fbpx
ملف الصباح

التربص بالملك يعري إفلاس مؤسسات الوساطة

شباب وأرامل وذوو حقوق ومطالب فقدوا الثقة في نخبهم المحلية فاحترفوا تعقب سيارات الملك

في المشهد الأخير من فيلم «زواج بقرار جمهوري»، يحمل البطل «عمرو بيومي الوكيل» (الممثل المصري هاني رمزي)، وخطيبته ريهام حبيبة عمرو (الممثلة حنان ترك) أطنانا من الرسائل والشكايات والتظلمات التي توصل بها بطلا الفيلم، حين علم أهالي وسكان حارتهم/حيهم الفقيرة أن حفل زفافهم سيحضره رئيس الجمهورية شخصيا.
كان المشهد مؤثرا، حين تحاشى البطل وخطيبته السلام على «الريس»، وفضلا الصعود، هرولة، إلى غرفة في سطح منزل العريس، وحملا منها، بمساعدة أصدقائهما، حزما من الرسائل والشكايات ووضعوها بين يدي أكبر مسؤول على هرم السلطة في مصر، وحملاه مسؤولية إيجاد حلول لعدد من المشاكل أمام أنظار الجميع.
«جواز بقرار جمهوري»، فيلم كوميدي مصري تدور أحداثه في حارة ميمون القرد بقلعة الكبش بالقاهرة، بكل تناقضات شخوصها وعقدهم ومقالبهم، لكنه تعبير حقيقي عن تراجيديا إفلاس النخب المحلية من عمال (محافظ) ورؤساء أحياء ورؤساء جماعات وبرلمانيين، حين تتنقل الكاميرا إلى زوايا حي غارق في التهميش، تسيل وسطه مجاري الواد الحار وتقترب منازله من الانهيار، بسبب الرطوبة والتشققات وانعدام الصيانة، ويتحول فيه قاطنوه إلى متسولين ومقموعين، يشرئبون بأعناقهم إلى الفراغ، وينتظرون أي لقمة يجود بها الآخرون، في وقت يحتل المسؤولون المحليون والمنتخبون منصة المتفرجين، ويتحلون إلى مافيا من الانتهازيين وصيادي الفرص والغنائم.
لكن، في لحظة، تتغير مجريات الفيلم والحي برمته، حين يعلم سكانه أن البطل، ابن حارتهم «عمرو بيومي الوكيل» (الشاب الفقير والمكافح الذي استطاع أن يجد له مكانا تحت الشمس بحصوله على وظيفة بوزارة الخارجية)، نجح في إقناع رئيس الدولة بحضور حفل زفافه بالحارة نفسها، ما اعتبروه فرصة العمر لتبليغ أعلى سلطة في هرم السلطة مظالمهم وشكاياتهم وسائلهم، بعد أن قطعوا كل خيوط الأمل لحل مشاكلهم وإيجاد مداخل حقيقية لمطالبهم المعلقة عن طريق منتخبيهم ونخبهم المحلية.
متخيل «زواج بقرار جمهوري» في مصر يشبه إلى حد كبير ما يجري على أرض الواقع في المغرب، إذ تعكس ظاهرة التربص بالملك في الطرقات والمدارات خلال جولاته وزياراته الرسمية إلى عدد من مدن ومناطق المغرب، من طرف مواطنين بأعمار وفئات مختلفة، نوعا من الاحتجاج المبطن على إفلاس مؤسسات الوساطة والمؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية والإقليمية والجهوية والمركزية في حل مشاكل الناس والتجاوب مع ثقل الطلب الاجتماعي والاقتصادي.
في الظاهر، يأخذ التربص بالملك طابع معضلة أمنية تتجند له الإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة الداخلية بكل أجهزتها للحد منها والتقليل من «خطورتها» على الأمن الشخصي لأعلى سلطة في هرم الدولة، لكن، في الواقع، تشكل تحولا خطيرا في بنيات التواصل بين المسؤولين والمواطنين، أو بين القمة والقاعدة، تستدعي الجميع لمقاربتها من زوايا أخرى غير المقاربة الأمنية الصرفة.
إن هؤلاء المتربصين، الذين يتعقبون الملك ويحفظون برنامج تحرياته عن كتب، وصلوا إلى قناعة مطلقة يختزلها متربص محترف في عبارة «ليس لهم في هذه الدنيا بعد الله عز وجل غير الملك»، بمعنى أن كل هذا المجهود الوطني الذي يعبر عنه، اليوم، بعناوين عريضة مثل «تعزيز دور النخب المحلية وتكريس الديمقراطية المحلية ومشروع الجهوية الموسعة والانتخابات والدستور المتقدم والحكومة بصلاحيات واسعة»، يبقى مجرد إنشاء بالنسبة إلى جحافل المتربصين الذين يؤمنون بإجراءين لا ثالث لهما:
– أولا: تأكدهم من وصول رسائلهم/ مطالبهم إلى الملك، يدا بيد، (لاحظوا انعدام الثقة في أية وساطة)، أو عن طريقه رميها في سياراته.
– ثانيا: استدعاء عاجل من طرف جهة إدارية بالعمالة، أو الجهة تطلب منهم تحضير حزمة من الأوراق والبيانات لأن الملك استجاب إلى طلبهم، أو تفاعل إيجابا مع رسائلهم.
ورغم التجاوزات و»حوادث السير» التي يمكن أن تتخيل ظاهرة التربص، بعد أن تحولت إلى تجارة لها زبناؤها ورقم معاملاتها وأبطالها» و»نجومها»، فإنها تقدم صورة لما يجري في المغرب اليوم، وينبغي النظر إليها باعتبارها نتيجة طبيعية لأسباب مختلفة، أهمها أن سنوات الإهمال والتهميش والفشل في تدبير الطلب المحلي، يولد طرق وحيل جديدة لفرض الاستجابة إلى هذا الطلب، ولو اقتضى الأمر الارتماء تحت عجلات سيارة الملك.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق