نحن فعلا متحضرون... وحدها الدولة ومشروع "التيجيفي" مسؤولان عن حادثة تيشكا 43 قتيلا (إلى حدود ليلة الأربعاء) في حادثة سير واحدة، الأبشع في تاريخ المغرب، والحصيلة مرشحة للارتفاع. لنعدد الأسباب: حالة ميكانيكية سيئة لحافلة رديئة يتجاوز عمرها 22 سنة، لم يستطع السائق التحكم فيها، فتوجه مباشرة نحو الحافة. توجه مباشرة نحو حتفه وحتف أغلبية راكبي الحافلة. هذا هو السبب الرئيسي المحتمل للحادثة (في انتظار نتائج التحقيق). لنضف إلى ذلك عدم احترام فترات الراحة الضرورية للسائق ذي الـ 64 سنة، والذي كان يسوق الحافلة لوحده دون مناوبة؛ وعدم مسؤولية صاحب الحافلة، ولا مراعاته للمراجعات الميكانيكية ولا لعدد الراكبين الواجب نقلهم خلال كل رحلة؛ وعدم وجود أي مراقبة من طرف رجال الدرك والشرطة لتفادي مثل هذه الكوارث (أو تغاضيهم عن المراقبة لأسباب «ما»)؛ ولا مسؤولية شركة الفحص التقني التي منحت وثيقة تثبت، خطأ أو زورا، الحالة الجيدة للحافلة، ووعورة وصعوبة الطريق الرابطة بين ورزازات ومراكش...قد تتعدد الأسباب، لكن النتيجة واحدة والموت واحد والفاجعة واحدة... والتخلف واحد. منذ أسبوع، حين تحدثت عن لا مسؤوليتنا الجماعية في علاقتنا بالطريق، عاتبني الكثيرون على حديثي عن التخلف. واليوم، ترتفع الأصوات معتبرة أن السبب الوحيد لفاجعة تيشكا هي حالة الطريق. لماذا كل هذا العبث؟ لكي نقنع أنفسنا بأننا مواطنون صالحون، وبأن سلوكنا على الطريق سوي، وبأن الانحرافات ليست إلا استثناءات قليلة ليس من حقنا تعميمها؟ لا... اليوم أكررها بكل الغضب، وبكل الوجع الذي خلفته فاجعة الثلاثاء: التخلف والتقدم ليسا فقط بنيات تحتية ونسبة أمية ومعايير تنمية بشرية. التخلف، وهي مسألة متعارف عليها بين عدد من علماء الاجتماع، هو أيضا سلوك جماعي. ولا شك لدي اليوم في تخلفنا المخجل. هل نحن متطورون، بأزيد من 12 قتيلا يوميا على طرقاتنا؟ هل تشكل حوادث السير واللامسؤولية على الطرق مجرد حالات استثنائية لا يحق لنا تعميمها؟ هل السلوكات على الطريق، سواء لدى الراجلين، أو لدى السائقين المهنيين أو لدى السائقين الخواص، تصنفنا في عداد البلدان المتقدمة؟ هل الرشوة المتفشية على الطريق ونظام النقل الطرقي يشرفنا ويرفع ترتيبنا التنموي ليضعنا في عداد الدول المتقدمة؟ أخجل اليوم من كل هذا. أخجل من كل من يعتبر نفسه مواطنا صالحا وسائقا جيدا، ويبرر سلوكاته المتخلفة على الطريق بأن الآخرين هم من يدفعونه إلى ذلك. أخجل من كل صاحب شركة نقل استغل فقر الناس ليبيعهم الموت بأبخس الأثمان (أحد الأصدقاء علق على «فيسبوك» قائلا إن حادثة تيشكا هي موت طبقي... ويا لها من حقيقة مفجعة).لنتوقف عن النفاق وعن مراوغة الذات. لنواجه بشاعتنا وتخلفنا بشجاعة أمام مرآة الواقع: السبب الرئيسي لأغلب حوادثنا على الطريق لا يعود إلى الطرقات. هذه الأخيرة، تستلزم بالفعل مزيدا من الإصلاحات والأشغال والترميم، وتتسبب في جزء لا بأس به من حوادث السير. لكن، لتكن لدينا الجرأة والشجاعة الحقيقيتان لنعترف بأمر نعرفه جميعا في أعماقنا وفي دواخلنا: أغلب حوادث السير يتسبب فيها الطيش وانعدام المسؤولية والرشوة وعدم تطبيق القانون. كيف يمكن لحافلة يتجاوز عمرها اثنين وعشرين سنة، بدون مراقبة تقنية صارمة، يسوقها سائق عمره 64 سنة بمفرده وبدون مناوبة، تقل ركابا يتجاوز عددهم ما هو مسموح به قانونيا، أن لا تتعرض لعشرات الاحتمالات لحوادث سير مميتة، حتى في أحسن الطرقات؟ هذا طبعا لا ينفي مسؤولية وزارة التجهيز التي يجب أن تتكفل بتشييد طرق جديدة، وترميم طرق أخرى في حالة سيئة. هذا أيضا لا ينفي المسؤولية عن الجماعات المحلية التي تترك العديد من الشوارع والأزقة في المدن في حالات كارثية وبدون عناية، لكن اعتبار حالة الطرق، هي السبب الوحيد لحوادث السير كذبة مخجلة ومقززة نداري بها تخلفنا على الطريق. كيف نريد قتلى أقل على طرقاتنا، ونقلُنا الطرقي مازال يعتمد على نظام الرخص – الكريمات، بدل الاعتماد على دفاتر تحملات وشروط مهنية نتعامل بها مع شركات مسؤولة؟ هل كان يكفي نشر لوائح المستفيدين، أم أن ما نحتاجه هو تغيير نظام النقل الطرقي من أساسه من أجل مهنية وحرفية أكثر، ومن أجل احترام أكبر لحياة السائقين والركاب؟ كيف نريد قتلى أقل على طرقاتنا وشركات المراقبة التقنية مازالت تمنح، مقابل الرشوة، شهادات المطابقة لحافلات وسيارات في حالة لا تسمح لها بالتجول على الطرق؟ كيف نريد قتلى أقل على طرقاتنا ونحن نتعامل بتخلف مرضي على طرقاتنا ونسوق بتهور مجنون ونعيش في ظل تساهل بشع في تطبيق القانون (الرشوة، الحملات الموسمية والابتزازية أحيانا، الإحساس الكبير بالإفلات من العقاب، التسامح، التهاون...)؛ بل ونناضل من أجل عدم تطبيقه؟ قد يرفع التنديد بحالة الطرقات وبمسؤولية الدولة معنوياتنا، لأننا سنعتبر حينها أننا أدينا نصيبنا من النضال. قد نقوم، كما البعض، باستغلال هذه الفرصة السانحة لنعتبر أن مشروع القطار فائق السرعة هو السبب في حادثة الثلاثاء البشعة. لكن، لنقف أمام المرآة، لنفتح أعيننا جيدا، ونحن نصرح بملء اقتناعنا المزيف بأننا شعب متحضر على الطريق، وبأننا لسنا مسؤولين بتاتا عن الحوادث التي تحصل على طرقاتنا والتي تحصد أربعة آلاف قتيل سنويا. لنصرخ بملء قناعاتنا الكاذبة بأنه لا السائق ولا الحالة الميكانيكية المهترئة للحافلة تسببا في وفاة 44 شخصا في حادثة واحدة. لنحمل اللوم بهدوء للـ»تيجيفي» ولعبد الإله بنكيران في نكتة سخيفة ربطت بين اسمه وبين (الكيران)، ولننم بعدها مرتاحين، ونحن مقتنعون بأننا على حق، فقط لأننا حملنا المسؤولية للدولة في هذا المأتم البشع... لا سادتي... نحن جميعا مسؤولون عن ضحايا حادثة سير تيشكا. حين لا نحترم علامة «قف». حين نفتخر بأننا سُقنا سياراتنا بسرعة كبيرة دون أن يضبطنا الرادار. حين نتجاوز في الخط المتصل. حين نَتّحِد جميعا لنحارب قانون سير يفترض أن يحد من تهورنا ومن طيشنا ومن لا مسؤوليتنا. حين نفتخر بأن البوليس والدرك مازال يقبل بمبلغ 20 درهما رشوة مقابل إغماض العين عن مخالفاتنا. أرواح كل هؤلاء المساكين مسؤولية على عاتق كل من ساهم بشكل أو بآخر في تغذية هذه الرعونة وهذا التغطرس على الطريق (سائقين وشرطة ودركا وحكومة). وفي انتظار أن تجهز الحكومات طرقا جديدة في مستوى لا تخلفنا المزعوم، فمن حقنا، بل ومن واجبنا، أن نستمر في التعامل وبالعجرفة نفسها على الطريق. فلا أحد سيحملنا المسؤولية... وحدها «الدولة» ستكون مسؤولة... نحن فعلا لسنا متخلفين. بتاتا... بقلم : سناء العاجي, كاتبة