الخصوم السياسيون يخلقون نقاشات تقذف بالمواطنين العاديين في دوامة ظل باب موضوع إصلاح صندوق المقاصة مواربا منذ سنوات، فلا هو فتح بالكامل لتتمكن أجساد الإصلاحات الضخمة من الدخول، وجبر سنوات الضرر التي خلفها الدعم الذي تقدمه الدولة للفقير والغني، ولا أغلق بصفة نهائية وأغلقت معه كل الأفواه والأبواق التي تطلق المزايدات السياسية هنا وهناك، لكنه، في المقابل، ظل مواربا لغرض في نفس الحكومات المتعاقبة، وتحول إلى أوراق ضغط كل جهة تستخرج واحدة في لعبة “بوكر” سياسية، لتسجيل نصر ساحق على الخصم، والخاسر الوحيد فيها هو مصلحة الشعب المغربي. لا حديث في الآونة الأخيرة إلا عن “البوطا” والتهديد برفع ثمنها بالضعف، سائقو سيارات الأجرة يطرحون السؤال ويتركون للركاب متسعا من الوقت والمسافات الطويلة للتعبير، “أنا بعدا غادي نتفركع عليهم”، “شوف اللحايا اللي ترجينا فيهم خير بغاو يزيدو علينا في البوطا”، “عندهم الحق اصحاب الفيرمات والمخبزات والمشاريع الكبرى مستافدين على ظهر البوفريا”...بل إن الكثير من الفئات التي تعتبر نفسها قادرة على الإنفاق على نفسها، بدأت تطرح السؤال لأول مرة هل هي قادرة بالفعل على احتمال أي زيادة.ويستمر النقاش في دوامة لا قرار لها، تتجاذب فيها الآراء والتبريرات الصندوق، حتى أنه تحول إلى ضرس هش يوجع جسد الميزانية ويسبب لها صداعا مزمنا، البعض يختار أن نستخدم لوقف آلامه المهدئات، ولا يرى بنزعه من جذوره، والبعض الآخر يرى العكس، لكن لا أحد يقدر على تكلفة تعويضه.وإن كان المواطنون العاديون يدلون بدلوهم بحسن نية، وبحرص شديد على حماية مصالح حقيبة نقودهم، ولا يعثرون في زحمة بحثهم على مفتاح الحل المقنع، لينتهوا إلى جواب واحد وخلاصة واحدة وهي أن تختار حكومة بنكيران أدوات إصلاحاتها بعيدا عن جيوب المغاربة. (إن كان هذا هو الحال) بالنسبة إلى المواطنين العاديين، فإن الأمر يختلف مع السياسيين لأنهم لا يفتحون صندوق المقاصة للبحث عن حلول، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عنها، بل يتجشمون عناء نقل جمل الصندوق بما حمل من موضعه إلى حيث يتحول إلى حجر عثرة في طريق الخصوم السياسيين. ولن يكون الخصوم أقل شراسة أو دهاء، بل هم أيضا ينقلون الصندوق بكل ثقله من طريقهم إلى طريق الخصوم ويفتحون شهية الناخبين لتأكيد أن التعويض سيكون أكثر سخاء، وما أن يشعروا أن السحر انقلب على الساحر، يعودون إلى التأكيد أن الحال سيبقى على ما هو عليه إلى حين، وهذا الحين لن يأتي إلا بمجيء حكومة أخرى ستنفض هي الأخرى في مناسبة سياسية الغبار عن ملف صندوق المقاصة وستقول إنه يثقل كاهل البلاد، وأنه لابد من إصلاحات. وليس صندوق المقاصة وحده الذي يتحول إلى جيفة عافها السبع وتتصارع حولها الضباع، بل أيضا ملف المديونية التي كثيرا ما نسمع الحكومات والمعارضات تطرحها للنقاش، وحين يكون الخصم في موقع الحكم يتهم العدو بأنه أثقل البلاد بالديون، ولكنه سرعان ما تنقلب الآية ويصبح هو نفسه في موقع الحاكم، ليلجأ إلى الخارج ليستدين. وفي النهاية نخرج بخلاصة واحدة وهي أن الملفات لا تطرح للنقاش من أجل إيجاد حلول جذرية ولمصلحة الوطن، ولا تشرح للوقوف على الإكراهات الحقيقية التي تعترض تقدم البلاد وخروجها من الدوامة، بل تطرح لتسجيل النقط ضد الخصوم. ضحى زين الدين