الشنتوف: الجمعيات العمومية بالمحاكم محك حقيقي لتجسيد ضمانات استقلال القاضي مرت الآن أزيد من ستة أشهر (ماي 2012) على بدء جلسات وندوات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة ومن المنتظر أن تنتهي جلسات هذا الحوار شهر فبراير المقبل، وحسب الأصداء التي تصلنا، سواء من خلال بعض المشاركين أو من خلال المنابر الإعلامية، فإن الحوار الوطني لامس عدة مواضيع هامة من شأنها أن تؤسس لبناء أركان قوية للعدالة المغربية في شموليتها، وذلك شريطة أن تجد هذه المواضيع طريقها إلى التوصيات النهائية، ثم بعد ذلك تجد طريقها إلى التشريع الذي سوف يتكفل ببعث الروح في هذه التوصيات، إذ بدونه سوف تبقى مجرد توصيات ومبادئ غير ملزمة ولا قيمة لها على أرض الواقع. لكن مع ذلك، دعونا نسجل أن بعض المواضيع الأخرى الهامة أيضا لا نجد لها صدى في صلب النقاش العام حول إصلاح منظومة العدالة، سواء داخل أروقة الحوار أو خارجه، وهي مواضيع وإن كانت تبدو جزئية فإنها تُعد من صميم ضمانات استقلال القضاء، وذلك من قَبيل تنظيم اختصاصات الجمعيات العمومية بالمحاكم ومسألة التقييم القضائي ومعايير اسناد المسؤولية القضائية وآليات محاربة الفساد داخل منظومة العدالة برمتها.وسنقتصر اليوم على الحديث عن موضوع الجمعيات العمومية بالمحاكم على أن نطرح باقي المواضيع في ما يلي من الأيام.تعد الجمعيات العمومية أداة لتسيير المحاكم من الناحية القضائية، وليس الإدارية، إذ من المفروض توزيع الأشغال السنوية بين القضاة بطريقة ديمقراطية وبناء على معايير معينة تحددها هذه الجمعية ضمانا للشفافية واستقلالية القرار القضائي، وهو ما تسير على نهجه كل دول العالم الديمقراطية، لذلك قال المفكر محمد عبده (الذي كان مستشارا في إحدى المحاكم الأهلية المصرية ): « إن الحكومات العادلة اتفقت على أن لا يكون زمام راحة القاضي بيد أي شخص غير مجمع إخوانه»، إلا أن هذه الجمعيات العمومية عندنا في الممارسة العملية المغربية يقع فيها العجب العجاب !! إذ بسبب إحجام المشرع المغربي عن تنظيم اختصاصاتها بوضوح أصبحت الجمعية العمومية هي المنفذ الذي يتم من خلاله ضرب استقلالية القرار القضائي كل يوم ، إذ سيطر عليها المسؤولون القضائيون – ويستثنى من هؤلاء قلة قليلة لا تكاد تذكر من المسؤولين استحضروا ضمائرهم وتركوا للقضاة توزيع العمل في ما بينهم بالتراضي، فهؤلاء لا نبخسهم حقهم، وسوف يذكرهم التاريخ القضائي إن شاء الله باستعمال واستغلال آلة وقوة التقييم القضائي السنوي الكارثي، الذي سوف نعود إليه لاحقا كما أسلفنا ويعمدون إلى توزيع الشعب والمواد على القضاة وفق أهوائهم ووفق منطق الولاءات في غالب الأحوال، وأحسنهم وأفضلهم من يقوم ببعض الاستشارات الفردية مع القضاة قبل انعقاد هذه الجمعية العمومية ثم لا تلتئم الجمعية العمومية، إلا لتفترق بعد نصف ساعة من انعقادها، إذ كل شيء مُعد سلفا فلا مناقشة ولا تصويت ولا أي شيء يمت بصلة الى اجتماع عام للقضاة، حتى إن البعض صار يطلق عليها دقائق الصمت العمومية، والأدهى والأمر من كل هذا هو عندما يصلك جدول توزيع الأشغال برسم السنة القضائية الجديدة تجد فيه عبارة طريفة ومتكررة في كل المحاكم تقريبا، وهي عبارة توجد أسفل الجدول ومكتوبة بخط صغير، تشبه ما يكتب في اللوحات الاشهارية من كون العرض خاضعا لشروط، مفادها أن الجمعية العمومية فوضت للسيد المسؤول- كل حسب درجته وموقعه- تعديل هذا الجدول عند الضرورة !وترجمة لهذه العبارة السحرية يتم في بعض الأحيان العبث حتى بمقررات هذه الجمعية العمومية على علتها، ولا ندري حقيقة كيف يتم التوصل إلى هذا التفويض، إذا كانت هذه الجمعية صماء ولا تقوم بالمناقشة ولا بالتصويت ولا بغيره- إلا في ما ندر والنادر لا حكم له-؟ إن هذا الواقع اليومي بالمحاكم يفرض على لجنة الحوار الوطني استحضاره وإصدار توصيات بشأن ضرورة إيجاد مقتضيات قانونية واضحة تنظم عمل الجمعيات العمومية بالمحاكم، لأنها تعد محكا حقيقيا لتجسيد ضمانات استقلال القاضي بما من شأنه أن يحفظ حقوق المتقاضين. وقد سارت عدة دول في اتجاه وضع قانون خاص ينظم عمل هذه الجمعيات من حيث انعقادها وسير أعمالها واختصاصها ومعايير اسناد المواد والمسؤوليات (المقصود التكليفات داخل المحاكم)، ومن تلكم الدول جمهورية مصر العربية التي نظمت اختصاص الجمعيات العمومية بالمحاكم في صلب قانون استقلال السلطة القضائية وتم منحها سلطات واسعة تمتد إلى اختيار المسؤولين القضائيين والكفاءات من القضاة التي سوف تلتحق للعمل بمحكمة النقض من محاكم الاستئناف بناء على معايير علمية واضحة، وكل ذلك بعد أن يصادق المجلس الأعلى للسلطة القضائية على هذه الاقتراحات .ونتمنى صادقين أن يرجع المختصون أعضاء لجنة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة إلى هذه التجارب المقارنة لينهلوا منها ما هو صالح لبلدنا وواقعنا كي يضمنوها في توصياتهم النهائية ولعل الندوة المتعلقة باستقلال القضاء التي ستعقد بأكادير لخير مكان لملامسة هذا الموضوع خاصة أن موضوع استقلال القضاء يحظى بعناية ملكية خاصة، إذ أكد جلالته بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الحالية على ضرورة جعله في صلب عمل الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة. عبداللطيف الشنتوف (الكاتب العام لنادي قضاة المغرب)