مشاكل إنتاجية تحول دون استمرار البرنامج الفني الوحيد على القناة الأولى مكنت حلقة يوم السبت الماضي من برنامج «حديث الصينية» من كشف جوانب غير مطروقة في حياة الكاتب والشاعر المغربي حسن نجمي وعلاقته بزوجته الشاعرة عائشة البصري، اللذين كان قدرهما الكتابة منذ البداية إذ بفضل رسالة منحها نجمي لرفيقة حياته، خلسة، وهما زميلان في القسم وُضعت الخطوة الأولى في مسار علاقة جمعتهما لأزيد من ثلاثة عقود، وظلت هذه الرسالة، التي ما زالا يحتفظان بها شاهدة على نجاح هذه العلاقة واستمراريتها تحت ظلال الكتابة والإبداع الشعري.الحلقة التي يقدمها عادل بلحجام وبثت على القناة الأولى، كانت فرصة كذلك للشاعر حسن نجمي لاستحضار العديد من ذكريات الطفولة بمدينته الأثيرة «ابن أحمد»، عاصمة امزاب، التي وصفها الشاعر المغربي بأنها «نموذج مصغر للمغرب بعمقه الثقافي والزراعي والاجتماعي».وكانت من أجمل اعترافات حسن نجمي، خلال الحلقة، اعتزازه وشعوره بأنه مدين بالشيء الكثير لوالدته التي استطاعت تربية وتكوين أبنائها بكفاح امرأة وجدت نفسها عرضة وجها لوجه مع صروف الدهر وواجهته بمهنة بسيطة هي «بيع الخبز» الذي كانت تخرج من أجله باكرا إلى الأسواق وبغير قليل من فطرة القرويين وهي المرأة الخارجة من عمق هذا المجال الذي ظل حاضرا في كتابات ابنها مثلما ظل الحضور النسائي في نصوصه مدينا لهذه الأم ولانتمائها القروي يقول نجمي.ورغم أن عائشة البصري كانت تنتمي إلى طبقة اجتماعية غير تلك التي تحدر منها نجمي، إذ كان والدها رجل تعليم ووالدتها ممرضة، فإن الانجذاب الشخصي حصل بينها وبين شريك حياتها وقررا الارتباط في سن مبكر وخططا لذلك وهما على مشارف إنهاء دراستهما الثانوية.واعترفت البصري أن تحملها مسؤولية بيت الأسرة، سرقها في البداية من اهتماماتها الأدبية، خاصة أن زوجها كان مشغولا في تلك الفترة على الدوام بجمعه بين العمل الصحافي ومسؤلياته الجمعوية، في ما بعد، رئيسا لاتحاد كتاب المغرب ومؤسسة «بيت الشعر»، فإنها قررت أن تساعده بالتكفل بتربية الأبناء مقرة أنها لم تكن نادمة على هذا الاختيار.ومن بين الضيوف المميزين الذي حضروا الحلقة لتقديم شهادة في هذين الثنائي الأدبي، الممثلة ووزيرة الثقافة السابقة ثريا جبران، التي قالت إنها حضرت خصيصا من مراكش إلى الرباط لتدلي بشهادتها في حقهما واصفة حسن نجمي بأنه «بدوي قسا على نفسه في العديد من المحطات الصعبة التي مر منها في حياته، كما أن الإنسان ظل بداخله منتصرا، سواء رئيسا لاتحاد كتاب المغرب أو لبيت الشعر، ولعب أدوارا تنسيقية وتواصلية جعلت العديد من المبدعين والشعراء من خارج المغرب يتحدثون عن هذا البلد باعتزاز وكأنهم سفراء له».أما نجيب خداري، رئيس بيت الشعر، فقد مازح عائشة البصري بأن ذكرها بتطبيق نصيحة محمد الأشعري وتؤلف رواية تقتل فيها كل بطلات زوجها في أعماله الروائية، وهو ما دفعها إلى القول إنها لا تغار من هؤلاء البطلات. وبدا من خلال حلقة البرنامج أن التباين في الأذواق والمرجعيات الفنية والأدبية لحسن نجمي وعائشة البصري، لم يفسد للود قضية بينهما، فهي تعشق الموسيقى العالمية خاصة في ثوبها الإسباني، أما هو فليس يخفى على الكثيرين شغفه المعلن بفن العيطة، وهو الشغف الذي دفعه لإنجاز أطروحة قيمة حول هذا الفن، مازالت مرجعا لكل الراغبين في اكتشاف أسرار العيطة التي تشرّب عشقها من البيئة «المزابية» التي نشأ فيها. ودافع حسن نجمي عن اختياره الموسيقي هذا بقوله «العيطة شعر شفوي يعبر عن وجدان ومتخيل المغاربة، وهو أيضا غناء زراعي يمتلك عمقا حضاريا وإنسانيا جميلا» مؤكدا أن اهتمامه بهذا التعبير الشعري يندرج ضمن حرصه على إعادة الاعتبار لكل مكونات الثقافة المغربية وبروافدها المتعددة.وكان طبيعيا أن تكون الاختيارات الغنائية للبرنامج خلال هذه الحلقة متنوعة تعكس تباين ذوق ضيفيه حسن نجمي وعائشة البصري، إذ تجاورت في الحلقة أنماط تراثية لا يخفى ولع نجمي بها مثل مجموعة أولاد بنعكيدة رفقة حفيظة الحسناوية التي أدت ضروبا من العيطة الحصباوية الممتدة في البيئة الثقافية لمنطقة عبدة من خلال عيطتي «العمّالة» و»الخيل أوين»، مثلما انفتحت مجموعة الشيخ جمال الزرهوني على العيطة المرساوية من خلال عيطة «الحداويات» التي قدمتها بآلات لوتار، فيما قدمت مجموعة تكدة كشكولا غنائيا شعبيا.أما الموسيقى العصرية فكانت بأصوات شابة لكل من ليلى البراق وهاجر عدنان وحسناء زلاغ اللواتي قدمن قطعا مغربية عصرية لرواد الأغنية المغربية.ويشار إلى أن حلقة يوم السبت الماضي من برنامج «حديث الصينية» تعد الحلقة الرابعة والأخيرة في الحلقات التي سجلت إلى حدود الآن، بعد أن حالت مشاكل مالية وإدارية بين منفذ إنتاجه إدريس المريني وإدارة القناة الأولى دون مواصلة هذا البرنامج الفني، وعلقت استمراريته حتى إشعار آخر.عزيز المجدوب