المصالحة الحقيقية ينبغي أن تشمل كل المجالات لأن "الانتهاكات الجسيمة" امتدت إلى عقول المغاربة وذاكرتهم تم تعديل الدستور المغربي منذ يوليوز 2011، وأدخلت على الدستور الجديد مفاهيم عديدة لم تكن متداولة في النصوص القانونية المغربية، كما تحددت ملامح الشخصية المغربية (رغم كل اللخبطة اللغوية والتحايلات المقصودة بغرض التعتيم) في إطار ثقافة التعددية بعد أن كانت تتحدد في إطار الفكر الأوحد والإقصائي. غير أن أمورا كثيرة ظلت على ما هي عليه في تعارض تام مع نص الدستور، ومنها عدد من النصوص القانونية والمفاهيم المعتمدة في نشرات الأخبار وتصريحات المسؤولين الحكوميين، وكذا بوابة المغرب الرسمية في الأنترنيت، حيث لم يتم تصحيح الأخطاء والمغالطات التي كان يتضمنها الموقع بعد أن قامت الدولة بتصحيح نسبي لسياستها في موضوع الهوية. فباستثناء الموقع الجغرافي لبلادنا والذي لم تستطع «بوابة المغرب» تزويره، فقد طالت إيديولوجيا القومية العربية باقي المواد، والحقيقة أن علينا أن نكون سعداء لأن جغرافيا المغرب أيضا لم تبدأ في بوابة المغرب من «جزيرة العرب».في الفقرة المتعلقة بالديموغرافيا ورد ما يلي: «عرف سكان المغرب، عربًا كانوا أو أمازيغا، ـ بشكل رئيسي ـ عن طريق اللغة المتداولة بينهم: العربية أو الأمازيغية. وتوجد بالمغرب أعداد من الأوربيين يتكونون من الفرنسيين والإسبان. بدأت هجرة العرب إلى المنطقة خلال القرن السابع الميلادي، وتعاقبت موجاتهم بين القرنين الأول والعاشر الهجريين، أي السابع والسابع عشر الميلاديين».والواقع أنه لا توجد فقرة أكثر ضحالة من هذه في الحديث عن سكان المغرب، إذ يلاحظ أن «الطابو» الرئيسي لدى محرري هذه الفقرة الغبية هو وجود الأمازيغ على أرض المغرب «منذ ما لا تعرف بدايته» كما قال ابن خلدون، بينما تحدثت الفقرة بوضوح عن تاريخ مقدم العرب إلى هذه الربوع، بل أصبح موضوع الفقرة هو التأريخ للعنصر العربي بالمغرب وليس لسكانه بمختلف مكوناتهم، وبالمقابل تم السكوت عن سكان المغرب من أصل إفريقي جنوب الصحراء، كما تم السكوت التام عن العنصر اليهودي الذي وجد بالمغرب قبل العرب بأزيد من ألف عام. ولم ينس محررو البوابة أن يشيروا إلى مقدم العرب في «موجات» متتالية على مدى أربعة قرون إلى المغرب بغرض إيهام القارئ بأنهم أغلبية ببلادنا، وأنهم قاموا بتذويب العنصر الأصلي الأمازيغي الذي يزعج وجوده هؤلاء الكتاب العباقرة.وأما فقرة التاريخ فقد تم تحريرها على الشكل التالي:«خلافا لأقاليم وبلدان المشرق، لم يكن فتح المغرب بالشيء الهين، فقد استغرق الأمر نصف قرن (من 646م إلى 732م) إذ تم ذلك على يد عقبة بن نافع الفهري، بينما تم فتح الأندلس من طرف طارق بن زياد في عام 788. وباعتناق المغاربة للإسلام ظهرت أول دولة إسلامية بالمغرب هي دولة الأدارسة سنة 788م. وقد كان مؤسس هذه الدولة حفيد الرسول (ص) الشريف مولاي إدريس ابن عبد الله، الذي حل بالمغرب الأقصى فارا من موقعة فخ قرب مكة (786). استقر بمدينة وليلي حيث احتضنته قبيلة أوربة الأمازيغية ودعمته حتى أنشأ دولته».هكذا تم اختزال تاريخ المغرب في فترته الإسلامية، ليبدأ مع الغزوات العربية، لأن الحديث عن تاريخ المغرب العريق لا يسمح بإيراد أخبار العرب الذين لم يكن لهم وجود بعد في هذه الربوع قبل هذه الفترة، ولم يرد أي ذكر لمقاومة المغاربة لكل أنواع الغزو الأجنبي منذ الرومان، ولا لممالك الأمازيع القديمة ولا لبطولاتهم وحضارتهم، لأن الهدف الواضح لـ»بوابة المغرب» هو التعريف بتاريخ العرب لا بتاريخ المغرب. وسوف لن نتحدث عن أكذوبة «تأسيس الدولة المغربية» مع الأدارسة، لأنها أصبحت موضوع علم القاصي والداني.فمتى يتم تصحيح مضامين بوابة المغرب وإيراد المعطيات التاريخية بنزاهة وتجرّد؟ إن المصالحة الوطنية الحقيقية ينبغي أن تشمل كل المجالات، لأن «الانتهاكات الجسيمة» لم تشمل أجساد المغاربة فقط بل امتدّت إلى عقولهم وذاكرتهم أيضا. بقلم: أحمد عصيد, كاتب