تحديث التعليم الأصيل كفيل بتطوير الفكر الإسلامي المغربي التعليم الأصيل هو النوع الثالث من التعليم الموجود في المغرب، وهو سليل التعليم العتيق الذي ساد عدة قرون. ارتبط بالجامع أو المسيد، وتعتبر جامعة القرويين بفاس من أقدم المدارس في العالم التي مورس فيها هذا التعليم بالمغرب التي تخرج منها كل المثقفين المغاربة في العصور القديمة. ورغم أن التعليم الديني هو القاعدة الأساس في هذا النوع، فإنه مع ذلك كان ينفتح على مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، لأن الدين في الإسلام مرتبط ارتباطا وثيقا بالدنيا. لكن دخول الاستعمار، وخروجه، وحلول المدرسة العصرية محل التقليدية، قلص حضور التعليم الأصيل ببلادنا، وهمش وجوده بشكل كبير. ورغم أن هذا التعليم عمومي ونظامي بكيفية محدودة، فإنه لا يمكن أن يكون خاصا، إسوة بالتعليم العام. فالتعليم الخاص منشغل عنهم بمن لهم الإمكانيات المالية الملائمة، فيفتح لهم المسارات والتخصصات التي «تضمن» لهم الوظائف والمواقع «العليا». أما التلاميذ الذين يتوجهون، أو يوجهون، إلى التعليم الأصيل فهم بالدرجة الأولى والأخيرة أبناء الفقراء والبوادي النائية، أو ممن لفظتهم المدرسة العمومية من المعوزين، فلم يكن أمامهم من خيار سوى الالتجاء إلى هذا التعليم «الأصيل» أو تعلم حرفة أو الشارع.أتيحت لي فرصة التعرف على هذا النمط التعليمي في بدايات السبعينات من خلال اشتغالي مع المكفوفين في فاس الذين كنا نصطحبهم للقراءة عليهم أو لاجتياز الاختبارات ككتاب لهم. أليس كذلك آلسي الروكَي؟ فوقفت عن كثب على معاناة هؤلاء المكفوفين وعلى الصعوبات الجسيمة التي يتخبطون فيها جراء وجودهم في هذا السلك: فالمواد كثيرة ومعقدة والطرق التربوية عقيمة وتقليدية جدا. وجعلني ذلك أتساءل: هل فعلا بهذا التكوين تخرج أجدادنا، وهل كانوا يدرسون بهذه الطريقة؟ أم أن التعليم «الأصيل» لم يبق من «أصالـ» ته غير العنوان؟لقد همش التعليم الأصيل، وأقصي لحساب التكوين العصري. وحتى داخل هذا التكوين العصري كانت المفاضلة بين التكوين العلمي والتقني والأدبي. وكنا نعاني سوء النظرة التي يقابلنا بها أقراننا الذين كانوا يدرسون في الأقسام العلمية، متهكمين على تلاميذ الأدب، وأن الأدب لا يمكن أن يساهم في تطوير المجتمع أو الحصول على المراتب والوظائف العليا. أما التعليم الأصيل فكان يحتل المكانة ما بعد الأخيرة داخل سلم هذا التصنيف. وحتى على المستوى الجامعي، كانت الرؤية نفسها. ولقد وقفت على ذلك في اجتماعات وطنية تخص الجامعة المغربية، فكنا نلمس التفاضل نفسه بين التخصصات والكليات والمدارس. وكانت جامعة القرويين شبه مقصاة من التفكير أو النقاش، فهي تتخبط في المشاكل التي لا أول لها ولا آخر. لا يمكن أن تجر هذه المفاضلة بين أنواع التعليم والتخصصات غير الاهتمام ببعضها وازدراء بعضها الآخر، وكأن بعضها مفروض، أو أن الإبقاء عليه يتم لأسباب أو اعتبارات سطحية وشكلية. ويبدو أن التعليم الأصيل هو الأكثر عرضة للتهميش والإقصاء، ومن لدن الجميع. ولذلك قلما نقرأ دراسات أو نجد أبحاثا تخص هذا التعليم، أو تناقش مشاكله التي لا عد لها، وعلى المستويات كافة. إن التعليم الأصيل يقوم فعلا على قاعدة دينية، ويكون التوجه إليه من قبل فئات اجتماعية مستضعفة. لكن ذلك لا يعني أن التكوين الديني غير ذي أهمية في مجتمع مثل مجتمعنا، ونحن نرى في العالم المتطور العديد من المدارس والجامعات الدينية (الكاثوليكية مثلا). لكننا في واقعنا المغربي، نرى أن الإبقاء على هذا التعليم الأصيل، وكأنه وحده كاف لتأكيد دور الدين في حياتنا، أو لإبراز عنايتنا بهذا التعليم الذي هو عنوان أصالتنا؟ لكن المطلوب هو عكس ذلك تماما. إنه بدون تطوير هذا التعليم وعصرنته، وتأهيل المسجلين فيه للحصول على تكوين "عصري" حقيقي، وجعله مرتبطا أكثر بواقعنا الحديث الذي يزخر بكثرة التيارات والمذاهب الدينية، لا يمكن للمغرب أن يسهم في تطوير الفكر الإسلامي ببلادنا، وبذلك سنظل عالة على ما تقدمه لنا أقطار عربية وإسلامية تعنى عناية حقيقية بتعليمها الأصيل. يكفي في هذا الإطار المقارنة بين الأزهر والقرويين لنعاين فرقا كبيرا جدا بين الموقع الذي يحتله الأزهر في الحياة الثقافية والدينية في مصر، وبين المآل الذي آلت إليه جامعة القرويين بكلياتها الثلاث. إن تحديث التعليم الأصيل كفيل بتطوير الفكر الإسلامي المغربي، وتأهيله لتكوين علماء في مختلف التخصصات المتصلة بالدين، في علاقتها بالفكر والثقافة والمجتمع. ولا يمكن أن يكون ذلك بغير تغيير نظرتنا إلى هذا التعليم، وهي نظرة تهميشية وإقصائية. ولعل المدخل إلى ذلك رهين أولا بالتحسيس بأهميته ودوره في الحياة، وليس بالنظر إليه على أنه "واجب" تقتضيه شروط واقعنا الثقافي. إن هذا التحسيس سيجعل الطلبة النابهين وذوي المواهب يتوجهون إليه، ويرون أن مستقبلهم ومستقبل وطنهم سيكون من خلال تطور وتطوير هذا التكوين. لكن أن نبقي هذا التعليم الأصيل فقط لامتصاص فئة من التلاميذ فهذا لن يسهم في تطويره أبدا. كما يمكن أن توجه إلى هذا التعليم خيرة الأساتذة من الثانوي إلى العالي. وعلى سبيل المثال، نجد أغلب أساتذة التعليم العالي لا يرغبون في الالتحاق بكلية اللغة العربية بمراكش أو أصول الدين بتطوان أو الشريعة بفاس إلا للضرورة القصوى. وفي هذا التعبير مواقف واضحة من هذا التكوين. كما أن تجديد الطرق التربوية وإدراج مواد جديدة تتصل بالعصر (علم الأديان المقارن، الفلسفة، تاريخ الفكر الديني) إلى جانب تعزيز اللغات الحية في التعليم الأصيل ...كل ذلك ضروري لتحديث هذا التعليم وتجديده. قد يسجل البعض أن هذه العصرنة "موجودة"، وأن التحديث مطروح، ولكن رغم هذا، نلاحظ أن ذلك غير كاف، وأن المستوى المطلوب غير متحقق بالمرة. لا يمكن للتعليم المغربي من خلال أنواعه الثلاثة أن يتطور من دون تجاوز النظرة التهميشية إلى بعض التكوينات، أو إعطاء الأسبقية لبعضها دون الآخر، سواء على مستوى التجهيز أو التأطير أو المراقبة. ولعل المدخل لذلك يكمن في توفير جسور دائمة بين مختلف التكوينات، وإعداد الأطر الإعداد الملائم لكل المشتغلين بالتعليم، وإعادة تكوين الأطر بصفة دائمة ومستمرة. إن التكامل بين العام (العصري والأصيل) والخاص ضرورة ملحة لتطوير تعليمنا وجعله في مستوى الطموحات والتطلعات. فلا يمكن أن يتطور تعليم على حساب آخر، أو بمفاضلة هذا على ذاك. وتبعا لذلك، لا بد من انتهاج سياسة لتكوين الأطر التربوية تضطلع بها الدولة، في كل المستويات، من الابتدائي إلى العالي، وتجعلها رهن إشارة التعليم العام والخاص على السواء. لقد طرحت مسألة الترخيص لأساتذة التعليم العام لتقديم دروس لفائدة التعليم الخاص. لكن من أين سيوفر التعليم الخاص الأطر التي هو في أمس الحاجة إليها؟ هل يمكننا مطالبته بتكوين أطره؟ في إطار التكامل والتعاون بين التعليم العام والخاص، لابد من أن يتحمل التعليم الخاص، جزءا من دوره في الحياة، ليس فقط من خلال استيعاب تلاميذ وطلاب كان الأحرى أن يكونوا في التعليم العام، ولكن أيضا من خلال استيعاب جزء من المؤهلين العاطلين عن الشغل، سواء من الذين تخرجوا من التعليم العام أو الخاص. يمكن لوزارة التربية الوطنية، أن ترسم خارطة الحاجيات من الأطر التربوية التي يحتاج التعليم الخاص إليها، وتفتح تكوينات للأطر لتؤهلها للعمل فيه. وبذلك، يحصل التكامل الحقيقي بين العام والخاص، ويسهم كل تعليم في التفاعل والتطور. ولا بد في هذا السياق من إعطاء التعليم الأصيل ما يستحق من العناية، فهو بوابة الأصالة الحقيقية، وهو مدخل المعاصرة المطلوبة التي تؤهل المغرب للانخراط في العصر بوعي وتفتح ورؤية استشرافية للآفاق البعيدة. بقلم : سعيد يقطين, كاتب وناقد