جميل أن نجنب بلدنا الفتنة لكن انعدام الثقة في المؤسسات بدأ يبلغ درجة مقلقة أصبح يبدو لنسبة هامة من أعضاء النخبة المغربية والملاحظين كما لو أنّ الذين بيدهم الحل والعقد في إدارة شؤون البلاد يلعبون ويلهون، وكما لو أنهم غير واعين بجسامة المهام الملقاة على عاتقهم: قرارات طائشة، مواقف متسرعة، تصريحات نزقية، تماطل وتلاعب في الملفات الحساسة، شعارات كاذبة، تدابير مرتبكة، مشادات صبيانية، بلاغات غير مدروسة... إلخ. فقد كثر الحديث قبل سنوات عن شيخوخة النخبة والطبقة السياسية، وعن ضرورة «التشبيب» وإفساح المجال «للمواهب الجديدة» في كل المجالات، غير أنه تبين أنّ المشكل يكمن في طبيعة النسق السياسي، الذي يبدو أنه قادر في وقت قياسي على تلقيح أي نخبة، مهما كان سنها والجيل الذي تنتمي إليه، بالفيروسات نفسها التي عانت بسببها النخب المترهلة.هكذا أصبح الناس يشكّون في كفاءة العديد من الأشخاص، سواء في الحكومة أو في محيط الملك، فالطريقة التي تمّ بها تنصيب حكومة بوعود وشعارات نمطية، مع وضع شخص على رأسها أظهر حنكة كبيرة في التنكيت وصنع النوادر المسلية، والطريقة التي يتمّ بها التعامل بين أعضاء الحكومة في ما بينهم، وبين الحكومة والمحيط الملكي، وأسلوب احتواء الملفات الفضائحية وحماية أعضاء العائلات النافذة، والأساليب المعتمدة في عرقلة العديد من المشاريع وإفشالها، إضافة إلى الطريقة التي ما زالت تنتهج في تعيين موظفين سامين، سواء داخليا أو في السلك الدبلوماسي، وتزايد الشعارات التي تتناقض مع الممارسة اليومية ومع واقع المؤسسات الرسمية وسلوك السلطة، والإعلان عن أوراش يتم إجهاضها بعد ذلك مما يشيع اليأس والإحباط. كل هذا وأمور كثيرة أخرى لا يتسع المجال لذكرها، تجعل التعديل الدستوري الأخير يبدو كما لو أنه مجرد أضغاث أحلام، وتجعل الناس يطرحون أكثر من سؤال حول مدى إمكانية الإصلاح أو التغيير «في إطار الاستمرارية»، وهو الشعار الذي رفعته النخب السياسية مع التهليل والتكبير بعد الاستفتاء على الدستور، وهاجسهم إطفاء شعلة الشارع المغربي، وشعارهم «الله إدوّز هاد المرحلة على خير».لقد أضاع المغرب في السنوات الأخيرة فرصا لا حصر لها للمرور نحو المستقبل وتطليق عيوب الماضي، غير أنه يبدو أن قوى التخلف التي لا ترى المستقبل إلا بمعيار حساباتها الذاتية قد نجحت في إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء في عدد من الأمور، لكن ذلك لن يكون إلا مؤقتا، طالما أن مظاهر الأزمة تزداد يوما عن يوم، ما يهدد بانفجار العديد من الأوضاع في حالة عدم تدارك الأمر والقيام بالمتعين لإصلاح دواليب الدولة وإرساء أسس العمل الديمقراطي الحق.جميل أن نجنب بلدنا الفتنة، لكن الأجمل أن نمنح الناس الأمل في إمكان التغيير، لأن انعدام الثقة في المؤسسات بدأ يبلغ درجة مقلقة. بقلم: أحمد عصيد, كاتب