جهود الأحزاب لتعزيز دور الأقطاب الصحراوية في الحياة السياسية يصطدم ببنية تقليدية تعرقل تطوير الممارسة الانتخابية تميز حضور الأقطاب الصحراوية داخل الأحزاب السياسية بالتوارث وتناقل العضوية داخل الحزب. وقد حظي حزب التجمع الوطني للأحرار، تحديدا، بنفوذ قوي داخل الأقاليم الجنوبية، قبل أن يفتح الباب لأحزاب أخرى ظلت "ممنوعة" من الاستقطاب من داخل هذه الأقاليم . حرب الاستقطاب بين الأحزاببالمقابل، تشير الخريطة الانتخابية بجهات الصحراء الثلاث، إلى أن حرب الاستقطاب بهذه المنطقة تحتدم أساسا بين ثلاثة تنظيمات حزبية، أساسيا، ويتعلق الأمر بكل من الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، مع استمرار تراجع حضور التجمع الوطني للأحرار، بهذه الأقاليم الجنوبية. تمثيلية الأعيان داخل الأحزاب السياسية بجهة الصحراء، غالبا ما تأخذ طابعا شخصيا أكثر منه موقفا سياسيا أو انتماء إلى هوية حزبية محددة، وإن كان هذا النوع من الصراع ينعكس على الوضع الحزبي نفسه، وقد يتسبب له في مشاكل تنظيمية بسبب التنافر والصراع حول أجهزة الحزب وقوة التمثيلية بداخلها.تشير نتائج الانتخابات الأخيرة، التشريعية منها والجماعية، بجهات الصحراء الثلاث، إلى أن هناك ثلاثة أحزاب تصارعت في ما بينها لحسم المقاعد البرلمانية بهذه الجهات. فقد تقدم حزب الاستقلال على الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة، بينما خلقت النتائج التي حصدها حزب العدالة والتنمية مفاجأة كبرى حتى بالنسبة إلى الأقطاب الصحراوية نفسها. لقد أبانت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، 25 نونبر 2011، تقدما لحزب الاستقلال بسبعة مقاعد برلمانية بمجلس النواب، مقابل ستة مقاعد لفائدة حزب التجمع الوطني للأحرار، بينما اكتفى الاتحاد الاشتراكي في هذه الانتخابات بثلاثة مقاعد نيابية فقط، مقابل مقعدين نيابيين لكل من الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية ومقعد وحيد لحزب الحركة الشعبية. حضور انتخابي ونفوذ حزبيهذا الحضور الانتخابي يوازيه حضور سياسي لهذه الأقطاب داخل أجهزة الحزب، التقريرية والتنفيذية. ففي آخر مؤتمر للاتحاد الاشتراكي، حصلت جهة الصحراء على أربعة مقاعد داخل المكتب السياسي للحزب، توزعت بين حسناء أبو زيد وعبد الوهاب بلفقيه وحسن الدرهم ورقية الدرهم. في حين كانت التمثيلية أقل داخل اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، إذ حاز أقطاب الصحراء ثلاثة مقاعد فقط في الجهاز التنفيذي، لكن بدور أكبر لحمدي ولد الرشيد، رئيس بلدية العيون. هذا الحضور وصل إلى قمته داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فقد كان الشيخ بيد الله، أول شخصية صحراوية تقود حزبا سياسيا في البلاد، من خلال رئاسة ترؤسه للأصالة والمعاصرة، وهو ما فتح الباب أمام مجموعة من الشخصيات الصحراوية من أجل احتلال مكانتها داخل الحزب، في حين سعى بيد الله من خلال موقعه داخل "البام" إلى تشكيل تجمع للمنتخبين الصحراويين، يمثلون مختلف الأحزاب، وإن تعثرت الفكرة في بدايتها بسبب حسابات شخصية لبعض أقطاب الصحراء.المشاركة المكثفة في الانتخابات، شكلت ميزة تفردت بها الأقاليم الجنوبية، ففي الوقت الذي كشفت فيه نتائج التصويت في الانتخابات الأخيرة، تدني مستويات المشاركة في الاستحقاقات، كانت النتائج القادمة من الجهات الصحراوية الثلاث، العيون بوجدور الساقية الحمراء ووادي الذهب لكويرة وكلميم السمارة، تسجل مستويات قياسية من المشاركة في هذه الانتخابات، تجاوزت في بعض الدوائر الانتخابية نسبة 80 في المائة، فيما لم يتعد معدل المشاركة على الصعيد الوطني 45 في المائة. القبيلة الورقة الرابحة في الانتخابات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، تؤكد المعطى القبلي. فقد حازت التمثيلية القبلية النصيب الأوفر من عدد المناطق، حسب الدوائر الانتخابية، مع استثناءات قليلة في بعض الدوائر التي فاز فيها مرشحين لقوة نفوذهم بها. فقد كشفت النتائج، كما أعلنت عنها وزارة الداخلية، عن توزيع المقاعد البرلمانية الـ21 بالجهات الثلاث، على خمسة أحزاب رئيسية، وهي الاستقلال (مقعدين في العيون خمسة مقاعد موزعة بالتساوي بين طرفاية وأوسرد والسمارة وطانطان وطاطا)، ثم التجمع الوطني للأحرار (ستة مقاعد نيابية موزعة بالتساوي بين أوسرد وطرفاية والسمارة وطانطان وكلميم وطاطا)، يليه الاتحاد الاشتراكي (ثلاثة مقاعد في كل من وادي الذهب واسا الزاك وكلميم)، ومقعدين لكل من الأصالة والمعاصرة (بوجدور وأسا الزاك)، والعدالة والتنمية (وادي الذهب والعيون)، مقابل مقعد عن الدائرة الانتخابية بوجدور لفائدة الحركة الشعبية.هذا الحضور الانتخابي، لا يعكسه انخراط حقيقي في السياسة، وإنما يتعلق الأمر بحالة انتخابية استثنائية تقوم على قاعدة الانتماء القبلي ودعم مرشح القبيلة في موجهة مرشح قبيلة أخرى، ما يعني أنه رغم الجهود التي تبذلها الأحزاب السياسية بهذه الأقاليم في سبيل تعزيز دور الأقطاب الصحراوية في الحياة السياسية وتحديث أدوات ممارستها، فإن البنية التقليدية بهذه المناطق تحول دون تحقيق تطور كبير في ما يهم الممارسة الانتخابية. إحسان الحافظي