نحن مجتمع لا يرحم... عليك أن لا تخرج عن مسار القطيع وأن تفعل الأمور تماما كالآخرين كنا في بيت إحدى الصديقات نشاهد شريط زفافها. حين ظهرت العروس ببذلتها الفاسية التقليدية، علقت الفتيات الحاضرات بشكل شبه جماعي: «من لم ترتدِ هذه الحلة يوم زفافها، كأنها لم تحتفل أساسا بعرسها». كان هنا شبه إجماع على الموضوع. إجماع فاجأني لأني لا أفهم كيف تصير بذلة معينة مقياس نجاح الحفل بأكمله... شخصيا، لا أحب اللبسة الفاسية في الأعراس. أجدها فعلا غير جميلة. لكن الأذواق لا تناقش. هذا ما علمته لنا المدارس والكتب. عبرت عن رأيي بكل عفوية لأواجه بكم لا بأس به من الانتقادات، بل ببعض التعصب أحيانا: «هذه تقاليدنا. الفستان الأبيض ليس من عاداتنا في شيء. هذه اللبسة تمثل هوية العرس المغربي بامتياز». أولا، لا أفهم لماذا ستصبح اللبسة الفاسية معبرا عن تقاليدنا وهويتنا في الأعراس؟ إنه ليس موقفا من فاس ولا من عادات فاس، لكني أتساءل: لماذا لا يتم التشبث باللبسة الوجدية أو الأمازيغية أو غيرها، بالقدر الذي يتشبث الكثيرون (أو الكثيرات على الأصح)، باللبسة الفاسية؟ جل العرائس يشتكين منها على أساس أنها تسبب معاناة حقيقية للعروس، لكنهن جميعا يصررن على ارتدائها يوم الزفاف، لأنها «تمثل هوية العرس المغربي». من قرر هكذا كلام؟هي في النهاية مسألة أذواق لا أقل ولا أكثر... قد يعتبر البعض، مثلي، أن هذه اللبْسة غير جميلة بتاتا، كما قد يحبها البعض كثيرا. قد تكون صديقتي ارتدتها، ليس تمسحا وتبركا بالتقاليد، بل لأنها فعلا تعجبها جماليا. أي أن المشكلة لا تكمن في إقناع الآخرين بأن هذه اللبسة جميلة أو لا. لكن هذا التشبث المتعصب -الذي أعترف أنه فاجأني- يطرح بالنسبة إلي، رغم ذلك، سؤالا جوهريا: كيف يعقل أن المرء، يوم زفافه، لا يفكر بما يحبه وبما لا يحبه، بقدر ما يفكر في التشبث بالعادات وبالتقاليد، وبإرضاء أذواق الآخرين؟أشير هنا إلى تفصيل دقيق، لكنه ذو أهمية: العروس لم تتردد في إطلاق موسيقى غربية راقصة استمتعت بها رفقة عريسها وأصدقائهما. موسيقى تغنوا بها ورقصوا عليها خلال سنوات دراستهم، واستعادوها في حفل الزفاف... أي أننا في النهاية أمام فئة من الناس تستطيع كسر التقاليد في بعض الأمور، لكنها لا تستطيع فعل ذلك أمام أمور أخرى. حكاية العرس التقليدي والنكافات واللبسة الفاسية وما جاور كل هذا اللغط ليست بالنسبة إلي إلا مثالا وتمثلا لإشكالية عميقة ومعادلة كبيرة لم نحل بعد تفاصيلها: الفرد والجماعة. متى سيتخلص الفرد من ثقل الجماعة ليتعلم أن يعيش اختياراته بمفرده؟ متى ستضع العروس الحناء لأنها تحبها وليس لأن حناء العروس فأل طيب (رغم أن جل من يتراكضن في المحاكم اليوم ضد أزواجهن وضعن، على أكثر ترجيح، الحناء يوم العرس – أي أن حكاية الفأل غير صحيحة بتاتا)؟ متى سننظم العرس التقليدي المغربي لأنه يعجبنا، ولأن لدينا إمكانياته، وليس لأن الجميع يحتفل بهكذا شكل؟ متى سنشتري أثاث بيتنا بذوقنا، مغربيا كان أو عصريا، وليس فقط لأن الصالون التقليدي شبه مقدس في البيت المغربي؟ متى سنحب ونتزوج وننجب لأننا أحسسنا بالرغبة في ذلك وليس لأن تلك سنة الحياة ولأن الجميع يفعل الشيء نفسه؟ باختصار، متى سنسأل ذواتنا عما نحب فعلا وما لا نحب؟ قبل أن نعيد استهلاك السلوكات نفسها بسلبية خطيرة. هذه ليست مرافعة من أجل تحدي التقاليد. أعرف الكثيرات ممن استمتعن فعلا بالعمارية وبالحناء وبغيرها من الأمور التقليدية، وهذا أمر جميل فعلا لأنَّ في تقاليدنا أشياء رائعة قد نحبها بصدق. لكني أعرف أيضا الكثيرات ممن اعتبرن كل ذلك أمرا لا يناقش («الضروبة فالعرس»، ومبلغ الصداق، والنكافات، والطيافر...)، أعدن استنساخه لأن الأم أو الحماة قررتا ذلك. أي أن السؤال الجوهري الوحيد الذي يجب أن نطرحه إزاء هذه الأمور هو التالي: «هل يسعدني فعلا أن أفعل ذلك، أم أني سأفعله لإرضاء الآخرين ولتفادي الأسئلة المتكررة؟».أتذكر هنا نكتة لأحد المشاهير الأجانب. كان جميع أفراد عائلته يسألونه، في كل مناسبة زواج: «وأنت، متى سيحين دورك؟». ولأنه لم يكن يفكر في الزواج كمؤسسة «لا مفر منها»، ولأنه لم يعد يطيق هذا السؤال المستفز ولا أن يجد نفسه في موقف من يبرر اختياراته المختلفة، فقد قرر أن يطرح السؤال نفسه على أفراد عائلته، في كل مأتم يقابلهم فيه: «وأنت، متى سيحين دورك؟». علينا أن نعي أننا مجتمع لا يرحم. عليك أن لا تخرج عن مسار القطيع. أن تفعل الأمور تماما كالآخرين. أن تحب مثلهم (بمقاييس ومعايير معينة)، أن تتزوج مثلهم (وفي السن المتعارف عليه)، أن تبقى مقيما في كنف العائلة إلى حين زواجك، أن تختار الشعب التعليمية المتعارف عليها (فنان؟ صحافي؟ من الأفضل أن تنسى...)، أن تسير في مسار مهني كلاسيكي لا يثير أسئلة الآخرين... أي خروج عن الخط يعتبر مستفزا. أتساءل إن لم يكن الاستفزاز نابعا في الأصل من عدم قدرة الآخرين على اتخاذ قرارات جريئة ومختلفة، تماما كما تستطيع أن تفعل. يخنقونك بالأسئلة وبالتأنيب وبالتقريع. اختلافك يزعجهم لأنه يبين لهم، بشكل أو بآخر، بأنهم لم تكن لديهم الجرأة لكي يخرجوا عن الطريق المرسوم.حين سنعي أن كل هذه التفاصيل الصغيرة (النكافة والعمارية واللبسة الفاسية والصالون...) ليست في النهاية مجرد تفاصيل نعيد ممارستها لكي نتفادى اللغط؛ حين سنعي أن الانتفاض ضدها (حين لا تكون لدينا رغبة حقيقية فيها) هي أولى الخطوات للخروج عن ثقافة القبيلة ولكي يتألق «الفرد» كمكون أساسي في المجتمع... حين سنفهم أن الاختيارات الفردية لا تعني فقط القضايا الكبرى (كحرية العقيدة مثلا)، بل إنها تمس التفاصيل الصغرى للحياة، سنكون وضعنا أولى خطواتنا على الطريق السليم لمجتمع يعرف أفراده ماذا يريدون فعلا. في النهاية، ليست اللبسة الفاسية ولا العمارية ولا الحناء ولا سمعة النكافة هي ما سيضمن سعادة العروس... فوضى محاكم الأسرة أكبر دليل على ذلك. بقلم : سناء العاجي, كاتبة