fbpx
مجتمع

سكان مدرسة الزيراوي بالبيضاء… المنكوبون المنسيون

أفراد ثماني أسر من مرحلي المدينة القديمة يتكدسون في حجرة واحدة وآخرون ينامون في الممرات

على غير عادتهم يتخلف سكان مدرسة الزيراوي الجدد عن موعد الاستيقاظ باكرا، كما عهدوا ذلك في المدينة القديمة بالدار البيضاء. ليس لأن الأسرة في حجرات المدرسة، التي رحلوا إليها قبل حوالي سبعة أشهر، وثيرة ودافئة. إنما لأن أغلبهم قضى الليل مستيقظا، بسبب البرد القارس، والإحساس بانعدام الأمان، خاصة بعد اغتصاب قاصر وتسجيل حالات سرقة.
يتردد صوت مكنسة عامل النظافة المسن برتابة في الساحة، التي تتوسط المدرسة الفسيحة، ولا يقطع وتيرته إلا وقع خطوات متعبة لرجال يتقاطرون بين الفينة والأخرى، وأغلبهم في حالة تثاؤب، على تجمع صغير في ركن معتم من الساحة. «فين أحمد؟…» يتساءل أحدهم، «باقي ناعس» يجيبه آخر.
يسرع أحدهم إلى ممر طويل، يفصل الحجرات الدراسية، للبحث في أكوام الأجساد المستلقية فيه، عن أحمد، وهو أحد ممثلي السكان المرحلين من البيوت الآيلة للسقوط بالمدينة القديمة منذ يونيو الماضي. فيما يخرج أحمد من زاوية أخرى مستغربا وصول ضيوفه قبل الموعد المحدد مسبقا في العاشرة صباحا، «الناس هنا تنام صباحا لأن الليل بارد جدا وسط الحجرات وفي الممرات التي تقطن فيها بعض الأسر، لذلك لا نستطيع الاستيقاظ باكرا».
في كل حجرة تكدست أجساد أفراد ثماني أسر وأمتعة متراكمة في الأركان، ولكل أسرة حيز صغير يفصله عن حيز الجيران «إيزار» لا يكفي للحفاظ على حميمية كل واحدة. «يكفي… الوضع لم يعد يحتمل» يقول مسن من سكان المدرسة، ويضيف ويده تمتد إلى الأعلى طالبا الصمت من الآخرين، «نساؤنا ونساء أبنائنا وأطفالنا يبيتون في البرد، لا يفصلنا عن الجيران إلا ثوب خفيف، لم تعد لنا خصوصيات».
كل يوم جديد في المدرسة يوتر العلاقة بين سكان الحجرات الباردة، خاصة بعد تشكي بعضهم من سرقات يرتكبها بعضهم في حق البعض الآخر. ورغم وجود عناصر أمن وقوات مساعدة في المدرسة، إلا أن ذلك لم ينجح في منح سكانها الشعور بالطمأنينة وبالأمن والأمان، لذلك تقول إحدى القاطنات وهي تمسح وجهها الناعس، «بحال إلى بايتين في الزنقة، مشردين، شي وحدين داو أولاهم لعند العائلة». وتضيف المرأة ويداها تشيران إلى كل الاتجاهات، «شوفي احواجينا فين منشورين، شوفي حالتنا، أجي تشوفي الطواليطات، خايفين على بناتنا خايفين على روسنا..»، تقاطعها امرأة أخرى لتكون هذه المقاطعة بداية خلاف بين السكان الذين أيقظتهم الجلبة وسط الساحة، «لا يجب أن نتحدث عن الاغتصاب والتحرش والسرقة، لأنهم سيضيفون لنا عنصر أمن آخر وحسب، في حين أن مشكلتنا الأصلية هي الاستفادة والترحيل». يطلب بعضهم ألا تتضمن مطالبهم تبعات الإقامة في المدرسة ومعاناة السكان وسطها، وبعض المظاهر التي بدأت تتفشى فيها نتيجة الاكتظاظ واختلاط الأسر في مساحة ضيقة لا تضمن لهم حميميتها أو أمنها.
من زحمة شهادات المتضررين يطل رأس مشكل يتكرر في كل عمليات الترحيل التي تباشرها السلطات المحلية سواء في حق سكان الدور الآيلة للسقوط أو سكان الأحياء الصفيحية، وهو الأسر المركبة، «لسنا من الملاك، بل من المكترين، وقد عرضوا علينا الاستفادة من سكن بمقابل مالي، لكن قيل لنا إن الأسر المركبة لن تستفيد إلا مرة واحدة». آخرون أدوا ثمن الشقة التي يفترض أن يكونوا رحلوا إليها قبل أشهر حسب الاتفاق مع السلطات المحلية، «لكن مازلت هنا، أديت عشرة ملايين سنتيم، ولم أرحل بعد، بل إن الشقة جاهزة ومازالت الإجراءات تعثر ترحيلي. مرة يقولون إن الموثق هو السبب ومرة أخرى يتذرعون بنقص بعض الوثائق، وفي كل حين أتلقى وعدا بترحيلي بعد أسبوع دون نتيجة» يقول أحد المتضررين.
الهدوء الذي لم يستطع ضجيج شارع الزيراوي النابض بالسيارات والحافلات أن يكسره في قلب المدرسة، تنجح أصوات السكان المحتجين في تحويله إلى ضوضاء، فترتفع أصوات المطالبين بتسريع وتيرة ترحيلهم إلى الشقق المستفيدين منها، أو إعادتهم إلى بيوتهم الآيلة للسقوط «أفضل لنا أن نموت تحت ركامها، على أن تموت كرامتنا في ممرات وحجرات هذه المدرسة».
الأمان والدفء والحميمية هي العناصر الثلاثة المكونة للاستقرار، وهي التي يفتقد إليها سكان مدرسة الزيراوي الذين يتخوفون من أن يهملوا فيها لأشهر أخرى و»سرعان ما ستتحول إلى سنوات، وسيتزوج أبناؤنا ويعاد المشكل ذاته»، يقول أحد السكان ساخرا.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى