دور المفوضين القضائيين المغاربيين اليوم يفرض الضغط على صناع القرار السياسي في ظل مغرب جديد ولد من رحم التحولات العميقة التي مست بلادنا، وكذا المنطقة المغاربية والعالم جاءت فكرة تسليم رئاسة الاتحاد إلى المغرب على هامش الندوة المغاربية العلمية التي تنظمها الهيأة الوطنية للمفوضين القضائيين بمكناس يومي 16و17 نونبر2012 تحت شعار : «توحيد آليات التبليغ والتنفيذ دعامة لقضاء مغاربي متكامل» حيت أن آمال وأحلام المفوضين القضائيين المغاربيين واحدة رغم أن الظروف مازالت غير ملائمة طالما أن الحدود مع الشقيقة الجزائر مغلقة، وهياكل اتحاد المغرب العربي مجمدة، ومؤسساته غير مفعلة، في الوقت الذي نحن شعب واحد.وقد كانت مدينة جربة التونسية خلال شهر مارس الماضي على موعد لتسليم رئاسة الاتحاد إلى المغرب على هامش ملتقى توحيد مناهج تنظيم عمل عدالة التنفيذ في المغرب العربي الذي تم إلغاؤه بسبب ما حصل من تحولات في تونس وفي بعض بلدان الاتحاد، الشيء الذي يجب أن يعطي دفعة قوية لإعادة النظر في هياكل الاتحاد التي باتت من الضروري أن ترقى إلى مستوى تطلعات المفوضين القضائيين الملحة والمشروعة، مع ضرورة تنشيط هذه الهياكل.فهل نحن مستعدون فعلا كمفوضين قضائيين للتفاعل مع قضايا أوطاننا الشاسعة ونستشعر مشاكلها في التبليغ والتنفيذ ؟ أم نحن منغلقون، كل حسب إمكانياته، ومتقاعسون يقتصر دورنا على المشاهدة والتصفيق ؟ فنحن جميعا مسؤولون عن النجاح والفشل، ومسؤولون عن الحاضر والمستقبل، ولا مجال للأعذار أو إلقاء اللوم على الظروف أو عتاب الآخرين.لقد كانت إرهاصات هذا الاتحاد بمدينة مراكش خلال شهر ماي 2003 على هامش اجتماع المجلس الدائم للاتحاد الدولي الذي انعقد بباريس خلال شهر دجنبر 2002، حيث تم تدارس واقع اختلاف القوانين المتعلقة بالإجراءات المدنيةوالتجارية وطرق التبليغ والتنفيذ وسبل تفعيل الاتفاقيات القضائية المغاربية والعربية، وقد صدر بيان ختامي تحت إسم «إعلان مراكش» دعت فيه كل من البلدان الثلاثة تونس والجزائر والمغرب الهيئات الحكومية إلى ضرورة الالتزام بتنفيذ محتويات اتفاقية مراكش لسنة 1989 التأسيسية لاتحاد المغرب العربي، وإلى تفعيل تداول الأوراق والوثائق القضائية وغير القضائية بين المختصين التابعين لدول الاتحاد بشكل مباشر تطبيقا للمادة 12 من اتفاقية التعاون القضائي بليبيا سنة 1991. وقد استطاع اتحاد المغرب العربي للمفوضين القضائيين أن يوسع مشروع هذه الاتفاقية سنة 2008 ويعطيها اسم الميثاق الأساسي لاتحاد شمال إفريقيا للعدول المنفذين والمحضرين والمفوضين القضائيين على أمل انضمام كل من ليبيا ومصر والسودان كمهنة حرة ومستقلة، إذ كان ميلاد اتحاد شمال إفريقيا بمدينة بنزرت التونسية بتاريخ يونيو 2009 بين الجزائر وتونس في غياب المغرب الذي كان مشغولا بتحضير انتخابات الهيأة الوطنية ومجالسها، وتم الاتفاق على رئاسة الاتحاد لمدة ثلاث سنوات من طرف تونس، مع تولي الجزائر الأمانة العامة، على أن يكون مقر الاتحاد بالجزائر وأن يتم التنسيق مع ليبيا والمغرب وموريتانيا، كما تقرر إحداث مجلس علمي استشاري لتحضير النظام الداخلي تمت المصادقة عليه في مراكش خلال شهر أبريل 2010 على هامش الندوة الدولية للمفوضين القضائيين الأوروميد.وقد كان الهدف من هذا الاتحاد هو توحيد إجراءات التبليغ والتنفيذ، وضمان الحماية القانونية للمعاملات من خلال تبسيط الإجراءات، وتوحيد الاصطلاحات القانونية وتبادل الخبرات لتحقيق التكامل القضائي والدفع بمسار بناء الاتحاد المغاربي.، بالإضافة إلى ضبط المبادئ العامة والحقوق والواجبات وطريقة عمل الاتحاد وعلاقته بالمنظمات المنضوية فيه، وغير ذلك مما يقتضيه حسن التنظيم وضمان المساواة بين الأطراف وضبط الموارد المالية وضمانات حسن التصرف فيها. فإذا كان النظام الداخلي لاتحاد شمال إفريقيا يحدد مدة ثلاث سنوات لاجتماع الجمعية العامة لتبادل المهام وتسليمها، فإنه تجاوز المدة القانونية، في الوقت الذي ظل فيه المجلس الدائم للاتحاد جامدا ولم يجتمع في شهر أكتوبر من كل سنة كما هو منصوص عليه، بل إن مكتب الاتحاد ظل عاجزا عن تحقيق أي تقدم في المهام الموكولة إليه في الدفاع عن المفوضين القضائيين أو نشر البيانات والأنشطة التي كان من المفروض القيام بها، بالإضافة إلى غياب ميزانية للتسيير والتدبير محددة المعالم مع غياب القواعد المنظمة للشفافية والمساءلة حماية لمبادئ وقيم الحكامة الجيدة.من هنا لابد أن نعيد حساباتنا، وأن نصغي لبعضنا البعض، لبلورة سياسة جديدة وتصور مشترك على أساس أن تكون أكثر وضوحا على مستوى الاستراتيجية التي يتبناها اتحاد المفوضين القضائيين، وعلى مستوى القضايا المهمة والأهداف المسطرة مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي أحدثها «الربيع العربي» والإصلاحات التي شهدتها بعض الدول داخل المنطقة المغاربية، مع ضرورة الاستجابة لتعديلات في النظام الداخلي بأسس وآليات جديدة كفيلة بتأهيل هذا الاتحاد تتعلق بانتخاب رئيس الاتحاد الذي يجب ألا يكون رئيسا للهيأة الوطنية، فلدينا عن كل رئيس مفقود شخص موجود، بل يتم اقتراحه من البلد التي يتسلم المهمة بتوافق مع باقي البلدان، قصد ضخ دماء جديدة للقيام بالواجب بالسرعة والفعالية المطلوبين للمشاركة الفاعلة في بناء المهارات المنوطة بهم رئاسة وتسيير هذا الاتحاد، وولوج مجالاته الرحبة، وغرس القيم الضابطة للممارسة اليومية من أجل عولمة المهنة عبر «تنفيذ بلا حدود»، وتحقيق قدر أكبر من المساءلة مع ارتباط تام بحقوق الإنسان والمواطنة، وأن يكون متفرغا، وألا يجمع بين عدة مسؤوليات حتى يتمكن من التوفيق بين عضويته ومهنته وعائلته بالإضافة إلى الأنشطة الدولية المتعددة. ورغم النجاح الذي حققته المهنة في البلدان المغاربية بفضل مجهودات أصحابها فإن الهموم التي يواجهها العدول المنفدون والمفوضون والمحضرون القضائيون تتجلى في المطالبة بتعديل القوانين المنظمة للمهنة والوصول إلى المعلومة والاستفادة من التكنولوجية وإعداد برامج تكوين ملائمة لأصحاب المهنة وتوسيع الاختصاصات النوعية والترابية وكذا توسيع صلاحيات الهيآت الوطنية والحماية القانوية من التهديدات والإهانة وتحيين الأجور، وتبسيط الإجراءات وتوحيدها وتحقيق التكامل القضائي في إطار اتحاد المغرب العربي. واليوم أكثر من أي وقت مضى نعتبر الاتحاد المغاربي للمفوضين القضائيين امتيازا للدول المغاربية والمصالح الإقليمية، ومكون أساسي من مكونات المنظومة القضائية المغاربية، وضمانة أساسية لتحقيق العدالة، بل هو شريك فاعل في إصلاح منظومة القضاء، فهو بمثابة حياة جديدة في مبادرة اتحاد المغرب الكبير. إن دور المفوضين القضائيين المغاربيين اليوم يفرض ضرورة الضغط على صناع القرار السياسي الذين تعتبر جهودهم بطيئة، وتشكيل كثلة عربية مهنية ضاغطة لإعادة إنعاش بناء الصرح المغاربي في التواصل بلا حدود مادية أو معنوية أو قانونية وذلك من أجل تجسيد حلم المغرب الكبير كقوة دافعة. بقلم: سعيد بورمان : رئيس فرع الجمعية الوطنية للمفوضين القضائيين بالدارالبيضاء