fbpx
حوادث

دراسة: برنامج “أخطر المجرمين” والصبار والخلفي والبرلمان (الحلقة الثانية)

 

لا يجوز التشهير بالإنسان و التعرض لخصوصياته بدون إذنه

 

منذ مدة غير قصيرة وبرنامج «أخطر المجرمين» يتعرض لسيل من الانتقادات، هي عبارة – في مجملها وتفصيلها – عن لغط لا يليق به إلا وضعه تحت عنوان: “غير جيب أفم ؤكول”. والحق، أن هذا اللغط السخيف كان يثير لدي بحرا من مشاعر الغضب والاستياء، لأنني كنت أدرك أن أصحابه سيلحقون بالبرنامج أذى كبيرا يصل إلى درجة الجريمة.

لنبدأ بهذا السؤال. ما السند الأخلاقي والحقوقي الذي أتاح لهذه البرامج أن تولد وتزدهر في هذا الغرب الذي نحسده وفي الوقت نفسه نصر على التفكير والعمل بعقلية البداوة الرعناء؟ الجواب بسيط ومحسوم، فعند رجالات الغرب حقوقيين وسياسيين ومربين اجتماعيين وعلماء النفس وعلماء اجتماع.. المتشبعين بالحكمة والمعرفة الحقة «ؤ ماشي غير تيجيو ويتلاحو بلا شورط»، المعادلة واضحة:
– لا يجوز التشهير بالإنسان العادي، أو مجرد التعرض لحياته وخصوصياته بدون إذنه، بل لا يجوز حتى التقاط صورة عادية له إلا بموافقته.
– أما الشخصية العامة، وهو أي إنسان له تأثير وأثر معين في المجتمع (وزير، مفكر، فنان، نجم رياضي … إلخ) فالأمر لا يستدعي الجواز فحسب، بل مفروض على الإعلام أن يتبعه ويترصد هفواته أو جرائمه بالقدر نفسه الذي يتابع إنجازاته وينوه بها. لماذا؟ لأن الرأي العام معني بقوة أن يعلم عنه كل شيء أكان سلبا أو إيجابا. وهذه المعادلة تحتكم إلى ما يسمى الحق في معرفة الحقيقة بالنسبة للرأي العام. وهو حق يستوجب حقا آخر يسمى الحق في الوصول إلى الخبر بالنسبة للصحافة. (ما من خيار يا سادتي الأفاضل).
الشخصية العامة هي جوهر اشتغال الإعلام، لأنه يصنع الحدث السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفني أو الرياضي أو الثقافي أو العلمي، سواء كان هذا الحدث محمودا أو قبيحا. وبناء على ذلك، فالمجرم – قبل ارتكاب جرائمه – يكون إنسانا عاديا له حرمته وخصوصيته وحميمياته التي ينبغي أن تصان، ولا يجوز للإعلام بالمطلق أن يتطفل عليه. ولكنه عندما يرتكب جريمة أو جرائم كبيرة ويثير بها حالة من الاضطراب أو الهلع في المجتمع (la psychose) ينتقل من خانة المواطن العادي إلى خانة «الشخصية العامة»، لأنه صنع حدثا وأصبح مشهورا. ومن الغباء والعار أن يقال للتلفزيون والصحيفة: لا تخض في حياته وهويته فقد حوكم.. فأين حق المجتمع في معرفة من هو هذا الشخص؟ وكيف قام بجرائمه؟ ولماذا قام بها؟ أليس من واجب الإعلام أن يطارد حياة وبيئة سفاح تارودانت، والقتلة بالتسلسل في سطات وأﯖادير، والعصابة التي قتلت الأفارقة في تطوان، وعصابات المخدرات والتهريب، ومهربي الرمال، وأصحاب جرائم الدوباج في أولمبياد لندن، والشماخ معانقا الشيشة..؟؟ أوليس هؤلاء أشبه في الأثر السلبي على المجتمع بجلادي سنوات الرصاص وقتلة المهدي بنبركة وعمر بنجلون، ومختلسي المال العام، ومدعي المهدية، ومكفري الناس.. والكوميسير تابت، والإرهابيين؟؟  
الخضوع للتقرير وتبعاته
ومع ذلك خضعنا ل»أوامر المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، وصرفنا النظر عن ذكر أسماء المجرمين، وعن نشر صورهم، بل حتى عن الحديث عن محيطهم وبيئتهم. وللعلم يا أهل الإعلام، فقد أدى إسقاط وتغييب هذه العناصر إلى إلحاق عيب كبير بالبرنامج على مستوى هويته كبرنامج توثيقي ينبغي له بالضرورة أن يلتزم بتقديم المعلومات الدقيقة عن المجرم وبيئته. (فليسعد محمد الصبار بإنجازه!).
انتهت قصة البرنامج مع تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بعدما أخذنا ب «إملاءاته»، فظهرت قصة أخرى أفرزتها تبعات نشر التقرير السخيف للمجلس. هكذا كان يكفي الصبار أن يفتح الباب علينا لتطاردنا الجهالات والتهم الباطلة، حيث توصلنا أكثر من مرة ببلاغات يلعب فيها المجلس دور ساعي البريد لبعض المحكومين الذين يحتجون علينا ظلما، وكان علي أن أجيب:
– السجين عبد الله قسمي «نينجا» بعد مرور عدة أشهر على بث حلقته: لقد ذكرتم في الحلقة التي أعددتم عني أنني تعرضت للاغتصاب في صغري.
– جوابي: لم تأت أية إشارة ولو ضمنيا في برنامجنا إلى هذه المسألة، وكاسيت الحلقة موجودة.أما سؤالي (الآن) إلى المجلس فهو: لماذا لم يطلب نسخة من الحلقة ليتأكد من حقيقة الأمر إذا كان فعلا يشتغل بطريقة علمية؟
– السجين زهير البوحيلي من أسفي: لقد قمتم بإعداد حلقة عني، وزرتم مدينتي وحارتي وبيتي. وإني أحذركم بالمتابعة قضائيا.
– جوابي: لم نصور عنك أي شيء. ولم نذهب أبدا إلى آسفي.
– السجين نينجا (رسالة أخرى): لقد تأثرت ابنتي عندما شاهدت الحلقة التي تخصني، وكان من مضاعفات التشهير بي أنها توقفت عن الدراسة.
– جوابي: لم نشهر بك ولا بأي مجرم بالمطلق. نحن نعرض الوقائع كما هي، وتركنا تحليل شخصيتك للبروفسورة نادية القادري، وهي طبيبة نفسية من أرفع خبراء المغرب في هذا المجال، وهذه السيدة لم تقم بالتشهير بك. أما عن ابنتك المسكينة فقد مر عام تقريبا على بث حلقتك، والآن تخبرنا أنها توقفت عن الدراسة.. كيف يعقل ذلك؟ أما سؤالي (الآن) إلى المجلس: فهو هل أنجزتم خبرة نفسية لمعرفة أسباب توقف الطفلة عن الدراسة حتى تتبينوا الحقيقة قبل مراسلتنا؟ وبالتالي يمكنكم مقارعتنا بالحجة. (تتعرفوا غتكتبو).
تواصلت الرسائل من السجناء وليس فيها أي مأخذ جدي، فجأة وصلتنا رسالة من المجلس تدعونا إلى الأخذ في الاعتبار رسالة أخرى موقعة من طرف المندوب العام للسجون حفيظ بنهاشم، وتتضمن تنبيها للقناة عما يسببه برنامجنا من حزن للسجناء، وأرفق الرسالة باحتجاجات ثلاثة سجناء بسبب التشهير بهم. وكان علي أن أفند محتوى الرسائل لأنها كانت مشحونة بالأكاذيب والمغالطات.
أما بخصوص المندوب العام للسجون فلي معه حكاية. عندما أردنا الشروع في إنجاز البرنامج توجهت إليه. واستقبلني بحفاوة في مكتبه. جلسنا وحدنا على الأريكة. وحدثته عن البرنامج وأهدافه، كما أخبرته أن الإنجاز سيتم بالتعاون مع وزارة العدل والإدارة العامة للأمن الوطني. ثم دعوته لتعاون المندوبية معنا لأن قيمة مضافة ستتحقق للبرنامج إذا تمكنا من الالتقاء بأخطر المجرمين. أجابني بسرعة «لن يوافقوا أبدا». قلت له « دعني أقابلهم  في مكتبك أو في أي مكان ونرى..إذا رفضوا فقد أديت واجبك.. واسمح لي السيد المندوب، أنا متأكد أنهم سيوافقون..لأنهم يحتاجون للخلاص الروحي والنفسي وهذا لن يتأتى لهم إلا إذا تكلموا وطلبوا المغفرة من أسر الضحايا والمجتمع». فأجابني «اسمع، جيب  لي شي ورقة فيها أن قضاة التحقيق سيشاركون في البرنامج نعطيك السجناء للي بغيتي». قلت له «وثيقة بأن وزارة العدل ستكون شريكة لنا ممكن، أما قضاة التحقيق فنحن نرى أن الأهم بالنسبة لنا كتلفزيون هم ممثلو النيابة العامة، فهؤلاء هم الذين يعرفهم المواطنون، ويسمونهم «الغراقا» – وهو حكم قاس طبعا –  ولهذا فهدف البرنامج من وجودهم معنا هو تطبيع علاقتهم بالرأي العام، لأنهم هم محامو الشعب في مقابل محامي المتهمين. والأمر  نفسه بالنسبة للبوليس، فالناس لديهم «كليشيهات» سلبية عنهم بالنظر إلى السنوات الطويلة من انغلاق المؤسسات الأمنية. والآن حان الوقت لنبرز دورهم في حماية المواطنين ونبرز إنسانيتهم و معاناتهم في أداء واجبهم..»  قبل أن يجيبني دخل علينا مدير المندوبية الأستاذ حلمي، وهو من أعظم مريدي «وكم حاجة قضيناها بتركها»، فبمجرد أن أخبره بنهاشم بموضوع زيارتي، رد بسرعة «لا.. لا، ستحيي جروحا قديمة للسجناء وعائلات السجناء». قلت له «السي حلمي السجناء لن ينسوا أبدا ما فعلوه، إنه يعيش بداخلهم كل لحظة. كما أن عائلات السجناء لن ينسوا ما فعل أبناؤهم لأنهم  يجلبون لهم القفة إلى السجن كل يوم. من جهة أخرى فإن عائلات الضحايا والمجتمع لم يعرفوا الحقيقة ومن واجب الإعلام أن يؤدي رسالته، وبمقدور شهادات السجناء أن تضمد الجراح، كما بإمكانها أن تكون عبرة للناشئة»، ثم أدرت رأسي إلى بنهاشم وقلت له « آخر كلمة»، أجابني: «بلاش أولدي هاد القضية عافاك».
مر الوقت وأخذ البرنامج سكته بدون مندوبية بنهاشم، فجأة تصلنا تلك الرسالة منه عن طريق المجلس. كان بإمكانه أن يوجهها للقناة مباشرة، ولكن همه الأول ليس الحقوق النفسية للسجناء. كانت تلك مناورة من جانبه لمغازلة المجلس وصنع صورة جديدة عن نفسه، وكأن آخر الهموم التي بقيت للسجناء في المغرب هي صورتهم في الإعلام الوطني. (فمرحبا بجنة بنهاشم !)                 

بقلم: حسن الرميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى