خطر الإرهاب ما زال قائما بل اتسعت رقعته واتخذ رموزا وزعماء أشد ولاء لإستراتيجية ابن لادن تحل الذكرى الحادية عشرة لهجمات 11 شتنبر 2001، والحرب على الإرهاب لم تنته بعد، الأمر الذي يستوجب طرح السؤال التالي: أيهما يواجه الآخر؟ العالم يواجه الإرهاب أم الإرهاب يواجه العالم ؟ ذلك أن الحرب على الإرهاب توسعت رقعتها؛ ما يجعل العالم أمام سؤال الحصيلة: هل تمكن من القضاء على الإرهاب، أو على الأقل تقليل مخاطره ومحاصرة عناصره؟ مما لا شك فيه أن خريطة الإرهاب اتسعت لتشمل مختلف مناطق العالم، خاصة بؤر التوتر ومناطق الصراع، بل فتح «الربيع العربي» فرصا أكبر أمام التنظيمات الإرهابية للوجود والسيطرة على مناطق عديدة في كثير من الدول، بعد أن كانت محصورة في أفغانستان وباكستان، ثم العراق، ومنها على الخصوص اليمن، الصومال، مالي، نيجيريا، سيناء، مصر، وجاء الآن الدور على سوريا. هذه الأخيرة تعرف تدفقا كبيرا للمتشددين، بشهادة الجراح الفرنسي جاك بيريه الذي عاد من سوريا يوم الجمعة 7 شتنبر 2012، وصرح لوكالة «رويترز» بأنه قام بعلاج مقاتلين في حلب، وأن المقاتلين الإسلاميين يسعون إلى تحويل سوريا الى دولة دينية يتزايدون في صفوف المعارضة المسلحة التي تقاتل لإسقاط الرئيس بشار الأسد ويعتقدون أنهم يخوضون «حربا مقدسة» ، منبها إلى التالي: «في الحقيقة كان ما رأيته شيئا غريبا. إنهم يقولون بشكل مباشر إنهم ليسوا مهتمين بسقوط بشار الأسد، بل مهتمون بكيفية الاستيلاء على السلطة بعد ذلك وإقامة دولة اسلامية تطبق الشريعة لتصبح جزءا من الإمارة العالمية».إذن، لم يعد الإرهاب منحصرا في منطقة بعينها، كما كان قبل 11 شتنبر 2001. وكان الهدف الذي أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية يتمركز حول القضاء على الإرهاب والانتقام لهيبتها؛ يومها كان الإرهاب مجسدا في تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن الذي آوته حركة طالبان في أفغانستان وتحالفت معه. بدا حينها أن القضاء على العناصر الإرهابية التي تنظّر للإجرام باسم الدين، أو تلك التي تخطط له، يقود بالنتيجة إلى تفكيك مخططاته واجتثاث خلاياه. لهذا حشدت الولايات المتحدة الحلف الأطلسي لإسقاط نظام الطالبان واعتقال زعماء القاعدة، فضلا عن تشكيل جبهة دولية لمحاربة الإرهاب . وكانت النتيجة أن حكم الطالبان سقط ولم يسقط نظامهم وتحالفهم مع تنظيم القاعدة، بقدر ما تقوى. وها هي الولايات المتحدة والحلف الأطلسي يترنح تحت الضربات الموجعة التي تنفذها حركة الطالبان، مما اضطر عددا من أعضائه إلى سحب قواتهم العسكرية من مستنقع افغانستان. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية أفلحت في إجهاض مخططات إرهابية على أراضيها، فإنها فشلت في القضاء على خطر الإرهاب الذي يغير وسائله باستمرار. وهذا ما سبق أن أقرت به وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية، جانيت نابوليتانو من أن «التهديدات الإرهابية التي تواجهها بلادنا تطورت بشكل واضح خلال السنوات العشر الأخيرة وما زالت تتطور». ويمثل أسلوب «الذئاب المنفردة» أخطر الأساليب التي تلجأ إليها العناصر الإرهابية لتنفيذ مخططاتها دون أن تثير أدنى شكوك في تصرفاتها، كما هو مثال الطبيب النفسي المسلم الذي قتل 13 جنديا من رفاقه، في نونبر 2009 بإحدى القواعد العسكرية في فورت هود بولاية تكساس. وتأكيدا على تزايد التهديدات، ذكرت قناة «فوكس نيوز الأمريكية» نقلاً عن وزارة الأمن الداخلي أن حالة إرهاب داخلي واحدة مشتبه بها جديدة تشارك فيها منظمات دولية تظهر كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. يشكل الإنترنت وسيلة اتصال محورية تمكن العناصر الإرهابية من التواصل والتجنيد والتدريب على صناعة المتفجرات. ويمثل عادل العثماني مفجر مقهى أركانة بمراكش في 29 ماي 2011 حيث قتل 17 شخصا، نموذجا لإرهاب الإنترنيت. ولا تخفى خطورة الإنترنت على القيادة الأمريكية، إلا أن الجهود المبذولة لا زالت محدودة قياسا لما ترصده الإدارة الأمريكية للحرب التقليدية، فقد سبق أن أكد نيلسون وبودوريان ، الباحثان في شؤون الإرهاب بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن الحرب التي تشنها السلطات الأميركية ضد مثل تلك الشبكة ضعيفة. وقالا إن "المدى اللامحدود للشبكة العنكبوتية يسمح بانتشار المواد المتطرفة بشكل يتعذر ردعه نسبياً". والحقيقة نفسها شدد عليها "مانويل توريس"- المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بابلو دي أولابيدي– في قوله: "إن نشاط منتديات المجاهدين بتنظيم القاعدة على شبكة الإنترنت يمثل السبب الرئيس في زيادة أعداد هؤلاء المجاهدين في الدول الأوربية والعالم بأجمعه، حيث إنه بعيد عن المخاطر التي كانت تواجههم من قبل". وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تنجح في هذه المعركة، فإنها بحاجة إلى "أشخاص من نوع خاص وتدريب وتكنولوجيا"، الأمر الذي يستلزم فتح جبهة جديدة في الحرب ضد الإرهاب ما زالت جهود الولايات المتحدة وغيرها من الدول ضعيفة فيها، لكن ما يتوجب التشديد عليه هو أن الحرب على الإرهاب لم تقض على اسلوب العمليات المسلحة الذي اعتمده تنظيم القاعدة منذ نشأته، بل كلما اعتقدت الولايات المتحدة أنها قضت على التنظيمات الإرهابية في أفغانستان إلا وظهرت أخرى أشد تطرفا وعنفا في مناطق متعددة من العالم. فحين غزت أفغانستان لم يكن لتنظيم القاعدة أي وجود في العراق أو الصومال أو منطقة الساحل والصحراء أو مالي أو نيجيريا أو إندونيسيا. كل هذه المناطق كانت خُلوا من التنظيمات الإرهابية المتطرفة، لكن الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب زادت من تعدد خلاياه وقوتها، ورفعت أعداد ضحاياه إلى أكثر من مليون قتيل في أفغانستان والعراق دون بقية الدول والمناطق التي تنشط فيها التنظيمات المتطرفة. ووفقاً لدراسة أعلنتها إحدى منظمات الحقوق المدنية في فبراير 2010، فإن مثل تلك الجماعات تنمو بسرعة، إذ بلغت نسبة 60 في المائة في العام 2010. ففي المغرب وحده، تم تفكيك ما يزيد عن مائة خلية منذ أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية. لقد غدا تنظيم القاعدة مثل التنين الأسطوري إذا قُطعت له رأس نبتت له رؤوس أخرى. والدليل أن الولايات المتحدة الأمريكية راهنت على مقتل بن لادن ورموز أخرى من أجل القضاء على تنظيم القاعدة أو إضعافه؛ لكن لم يزل خطر الإرهاب بعد مقتل بن لادن قائما، بل اتسعت رقعته واتخذ له رموزا وزعماء أشد ولاء لإستراتيجية بن لادن التي تروم عولمة الإرهاب؛ إذ ظهرت جماعات إرهابية مستقلة تنظيميا عن القاعدة الأم، لكنها تستلهم فكرها وأساليبها حتى ولو لم يكن لها ولاء للتنظيم الأم أو أي ارتباط عضوي وتنظيمي. كما بينت التجربة، خلال الأحد عشر عاما الماضية، أنه قد يسهل تفكيك تنظيم متطرف واعتقال أو قتل أعضائه، لكن لا يمكن اعتقال الأفكار والعقائد التي تؤسس له. لهذا فشلت الحرب على الإرهاب لأنها اعتمدت الأسلوب العسكري والأمني وأهملت الأسلوب الفكري؛ بل إن شيوخ التطرف يحْتمون بقيم الديمقراطية وقوانينها ضد المطاردة والاعتقال، فيستغلون مساحة الحرية لنشر عقائد التطرف والتحريض على الكراهية والقتل باسم "الجهاد". وكثير من شيوخ التطرف وأمراء الدم ينشطون داخل أوربا دون أن تطالهم يد العدالة أو يُرحلون إلى دولهم الأصلية للمحاكمة، وما حالة "أبي قتادة" إلا واحدة من عشرات الحالات. بقلم : سعيد الكحل, أستاذ باحث