مسؤولو القناة عقدوا اجتماعا مع قيادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ مدة غير قصيرة وبرنامج «أخطر المجرمين» يتعرض لسيل من الانتقادات، هي عبارة - في مجملها وتفصيلها - عن لغط لا يليق به إلا وضعه تحت عنوان: «غير جيب أفم ؤكول «. والحق، أن هذا اللغط السخيف كان يثير لدي بحرا من مشاعر الغضب والاستياء، لأنني كنت أدرك أن أصحابه سيلحقون بالبرنامج أذى كبيرا يصل إلى درجة الجريمة. في الولايات المتحدة تقوم «جمعيات حماية المرأة من الاغتصاب» بتدريب النساء على الصراخ لحظة تعرضهن للهجوم بكلمة «حريق..حريق ..حريق..»، بدلا من عبارة «أنقذوني إنني أتعرض للاغتصاب..» والسبب أن طلب النجدة بعبارة «إنني أتعرض للاغتصاب» تجعل من يسمعها من المارة يخشى على حياته من التدخل لإنقاذ الضحية، ذلك لأنه يعتقد في قرارة نفسه أنه سيكون لوحده في مواجهة المجرم أو المجرمين. أما النداء البديل «حريق.. حريق.. حريق..» فيدفع عددا كبيرا من الناس إلى الجري دون تردد نحو مصدر الصراخ. وتؤكد إحصائيات هذه الجمعيات أن معظم النساء ينجين بفضل هذه الحيلة، لأن المغتصبين يفرون بمجرد أن يروا جموع الناس يندفعون نحوهم.اليوم، يتعرض برنامج «أخطر المجرمين» للاغتصاب دون أن يلتفت إليه أحد، ولهذا سأصرخ «حريق..حريق.. حريق.. «.نروي الحكاية من البداية. والبداية انطلقت من المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فبتاريخ 14 نونبر 2011، وجه الأمين العام للمجلس محمد الصبار مراسلة إلى الهيأة العليا للسمعي البصري (الهاكا) وإلى فيصل العرايشي رئيس القطب العمومي يخبرهما فيها أنه وفريقه قاموا بزيارة للسجن المركزي بالقنيطرة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة الإعدام، وأنهم تلقوا شكاوى من عدد من المحكومين مفادها أن برنامج أخطر المجرمين يلحق بهم وبذويهم أضرارا اجتماعية ونفسية كبيرة.وفق المعلومات التي لدي، طلب مسؤولو القناة من قيادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، عقد اجتماع للتداول في القضية ومعالجة كل الملاحظات والمؤاخذات على البرنامج دون صخب قد يشوش على التوجه البناء للبرنامج. وتقول معلوماتي أن قيادة المجلس وافقت على العرض، وفي اليوم الثاني ظهر مضمون التقرير في الصحف، فأصبح الاجتماع بدون جدوى.. وأتصور أن الذي سرب التقرير من داخل المجلس اختار هذه المناورة، لأنه كان محتاجا إلى كأس تتويج « un trophée » لإظهار حساسيته البالغة تجاه حقوق الإنسان ولو تعلق الأمر بمحكومين بجرائم خطيرة. (يا ريت.. ولكن ليكن على حق أولا !!) المجرمون وحقوق الإنسانتضمن تقرير محمد الصبار الإملاءات التالية:- عدم بث صور المحكوم عليهم.- عدم ذكر أسماء وألقاب المحكوم عليهم.- عدم الإشارة إلى أسرهم. - عدم الإشارة إلى عناوينهم ومحيطهم حتى لا يتم التعرف عليهم.كما تضمن التقرير مؤاخذتين هي:- إن بث وإعادة بث قصص المحكومين وعرض وقائع جرائمهم يعتبر إعادة لمحاكمتهم خارج قاعات المحاكم.- إن بث وصلات إشهارية قبل بداية البرنامج وأثناء العرض يعتبر متاجرة رخيصة بمآسي المحكومين وأسرهم. إن المؤاخذتين الأخيرتين تمثلان اجتهادا شخصيا شاذا يصدق عليه المثل المغربي البليغ «ﯖال ليه تتعرف العلم، جاوبو تنعرف نزيد فيه». فلست أدري أي علاقة لهما بمبادئ حقوق الإنسان؟ والحال أنهما مجرد تداعيات إنشائية ناتجة عن شحنة عاطفية غامضة لا علاقة لها بحقوق الإنسان المسطرة في التشريعات الدولية.فبالنسبة إلى مؤاخذة الأولى، أعتقد أن الذي صاغها لم يدرك أنه وضع المجلس في مأزق حقيقي. ذلك أننا لو أخذنا بها سيصبح تناول حياة الشخص أو الأشخاص الذين قاموا باغتيال الشهيد عمر بنجلون أو الوطنيين الذين قبله في وسائل الإعلام أمرا محرما. ولنتصور يوما انكشفت فيه أسرار قضية الشهيد المهدي بنبركة، وتم القبض على من بقوا أحياء من المجرمين الذين اغتالوه وجرت محاكمتهم، ألا يصبح - بمنطق الصبار - محرما على الإعلام التعريف بهم وببيئاتهم، وكيف ارتكبوا جريمتهم الوحشية، ولماذا ارتكبوها؟كم كنت معجبا بالفلسفة النضالية ل «المنتدى المغربي الحقيقة والإنصاف»! وكم ساءني إحداث الدولة لما سمي ب»هيأة الإنصاف والمصالحة»! وكم شغفت باستمرار نضال الصبار ورفاقه ضد هذه التسمية المتحايلة التي تلغي مبدأ معرفة الحقيقة، لأنه لا يمكن الوصول إلى المصالحة الفعلية دون استجلاء الحقائق! ولنتصور الآن لو تحقق للمنتدى مبتغاه، ألا يصبح بمقدور الضحايا ،والصبار بينهم، أن يقفوا أمام وسائل الإعلام ليعرضوا الأحداث ويقصوا الوقائع، ويشيروا بالأصابع إلى السفاحين والجلادين الذين صنعوا سنوات الرصاص؟ ألا يعد هذا تشهيرا بهم وبأسرهم؟ بل حتى دون أن يتحقق ذلك، ألم يصرخ عدد كبير من المناضلين مئات المرات وفي عشرات المنابر باسم عرشان (وهو ينكر ويصرخ أنه بريء مما يدعون) وآخرين كجلادين ذاقوا على أيديهم العذاب؟ أليس هذا تشهيرا بأشخاص وبأسرهم دون محاكمة!؟سيقول عدد من المتهافتين «آش تيخربق الرميد؟ هذه جرائم سياسية والأخرى جرائم حوادث des faits divers» أجيب: أليس الضحايا في برنامجنا مواطنين مثلهم مثل المناضلين السياسيين؟ أم أن هؤلاء الأخيرين مواطنون من فئة خمسة نجوم والآخرون مجرد دهماء ورعاع؟ أليس المجرمون في برنامجنا مثلهم مثل مجرمي سنوات الرصاص؟ أليس في كل أنواع الجرائم الشنيعة يتزعزع المجتمع ويرتعب، ومن حقه أن يعرف خلفيات وأسباب ونتائج هذا الأذى الذي لحق به؟ أما في شأن المؤاخذة الثانية، فلعل الذي صاغها يزعجه الإشهار لدرجة اختلط عليه مجال حقوق الإنسان بمجال حقوق المشاهد، فكانت النتيجة تلك الديباجة الحولاء والسقطة الغبية التي جمعت الإشهار ومآسي الناس في برنامجنا. أعود الآن إلى «إملاءات» المجلس ذات الطابع الحقوقي الصرف فهي جوهر القضية. أذكر هنا أنه بمجرد ما توصلت إدارة القناة الثانية بنسخة من التقرير، وأرسلها لي مديري المباشر عن طريق الفاكس، قمت بتنفيذ هذه الإملاءات كاملة نزولا عند رغبة مديري. قمت بذلك وأنا أترنح، لأن هذه الإملاءات «مدخلاتش لدماغي»، ولا يمكن أن تدخل إلى دماغ أي حقوقي رصين. أطرح السؤال إذن: لماذا كنا نتناول قصص أخطر المجرمين ونذكر أسماءهم ونبث صورهم؟ أو لم يكن يحق لنا ذلك؟ الجواب: على مستوى المهنة، نعم كان يحق لنا ذلك، فنحن نعد برنامجا اجتماعيا وثائقيا، ومعلوم أن أي برنامج وثائقي ينبغي أن تكون شخصياته حقيقية ويتم التعريف بها كاملة غير منقوصة، وتكون أحداثه حقيقية ويتم التعريف بها كاملة غير منقوصة. هذه هي الأمانة المهنية، وهذه هي شروط هذه الحرفة، فإما أن تكون أو لا تكون. (هذه هي الأمانة الصحفية).طيب، على مستوى حقوق الإنسان، ألم يكن يحق لنا أن نتناول قضايا بث فيها القضاء وصدرت فيها الأحكام النهائية وبالتالي أصبح من واجبنا الإعلامي أن نتكلم عن المجرمين بأسمائهم ونعرض صورهم، ونتحدث إلى الشهود من أقربائهم وأصدقائهم، ونتعرف على طفولتهم وبيئتهم من أجل أن نفهم أسباب جنوحهم وانحرافهم؟ أنا أقول نعم يحق لنا ذلك ، ومحمد الصبار يقول لا..لا..وإني هنا أتساءل: هل هناك نص في قائمة مبادئ حقوق الإنسان الدولية يفصل فصلا حاسما فيما بيننا؟ لا أزعم أنني أصل إلى قامة خبراء المجلس الوطني لحقوق الإنسان (!) ولكنني أسأل هؤلاء الخبراء: لماذا الغرب الديمقراطي، وهو قدوتنا في هذا المجال يسمح بذلك؟ فكل الدول، من جنوب أوربا إلى شمالها إلى أمريكا بكل دولها، تبث القنوات العامة والخاصة برامج من هذا النوع، وهي أكثر تشريحا وتعريفا بشخصيات المجرمين ووقائع جرائمهم صوتا وصورة، وعددها بالعشرات (يكفي الصبار وضع أصبعه الكريم على زر «الزابينغ»). بل وهناك قنوات عربية تقتني هذه البرامج (ناسيونال جيوغرافي أبو ظبي على سبيل المثال). بقلم: حسن الرميد