، إلا أنه ليس حوارا وطنيا، وهذا القول قد يكون صحيحا جزئيا، لأن العدل هو شأن عام يهم كل المواطنين، بل يهم حتى غيرهم، وبالتالي فإن قيام أعضاء الهيأة العليا بالمجهودات الجبارة التي بذلوها، وقيام أعضاء الهيأة الوطنية وكل الفعاليات القضائية والمهنية المعنية بالمجهودات نفسها، لا يمنع من طرح التوصيات، التي تصاغ الآن، على الرأي العام ، مع تحديد أجل معين لإبداء الرأي الآخر، حتى تسهم كل الهيآت والفعاليات السياسية والمهنية والنقابية برأيها، وكذا عموم المواطنين، وهذا ليس معناه أن من ذكر كان محروما من إبداء الرأي، بل إن الندوات والبوابات الإلكترونية كانت مفتوحة، ثم إن المراقبة المجتمعية البعدية لازمة، من جهة، لإكمال ما قد يكون هناك من خصاص في التطلعات، ولازمة أيضا، من جهة أخرى، سدا للذرائع . وبخصوص ما قد نشهده ، بعد خروج التوصيات، من نقد وتأكيد لعدم المشاركة، ودعوة للمقاطعة لأسباب نقابية أو سياسية لها أصولها في دور المعارضة الذي تقوم به بعض الجهات، فإن إصلاح القضاء ليس برنامجا انتخابيا لحزب العدالة والتنمية وحده، ولا إنتاجا للسيد وزير العدل والحريات ، الذي اشتغل بإرادة وطنية وحماس عاليين، بل هو برنامج ملك وشعب، ولا أعتقد أن هناك من يعارض هذا البرنامج، دون أن يقدم البديل الممكن والعملي،إلا إذا كانت له أهداف أخرى، أو كان متقوقعا داخل ذاتية ضيقة تحجب عنه رؤية المصلحة العليا للوطن ، فالخطب والرسائل الملكية المؤرخة في 29/5/2003، 12/04/2004، 20/08/2004، 14/05/2005، 30/07/2005، 30/07/2007، 12/10/2007، 30/07/2008،10/08/2008، 10/12/2008، 30/07/2009، 20/08/2009، 08/10/2010، 09/03/2011، لم تخل كلها من التعبير عن الإرادة الجازمة لإصلاح القضاء إصلاحا شاملا وعميقا، عن طريق الحوار الموسع، ومن ذلك قول جلالته في خطاب 20/8/2009 "وإننا لنعتبر الإصلاح الجوهري للقضاء، حجر الزاوية في ترسيخ الديمقراطية والمواطنة لدى شبابنا وأجيالنا الحاضرة والصاعدة ، لذا، ننتظر من الجميع الانخراط القوي في كسب هذا الرهان الحيوي، بنفس روح الثورة الدائمة للملك والشعب، على درب استكمال بناء مغرب العدالة، التي نريدها شاملة، بأبعادها القضائية والمجالية والاجتماعية"، إذا كان الأمر كذلك، وكان الخارج ينتقد وضعية الإدارة والقضاء في المغرب منذ عدة سنوات، وكان المواطن، أولا وقبل كل شيء، يريد عدالة مستقلة وفعالة، والقضاة والمحامون قد انخرطوا في الإصلاح على نحو لم يعد يقبل التراجع، فإن الجواب عن سؤالكم بخصوص التقييم لا يمكن أن يكون إلا بالتأكيد على أن الحوار فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها وهي سبق مجتمعي، لم يعرفه المغرب من قبل، بالطريقة التشاورية التي تم عليها، وبمستوى العمل المهني والجاد الذي تم تقديمه، من طرف كل المشاركين، خلال ندوات ذلك الحوار، وإنني متفائل بالنتائج. ماهي مؤاخذاتكم على الطريقة التي دار بها الحوار؟ نعم كأي عمل بشري، هناك مآخذ من هذا الجانب أو ذاك، كالقول بعدم إشراك كل المعنيين بالأمر في موضوع الحوار، وكالقول بأن منهجية العمل لا ترضي كل الأطراف، وبأن عددا كبيرا من المحاور لم يتم طرحها للنقاش، لكن إرضاء الجميع أمر يكاد يكون مستحيلا، والإشراك إن كان مقصودا به الحوار، وليس العضوية في الهيأة العليا، فقد كان متاحا للجميع كما سبق ذكر ذلك، والركون إلى النقد والمعارضة أمر سهل، لن يفيد إلا قوى الفساد التي تنتظر فشل هذا الرهان المجتمعي الحيوي. من بين النقاط الأساسية التي وقع حولها الاختلاف، مسألة استقلالية أو تبعية النيابة العامة لوزارة العدل، ما هو الاتجاه الذي تساندونه وتعتبرون أن من شأن إقراره المساهمة في إصلاح العدالة؟ إن المجال لا يتسع للحديث عن موضوع النيابة العامة ، إذا أردنا تأصيله، فأعضاء النيابة العامة الذين كانوا يسمون في فرنسا «رجال الملك»، بقوا رغم تغيير اسمهم خاضعين للسلطة التنفيذية، وممثل النيابة العامة كان يسمى في المغرب «وكيل الدولة»، وهو اليوم «وكيل الملك»، فهو دوما « وكيل»، أو «نائب «عام في مصر، أي أن هناك من يوكله أو ينيبه، ولا يتصور أن علاقته به ستنقطع، الأمر الذي مؤداه أن النيابة العامة بفرنسا أو بالمغرب، أو بمصر، كانت مرتبطة بالملك أو بالدولة، وقد ترتبت على ذلك خاصية من خاصياتها هي وحدتها وتبعية أعضائها لرؤسائهم، وفي هذا الإطار يقول الأستاذ THRELHARD أحد واضعي القانون الجنائي الفرنسي « إن الإمبراطور والوزراء هم أدرى من غيرهم بما يلائم الأمن العام، فمن الخطر أن يسمح للنائب العام بأن يتحكم بهذا الأمر، وإذن فعليه أن يتبع ما يتلقاه من الأوامر بشأن إقامة الدعاوى، وبعد ذلك يصير رجل العدل، ولا يكون مقيدا في طلباته بأوامر رؤسائه» ( الموسوعة الجنائية لجندي عبد المالك الجزء الثالث الصفحة 465)، وهذه الكلمة التي ترجع إلى القرن التاسع عشر هي التأصيل القانوني لنص المادتين 38 و51 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، دون أن يغيب عنا في هذا المجال ما سبق لصاحب الجلالة أن أكده بمناسبة خطابه ليوم 30/7/2007 من « أن السلطة القضائية، بقدر ما هي مستقلة عن الجهازين ، التشريعي والتنفيذي، فإنها جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة»، فالأمر ليس سهلا الحسم فيه . حقا إن استقلال النيابة العامة الذي يتجلى فيما خوله المشرع إياها، تحت رقابة ضمير أعضائها، ونصوص القانون، من حق في إقامة الدعوى العمومية، أو عدم إقامتها، ومن حقها أيضا، حتى لو حركت الدعوى العمومية بناء على تعليمات كتابية من رؤسائها، أن تسترجع حريتها كاملة أثناء الجلسة، كما عبر عن ذلكTHRELHARD بقوله «وبعد ذلك يصير رجل العدل ( أي رجل القضاء) ولا يكون مقيدا في طلباته بأوامر رؤسائه» ، فهذا الاستقلال لا ينازعها فيه أحد، إلا أن عدم خضوعها، رغم تغير ظروف القرن التاسع عشر، للسلطة الرئاسية التسلسلية ، هو الذي يطرح الإشكال، لارتباط ذلك «بالموكل».حقا إن قضاة النيابة العامة هم جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية، إلا أن لهم وضعيتهم الخاصة التي تختلف عن وضعية قضاة الأحكام، وهو ما تؤكده المنظمات الدولية نفسها، ومسألة الاستقلال التام لقضاة النيابة العامة، أمر إن كان مرغوبا فيه، إلا أنه غير ممكن لأسباب منها أن الذي يتلقى تعليمات، بنص الدستور، لا يمكن الكلام عن استقلاله، فالأصل أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية أي تعليمات، بنص الفصل 109، ولا يطالب إلا بالتطبيق العادل للقانون بنص الفقرة الأولى من الفصل 110، في حين أن قضاة النيابة العامة يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، بنص الفقرة الثانية من هذا الفصل، وهذه السلطة هي نفسها التي يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية تقاريرها التقييمية في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة بنص الفصل 116. هناك رأي يعتبر أن التنصيص على تبعية النيابة العامة لوزارة العدل دليل على فشل الإصلاح، على اعتبار أن القضاء هنا سيكون تابعا للسلطة التنفيذية، وهو ما يضرب مبدأ فصل السلط؟ فالتبعية لسلطة رئاسية أمر وارد دستوريا، ويبقى النقاش مطروحا حول تحديد هذه السلطة، هل هي وزير العدل أم هي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض؟ والأمران معا واردان، لأن كل النصوص القانونية الجاري بها العمل اليوم قابلة للتعديل والتغيير على ضوء ما سيتم سنه من نصوص في إطار تنزيل مقتضيات الدستور.وخلافا لما تضمنته بعض الآراء من القول بأن الدستور الجديد قد « أعطى للنيابة العامة تبعية لوزارة العدل والحريات ، وهو ما أكدته المسطرة الجنائية الجديدة من خلال الفصل 51»، فإن هذا الفصل قد صدر قبل الدستور، وتغييره بعد الدستور لدسترته أمر منتظر، كما أنه غير صحيح القول بإمكانية تعيين الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض من طرف الملك أو من طرف رئيس الحكومة، فإن الإمكانيتين غير متاحتين دستوريا، لأن الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما هو واضح من نص الفصل 57 من الدستور، والموافقة على التعيين ليست هي التعيين، ثم إن رئيس الحكومة يعين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية، وفي الوظائف السامية والمقاولات العمومية، حسب مقتضيات الفصل 91، وللمجلس الوزاري أن يعين باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، وفي الوظائف المدنية المنصوص عليها في الفصل 49، والقضاء ليس من هذه الوظائف ولا من تلك، ومن ثمة فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الجهة الوحيدة المعهود إليها دستوريا بتعيين الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض .أما القول إن دستور المملكة لم يعط لهذا الأخير أي مكانة دستورية تخول له رئاسة النيابة العامة، فإن هذا الرأي يبدو قابلا للمناقشة من منطلق أن الدستور لا ينظم العلاقات الرئاسية داخل السلط الثلاث المختلفة، بقدر ما ينظم علاقة هذه السلط مع بعضها، وقد اكتفى في هذا الإطار بأن نص في الفصلين 110 و 116 على عبارة « السلطة التي يتبعون لها»، فترك بذلك للقوانين التنظيمية التي ستأتي تفعيلا لتنزيله صلاحية تحديد هذه السلطة.كما أن عدم ذكر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ضمن تشكيلة المجلس الأعلى للأمن ( الفصل 54 من الدستور ) لا يشكل حجة لحرمانه من رئاسة النيابة العامة، لانعدام العلاقة، ولكون تشكيلة هذا المجلس بقيت مفتوحة بنص الدستور على عبارة «وكل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس»، ومن ثمة فلا شيء يمنع من إضافته إلى هذه التشكيلة، مع التأكيد على أنه لا يمكنه أن يساءل جنائيا كما يساءل أعضاء الحكومة طبقا لأحكام الفصل 94. من بين الإشكالات الكبرى المطروحة للنقاش تنفيذ الأحكام القضائية، والذي قد يضرب بأي إصلاح مرتقب عرض الحائط، هل ترون أن القوانين المنتظرة قادرة على حل هذا الإشكال؟ إن الإشكالات المتعلقة بالتنفيذ، لا يبدو التغلب عليها أمرا صعبا، إذا ما ميزنا بين المواجهين بالتنفيذ، ففيما يتعلق بالأحكام الصادرة ضد الأفراد، بالأداء أو بالقيام بعمل ( إفراغ أو غيره) لا إشكال حول تنفيذها إذا تم تزويد المحاكم بالعدد الكافي من مأموري الإجراءات، وبالوسائل المادية المساعدة على التنفيذ، وتم وضع خارطة طريق يراقبها قاضي التنفيذ، وتم تحفيز الجميع وتشجيعهم مع مساءلتهم عن التأخير وعن الخروج عن القانون، مع تبسيط مساطر الحصول على القوة العمومية، أما التنفيذ ضد بعض المؤسسات( شركات التأمين ) وبعض الإدارات العمومية فهو الذي يخلق الإشكال الأكبر، حيث تفرض بعض الشركات برنامجها الخاص على القضاء، فهي لا تنفذ إلا بمقدار، وبعض المسؤولين القضائيين يسايرونها في ذلك، وهذا الأمر لا يحتاج تصحيحه إلى نص قانون، لأن الأحكام الصادرة باسم الملك وباسم القانون، يجب أن تعرف طريقها إلى التنفيذ، وبدون تأخير، والقول نفسه يصدق على الإدارات العمومية، التي أكد القضاء الإداري في المغرب إلزامها بالتنفيذ والسماح بممارسة كل إجراءات الضغط المسطرية الممكنة لإجبارها على ذلك، إلا أنها بإرادة سلطوية متعنتة لاتذعن، في غالب الأحيان، لتنفيذ الأحكام، وهو ما يعتبر شذوذا عن دولة الحق والقانون والمؤسسات، وما ينبغي وضع حد له، أولا، عن طريق تمكين المتقاضي مع الإدارة من المعلومة الصحيحة التي تمكنه من الوصول إلى حقه عن طريق إجراء حجز أموالها، مع تجنيبه مشقة الدخول في متاهات الحسابات الخصوصية، والميزانيات، وأبوابها وفروعها، وهي المخابيء التي تلجأ إليها إدارات الدولة ومؤسساتها لتتهرب من التنفيذ، وثانيا، عن طريق توقيع جزاءات مالية أو زجرية أو تأديبية على المسؤول الإداري الذي يمتنع عن التنفيذ، وهناك أخيرا مسألة استرجاع الأموال العامة المحكوم باسترجاعها، وهو ما يقتضي، أولا وقبل كل شيء، أن يتم تحسيس القضاء الزجري بتحديد المسؤليات فيما يخص الحكم بالأداء، فالتضامن الذي يتم الحكم به لم يبق له أي مبرر منطقي، لأن رئيس الجماعة الذي استفاد مثلا من المال العام ، في إطار أفعال متعددة ، وفكر مسبقا في وسائل تبييضه أو غسله ، لا يعقل أن يحكم عليه بالتضامن مع مستخدم بسيط ارتكب فعلا واحدا، بصرف النظر عن توصيفه ، ويتم الحجز على شقته التي كان قد ورثها ولا علاقة لها بالمال العام موضوع المتابعة والحكم، فالتهرب من تنفيذ الأحكام ليس مرده مجرد الرغبة في ذلك ، بل مرده، في بعض الأحيان ، إلى شعور بالظلم، أما الناهبون فعلا للمال العام، فإنهم يعرفون جيدا كيفية التهرب من التنفيذ، وهو ما ينبغي إيلاؤه العناية اللازمة بتتبع الأموال وتفعيل إجراءات التحصيل والإسراع بها وتنفيذ الغرامات المالية المحكوم بها. إجماع على إحداث مرصد وطني للإجرام هناك إجماع حول ضرورة التعجيل بإحداث مرصد وطني للإجرام وحول عدم جدوى ونجاعة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، ومن المنتظر أن تتم التوصية بالنص على تمتيع المشتبه فيه والظنين والمتهم بحقوق الدفاع كاملة بكل مضامينها وشموليتها أمام الضابطة القضائية والنيابة العامة وقضاء التحقيق وخلال المحاكمة، وحذف الفقرة الخامسة من المادة 73 من قانون المسطرة الجنائية وتوسيع صلاحيات النيابة العامة مع وضع كوابح لعملها كضرورة تعليل قراراتها، مع خضوعها لطعن رئاسي أو قضائي، وإسناد أمر الاعتقال إلى هيئة مستقلة ومتخصصة (هيأة الحريات والاعتقال).والنص على استقلال النيابة العامة عن السلطات الإدارية والسياسية، وكذا استقلال قضاء التحقيق عن وزارة العدل ، مع الإبقاء عليه أمام المحاكم الابتدائية، وإعادة النظر في الجرائم التي يكون التحقيق فيها واجبا، مع تحديدها بنص القانون . كما قد تتم التوصية بوضع قانون للتفتيش القضائي. وقد توصي الهيأة بمراجعة ووضع قوانين المسطرة (المدنية ، الجنائية، الإدارية، الاجتماعية) بما يعطي للإعلاميات مكانها ضمنها، ومراجعة أوجه التعقيد والغموض التي تشوبها وإدخال الوسائل البديلة لفض النزاعات، و الخروج عن النظام التقليدي للعقوبات واعتماد البدائل وإصلاح إجراءات التنفيذ بما يضمن فعاليته، عن طريق تفعيل مؤسسة قاضي التنفيذ وتوسيع صلاحياته وإعادة النظر في نظام الغرامة التهديدية، وترتيب آثار قانونية محددة على عدم الامتثال لتنفيذ الأحكام القضائية.وما أتمنى أن يتم الاعتناء به، بصفة خاصة، هو وضع ميقات معلوم لكل عمل قضائي أو إجراء من إجراءات العدالة، مع سن جزاءات مسطرية ومسلكية لعدم احترام الأجل المحدد من طرف المشرع ، وذلك لضمان النجاعة والفعالية اللازمتين لإرجاع الثقة في السلطة القضائية. استقلال القضاء يجب أن يشمل سلطا أخرى شديدة الإغراء إصلاح منظومة العدالة شيء، واستشراء الفساد في القضاء والمهن المتدخلة في العدالة شيء آخر، بحيث لا يمكن أن نوقف الإصلاح في جوانبه المتعلقة بتحديث الترسانة القانونية وعصرنة المحاكم ومكننتها وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية، وتأهيل الموارد البشرية، ووضع آليات لحكامة قضائية جديدة وجيدة والعمل على تحسين الأوضاع المادية للقضاة وموظفي العدل ، فقط لأن هناك بعض الفاسدين في هذا الجانب أو ذاك، فقافلة الإصلاح تسير " واللي حصل يودي " .لكن مع ذلك لا بد من الإشارة الى مسألتين اثنتين، أولاهما أن القاضي بحكم طبيعة عمله لا يعطي رخصا ولا يوقع قرارات، بل يصدر أحكاما وعقوبات، والداخلان إلى المحكمة أحدهما سيخرج منها غير راض عن الحكم، اذ لا يمكن الحكم لفائدتهما معا، ومن ثمة تنبغي الحيطة مما قد ينسب للقاضي أو المحامي من تهم قد تكون كيدية أو من فعل بعض الهامشيين المحيطين بمنظومة العدالة من كل جانب. والثانية أن الاستقلال والمكانة الرفيعة التي يناضل القضاة اليوم من أجل الوصول اليها، والتي ناضل المحامون والحقوقيون والفعاليات الصالحة من المجتمع المدني من أجلها، لن يبلغوها إلا بالأخلاق والعدل وبالنزاهة وبالتجرد والاستقلال الفعلي في الممارسة اليومية لمهامهم.وحسبي في هذا الإطار أن أستشهد بما تضمنته الرسالة الملكية الموجهة إلى أسرة القضاء بمناسبة افتتاح الدورة الجديدة للمجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 12 ابريل 2004 " إن استقلال القضاء ... ليس فقط إزاء السلطتين التشريعية والتنفيذية ، الذي يضمنه الدستور، ولكن أمام السلط الأخرى شديدة الإغواء وفي مقدمتها سلطة المال المغرية بالارتشاء، وسلطة الإعلام التي أصبحت بما لها من نفوذ متزايد وأثر قوي في تكييف الرأي العام سلطة رابعة في عصرنا وسلطة النفس الأمارة بالسوء." ... وإننا لنعتبر أن استقلال القاضي بمعناه الحق عن هذه المؤثرات الجامحة لا تكفله الوسائل القانونية مهما كانت متوافرة وإنما يكفله قبل كل شيء الميثاق الذي بينه وبين ضميره ، فهو رقيبه الذاتي الدائم والوسيلة المثلى لتحصين نفسه من كل تأثير أو انحراف وهو يقوم برسالته النبيلة ".علاقة السلطة القضائية بالصحافة وما لها من علاقة بضمان سرية البحث والتحقيق وقرينة البراءة والخصوصية، وتخصص القضاء في مجال الإعلام، وتوفير المعلومة القضائية الصحيحة له من جهات ضبطية أو قضائية مؤهلة لذلك، وضمان وتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومة وإلغاء العقوبة الحبسية أمور لن تغيب عن توصيات الهيأة العليا، وهذه كما قلت مجرد تصورات وجزء من كل. إعادة النظر في التنظيم القضائي والخريطة القضائية الخطوط الكبرى لا يمكن حصرها، وسأقتصر على مجرد أمثلة لما أتوقع أن الهيأة العليا ستخرج به من توصيات، ومن ذلك إعادة النظر في التنظيم القضائي والخريطة القضائية، ارتباطا بالجهوية واللاتمركز اللذين يتم السعي إلى تحقيقهما، وكذابتتويج القضاء الإداري بمحكمة إدارية عليا، وإحداث محاكم جديدة والاستغناء عن أخرى، مراعاة لما تم رصده من سوء توزيع أو عدم جدوى، إضافة إلى التوجه نحو خلق قضاء متخصص، عبر كل مراحل التقاضي، في الميادين التجارية والاجتماعية والأسرية والزجرية، وإعادة النظر في قضاء القرب والتأكيد على أن القضاء الجماعي هو الأكثر ضمانة للحقوق والحريات، مع التوصية بإعادة النظر في إستراتيجية المعهد العالي للقضاء، بخصوص التكوين الأساسي والمستمر والمتخصص للسادة القضاة، وإخراجه من جبة وزارة العدل ، كما أرجو أن لا يغيب عن هذه التوصيات موضوع اهتمام الدولة بالمهن القضائية ، خاصة مهنة المحاماة، لأن الإصلاح شامل ومتكامل، ولابد من إحداث معهد لتكوين المحامين (أساسي، مستمر، متخصص) بشراكة بين الدولة والهيآت، مع تخصيص المحامين بنظام ضريبي يراعي خصوصية المهنة، وتوسيع دائرة احتكار المهنة، وربط ذلك كله بالمحاسبة، لأن التخليق لا محيد عنه لنجاح أي مشروع إصلاحي، وهو ما يقتضي إعادة النظر في القوانين المنظمة للمهنة، على نحو يكفل ما ذكر ويضمن استقلاليتها.وبخصوص تنظيم المحاكم، فإن التحديث والعصرنة واردان شأنهما شأن الزيادة في عدد القضاة، وفي عدد كتاب الضبط، إضافة إلى مسألة فصل ما هو تدبيري وتسييري عما هو قضائي محض ووضع أسلوب منهجي لحسن تدبير كل الموارد البشرية وحسن تكوينها تكوينا أساسيا ومستمرا وتخصصيا ، كما تنتظر التوصية باتخاذ جميع التدابير اللازمة من أجل احترام وتشجيع استقلال وتجرد القضاة مع ضمان نجاعتهم وكفاءتهم، والرفع من رواتبهم ورواتب جميع الأطر والموظفين، مع ربط التحفيز بتحمل المسؤولية.والتوصية بضمان جودة الخدمات القضائية المقدمة للمواطن، وتيسير ولوجه الى العدالة، ووضع الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمن القضائي، واستعمال أفضل الوسائل الممكنة، للوصول، بأقل التكاليف وفي أسرع الأوقات، إلى خدمة قضائية جيدة، وإلى تحقيق المحاكمة العادلة، وتسريع وتيرة تنفيذ الأحكام، وذلك بعقلنة وتحديث مساطر استرداد الأموال المحكوم بها.كما قد تتم التوصية بإنهاء تشتت المقتضيات القانونية، وذلك بتجميع النصوص الخاصة بميادين محددة في مدونات واحدة، مع احترام قواعد الصياغة بالتزام الدقة والوضوح والإيجاز، وتنقية المنظومة القانونية الجنائية من بعض الجرائم وتجريم ما طرأ من أفعال جديدة وإعادة النظر في بعض الجرائم التي أصبحت في حاجة إلى تشديد (بعض الجرائم المرتكبة ضد القاصرين والنساء وذوي الضعف الجسدي أو العقلي) أو في حاجة إلى تخفيف، أو مجرد إعادة النظر في تكييفها وخلق توازن في النظام العقابي وانسجام بين سلم العقوبات وتحقيق انسجام منطقي بين الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة مع مراجعة تلك المنظومة لتلافي كل ما يشوبها من نقائص بخصوص عدم معاملة المرأة على قدم المساواة مع الرجل، فيما يتعلق بالتجريم والعقاب، وبضرورة المراجعة الشاملة لنظام الاعتقال الاحتياطي، بوضع معايير موضوعية للأمر به وضرورة ومراجعة آجاله، وقد توصي الهيأة بعودة إدارة السجون لوزارة العدل والاهتمام بالمؤسسات السجنية على المستويين البشري والمادي، وتمكينها من كافة الشروط التي تؤهلها لتحقيق برامج التأهيل وإعادة الإدماج، مع توضيح اختصاصات قاضي تطبيق العقوبة وتوسيعها. الإرادة الملكية والشعبية ضمان لتنفيذ الإصلاحات المرتقبة إن الإصلاحات الحالية ليست كالسابقة، سواء من حيث شكلها أم مضمونها، أم من حيث ظروف اعتمادها، فالأمر لا يتعلق بترميم أو ترقيع، بل إنه إصلاح شمولي وعميق، ولا يمكنه أن يبقى في الرفوف للأسباب التي سبق لي ذكرها والمتمثلة في تعلق الأمر بمشروع مجتمعي نابع من إرادة ملكية وإرادة شعبية في الوقت نفسه، بصرف النظر عن كون المغرب قد انخرط بشكل لا رجعة فيه في بناء الدولة الديمقراطية، والقضاة والمحامون انخرطوا في الإصلاح على نحو لم يعد يقبل التراجع، وضمانات التنفيذ هي الإرادة الملكية والشعبية والمؤسساتية لا يمكن وضع النيابة العامة تحت وصاية المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يبدو أن النيابة العامة يمكن وضعها رئاسيا، بحكم طبيعة عملها، تحت وصاية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لأنه سيكون مضطرا لإعطاء تعليمات، وهو ما يخالف طبيعة مهامه، بصرف النظر عن كون تلك التعليمات مرتبطة بالسلطة الرئاسية التسلسلية.أما عن المساءلة السياسية للسيد وزير العدل أمام البرلمان، بسبب إشرافه على تنفيذ السياسة الجنائية، فان هذا الأمر لا ينبغي أن يتخذ ذريعة لاستمرار التبعية التامة للنيابة العامة له على النحو الذي عليه الوضع في التشريع الحالي.حقا إن الحكومة تشارك في التداول حول السياسة العامة للدولة، والسياسات العمومية، التي من بينها السياسة الجنائية، التي لا تضعها الحكومة وحدها، بل يسهم في وضعها البرلمان نفسه والمجتمع المدني، إلا أن بقاء السلطة لوزير العدل لإعطاء أمر للوكلاء العامين للملك بتحريك المتابعة ضد شخص معين، هو الذي يطرح إشكالية هيمنة السلطة التنفيذية على قضاء النيابة العامة، وهو الذي شكل منطلق المآخذ الموجهة ضد الفصل 30 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، خاصة أن تلك الهيمنة قد توظف لأغراض سياسية، بتحريك متابعات بخصوص جرائم ذات طبيعة مالية سياسية في الوقت نفسه.ويمكن التأكيد بأن وزارة العدل كانت قد استعملت النيابة العامة في ملفات مست فيها الحقوق، وأهدرت فيها الحريات، وهذا التاريخ لن ينساه المواطن والحقوقي في المغرب، وهما لهذا السبب يصرخان اليوم لإخراج القضاء في شقيه المتعلقين بالنيابة العامة والتحقيق من أي رقابة أوسلطة لوزارة العدل، ثم إن المتنفس السياسي الذي يعيشه المغرب، ورغبة الجميع في تكريس فصل حقيقي وفعلي للسلطات، أمور كلها دفعت في ذلك الاتجاه. مقترح صياغة للفصل 51 من شأنها أن تحل المشكل لتلافي هذا الإشكال، وحتى يتم الجمع بين إشراف وزير العدل على تنفيذ السياسة الجنائية من جهة، وعلى تأكيد ضرورة «قضائية المتابعة « أي أن الذي بيده حق تحريك المتابعة هو النيابة العامة، وليس وزير العدل، وإبعادها عن الملمح السياسي، فلا شيء يمنع من صياغة الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية على النحو التالي:«يشرف وزير العدل على تنفيذ السياسة الجنائية، ويبلغها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض الذي يسهر على تطبيقها». «وله أن يبلغ إليه ما يصل إلى علمه من مخالفات للقانون الجنائي، وأن يطلب منه، كتابة، وفي إطار القانون، أن يأمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمتابعة مرتكبيها أو يكلف من يقوم بذلك» مع التوقف عند الحد وحذف الفقرة الموالية التي نصها «أو أن يرفع إلى المحكمة المختصة ما يراه الوزير ملائما من ملتمسات كتابية» إذ ليس من حق أي أحد أن يؤثر على قضاء الحكم، وبذلك سيقتصر دور وزير العدل على مطالبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بأن يأمر بالمتابعة، دون أن يأمره بذلك، وبالتالي فإن هذا الأخير باعتباره قاضيا فهو الذي بإمكانه أن يأمر وحده بتحريك تلك المتابعة، وبذلك أيضا سيتم التشاور بين وزير العدل والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهو تشاور بين «السياسي والقضائي»، ضمانا للمصلحة العليا للبلاد، مع المحافظة في الوقت نفسه على استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية. في سطور محام بهيأة الدار البيضاء منذ 1971 كان مسؤولا في مجلس هيأة البيضاء التي قضى بها فترة أولى من 1983 إلى 1987 رئيس تحرير لمجلة «المحاكم المغربية» وفترة ثانية من 1998 إلى 1999 كاتبا عاما للهيأة. رافع عمر في أهم القضايا التي ميزت المغرب الحديث، منها قضايا سنة 1975 بخصوص طلبة اليسار ومنظمة «إلى الأمام» و«23 مارس»، إلى جانب عدد من زملائه في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كما رافع في العديد من القضايا الجنائية أهمها قضية الكومسير ثابت سنة 1993. أجرى الحوار: الصديق بوكزول