دعوة السلطات العمومية المغاربية إلى استغلال أوسع لخدمات المفوضين أمام تردد السياسيين في إحياء الاتحاد إن الخطوات التي قطعتها مهنة المفوضين القضائيين في المغرب تستدعي الوقوف عندها والتنويه بمجهود أصحابها، وتستوجب أيضا تقييمها ونقدها لتجاوز النقائص الحاصلة فيها. وغني عن البيان أن المهنة عرفت تطورا محسوسا على صعيد الأداء والعدد، ليس في المغرب فحسب، وإنما في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط بأكملها خصوصا مع ميلاد الاتحاد المغاربي للمفوضين القضائيين الذي تعود فكرة تأسيسه إلى سنة 1994 بالعاصمة البولونية على هامش انعقاد مؤتمر الاتحاد الدولي للمفوضين القضائيين والضباط العموميين. لقد شهدت المنظومة القضائية المغاربية تعزيزا في سلك المفوضين القضائيين على اختلاف تسميتهم، حيت وصل حاليا عددهم من الذكور والإناث حوالي 1232 مفوضا قضائيا بالمغرب، و1600 محضر قضائيبالجزائر، و797 عدلا منفذا بتونس، يتوزعون على دوائر محاكم الاستئناف باستثناء المغرب الذي يظل اختصاصهم منحصرا في دوائر المحاكم الابتدائية، رغم اعتبار محكمة النفض أن الاختصاص الترابي للمفوضين القضائيين ليس من النظام العام. وقد جاءت فكرة الندوة المغاربية العلمية التي تنظمها الهيأة الوطنية للمفوضين القضائيين بالمغرب بمكناس يومي 16و17 نونبر2012 تحت شعار : «توحيد آليات التبليغ والتنفيذ دعامة لقضاء مغاربي متكامل» في محاولة لتدارك النقص الحاصل في النصوص القانونية المتعلقة بالتبليغ والتنفيذ والتي تعيق السير السليم للتقاضي.وقبل التعرف على القوانين المغاربية المتعلقة بالمفوضين القضائيين لابد من التنويه بمثل هذه الملتقيات العلمية التي تساهم في تحسين مدارك المفوضين القضائيين، مع ضرورة مواصلة العمل على دعم هذه الملتقيات، ودعوة السلطات العمومية المغاربية لاستغلال أوسع لخدمات المفوضين القضائيين أمام تردد السياسيين في إحياء اتحاد المغرب العربي.وقد صرح جلالة الملك في إحدى خطبه السامية : «أن التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة المغاربية والعربية وتطلعات شعوبها إلى المزيد من الحرية والديمقراطية والكرامة والتنمية المندمجة والتقدم المشترك والعدالة الاجتماعية تقتضي توطيد الصرح المغاربي كأفق استراتيجي حتمي». ففي تونس برز جهاز l`huissier لأول مرة مع الحماية الفرنسية كمهنة حرة للنزاعات التي تهم الفرنسيين والأجانب فقط، واستمر إلى غاية سنة 1957 حيت تم إعادة تنظيم هذه الهيأة وكتابهم ليتولون مهام التبليغ والتنفيذ، وبذلك تكون تونس أول دولة عربية عملت على تبني أعمال التبليغ والتنفيذ على شكل مهنة حرة.ومن مميزات هذا النظام أن المحاكم تستقبل القضايا جاهزة، أي بعد تبليغ الأطراف بالاستدعاءات وإعداد الوسائل التحضيرية للتقاضي من معاينات واستجوابات وإنذارات، مما ساهم في الإسراع بالبث في القضايا وتنفيذ الأحكام، وضمان استقلالية المتقاضين في إسناد ملفهم لمن يختارونه من العدول المنفذين، بل إن القانون يلزم جميع الأطراف بضرورة الالتجاء إلى العدل المنفذ قصد القيام بإجراءات التبليغ والتنفيذ، وهو اختصاص مطلق لهم ولا حق لغيرهم فيه.ويعتبر مركز الشرطة جهة لإيداع نظائر محاضر العدول المنفذين عند عدم قبولها أو عدم وجود المبلغ إليه.ونتيجة الظروف الاقتصادية التي عاشتها تونس فقد عملت على تعديل هذا القانون سنة 1995 ليصبح العدل المنفذ مأمورا عموميا يمارس مهامه في إطار مهنة حرة، ولتصبح المهنة ركيزة أساسية مساعدة للقضاء تخضع إلى العديد من الضوابط القانونية، وجعل من شهادة الأستاذية (الإجازة) في العلوم القانونية شرطا للالتحاق بالمهنة وقضاء فترة تدريب بالمعهد العالي للقضاء بعد اجتياز المباراة بنجاح مع إحداث حوافز مهنية تتجلى في إمكانية الارتقاء إلى رتبة عدل منفذ أول بموجب قرار لوزير العدل باقتراح من الوكيل العام بعد أخذ رأي الهيأة الوطنية لمن له أقدمية لا تقل عن 10 سنوات، وأثبت كفاءة مهنية وانضباطا للقوانين.ولرفع التحدي المتعلق بالجودة في الخدمات وتطبيق معايير الاستقامة والنزاهة يواجه العدول المنفذون مشروع عدول الخزينة كهيأة جديدة تتكون من مأموري مصلحة الضرائب التي كانت موجودة سابقا لاستخلاص الديون العمومية الشيء الذي يهدد «عدالة التنفيذ» وضرب حياد الدولة، ناهيك عن خطورة ما ينتظر المال العام من سوء استعمال وإهمال لاستخلاص الديون الراجعة للدولة نظرا لانعدام دوافع الاجتهاد للمنتمين للوظيفة العمومية وتفشي ظاهرة التواكل.ونحن في المغرب نساند العدول المنفذين في نضالاتهم المشروعة والدفاع عن مصالح مهنتهم ومكتسباتها.أما الجزائر فقد عرفت خلال فترة الاستعمار الفرنسي مهنة حرة تسمى أيضا l`huissier إلى غاية سنة 1966 حيت تم استبدالها بأعوان التبليغ والتنفيذ التابعين لكتابة الضبط على مستوى كل محكمة. وقد ساهمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية إلى بروز مهنة المحضر القضائي سنة 1991 كضابط عمومي يتولى تسيير مكتب عمومي لحسابه وتحت مسؤوليته.وتجسيدا لأهمية هذه المهنة نظم المشرع الجزائري كيفية الالتحاق، واشترط شهادة الإجازة واجتياز مباراة مع استحداث شهادة الكفاءة لمهنة المحضرين القضائيين للالتحاق بالمهنة لمدة سنتين، كما تم تعديل هذا القانون سنة 2006 لينص على توسيع الاختصاص المحلي من محكمة ابتدائية إلى المجلس القضائي، وإلقاء مسؤولية التبليغ والتنفيذ على المحضرين القضائيين وحدهم في استقلالية عن إدارة المحاكم والمجالس القضائية، مع إنشاء لجنة وطنية للطعن في قرارات مجالس التأديب تتكون من مستشارين بالمحكمة العليا ومحضرين قضائيين، واستحداث مدونة لأخلاقيات المهنة. ومنذ سنة 2009 عالجت الجزائر النزاعات القانونية وتخطت المهام التقليدية للمحضرين القضائيين (التبليغ والتنفيذ) إلى مهام جديدة كالصلح والوساطة والتحصيل الودي للديون المدنية والتجارية ومراقبة شفافية التصويت في الانتخابات وتنفيذ السندات حسب قانون الإجراءات المدنية والتجارية دون اللجوء إلى القضاء ومنها الشيكات والسفانج وأحكام رسو المزاد على العقار.ولأن الجزائر تمتاز بنص قانوني متين يعتبر مرجعا استرشاديا بين الدول العربية، ويجعل من المحضرين القضائيين عنصرا مؤهلا للتأثير في منظومة العدالة، فقد بلغ مستوى التنفيذ نسبة قياسية عالمية تجاوزت 94 في المائة وأصبحت تجربة رائدة لدى بلدان العالم بعد فرنسا.كما ظهرت مهنة المفوضين القضائيين لأول مرة في المغرب سنة 1980 ولم يتم العمل بها إلا بعد عشر سنوات تحت اسم الأعوان القضائيين، وفي سنة 2006 تم تغيير القانون وأصبح يحمل اسم المفوض القضائي ويخضع لمجموعة من الشروط كمساعد للقضاء منها حصوله على شهادة الإجازة واجتياز مباراة، وقد خص الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية المغربي الأشخاص الذين يمكنهم التبليغ وعددهم في أعوان التبليغ التابعين لكتابة الضبط، رغم أن هذه الفئة انقرضت بقوة القانون بعد حذف السلالم الإدارية من 1 إلى 5، والمفوضين القضائيين، والبريد المضمون والطريقة الإدارية.كما أن الوثيقة التي يعتد بها في المغرب لإثبات التبليغات القضائية هي شهادة التسليم، رغم أنها أصبحت متجاوزة ولا تفي بالغرض المطلوب ، غير أن محكمة النقض أجازت في أحد قراراتها التجارية إثبات التبليغ وصحته بمحضر المفوض القضائي طالما أنه يتوفر على البيانات اللازمة المنصوص عليها قانونا، ويعيش المفوضون القضائيون بالمغرب وضعية غير مريحة لا من حيث التشريع الذي ينظم المهنة ولا من حيث الممارسة الواقعية. أما في موريتانيا فقد استحدث النظام الأساسي للعدول المنفذين كمهنة حرة سنة 97، وتختص هذه الفئة في تنفيذ القرارات القضائية، في حين ينصرف دور كتابة الضبط بالأساس إلى حفظ الذاكرة القضائية وتبليغ الاستدعاءات والقرارات القضائية. في حين تظل ليبيا ومصر خارج النظام الحر للتبليغ والتنفيذ، إذ تجعل تشريعاتهما التبليغ والتنفيذ حكرا على المحضرين القضائيين كموظفين بالمحكمة، وتظل بعض الدول العربية تحاول البحث عن ترسيخ قيم الحداثة والاسترشاد بالتجارب العربية التي سبقتها. بقلم: سعيد بورمان, رئيس فرع الجمعية الوطنية للمفوضين القضائيين بالدارالبيضاء