حيواناتها صارت أشبه بالأشباح وتجهيزاتها تغري هواة النهب والسرقة «المغاربة مخربون.. هاد الشي ما يليقش ليهم.. اللي بناوه النصارى هادي سنوات جاو هدموه في عشر سنين»، بهذه الكلمات المشحونة كآبة وحزنا استهل رجل ستيني، صاحب محل للمثلجات بحديقة الحيوانات عين السبع، حديثه مع «الصباح». الستيني، الذي لم يشأ أن نكشف هويته، كان يتحدث وهو يشير إلى الحال البئيسة التي صارت عليها أجنحة الحديقة، والحيوانات سيئة الحظ الموجودة بها؛ حال تدمي القلب قبل أن تبكي العيون. معاناة الحيوانات حيوانات وطيور، متوحشة وأليفة، نال منها الهزال حتى صارت أشبه بأشباح وهياكل عظمية منتصبة في بعض أركان الأقفاص التي غطى الصدأ الكثير من أسلاكها وقضبانها. تدهور حال الحديقة وساكنيها من قردة وضباع ودببة وغزلان ونعامات... لا يمكن أن تخطئه العين.تسعيرة تذاكر الولوج في متناول الكل، إن لم نقل إنها بخسة وإنها عارض آخر من أعراض التردي والحال السيئة التي أصبحت عليها هذه الحديقة التي يرجع عمرها إلى حوالي 80 سنة مضت. درهم واحد للأطفال الصغار ودرهمان للبالغين. «واخا رخيصة أش غادي يجيو يشوفو الناس.. البق؟» يتساءل الستيني المسكين باستنكار وحسرة.غزلان المسك التي اعتاد المرء مشاهدتها في وثائقيات الحياة البرية على القنوات المتخصصة وهي تنط في حقول السافانا وأدغال إفريقيا بأجسادها المشعة بياضا وحمرة وهي تتغذى على الأعشاب الخضراء اليانعة وتروي عطشها من مياه الأنهار المتدفقة، تحولت إلى أشباح مسجونة في أقفاص من حديد. بؤس هذه الغزلان المسكينة لا يتوقف على السجن وراء الشبابيك الحديدية، بل يتجاوزه إلى طبيعة ما تأكل وما تشرب. ففي هذه الأقفاص، الشبيهة بحظائر قطعان الأغنام والماعز، لن تجد قطعة عشب واحدة، بل فقط بقايا تبن وقصب يختلط بروث الغزلان والأتربة. أما الظمأ فلا تجد هذه المخلوقات الساحرة والوديعة ما تحاربه به سوى بركة آسنة تنبعث منها روائح حموضة ونتانة شديدة. طعامهم طماطم وجزر صباح اليوم (الثلاثاء الماضي) كانت حركة الزوار داخل الحديقة رتيبة بل تكاد تنعدم. نسأل أحد المكلفين ب»رعاية» حيوانات الحديقة هل السبب هو رمضان أم ماذا؟ «لا هذا هو حالها ديما وخا يكون الويكاند أو العطلة... قلال الناس اللي مازال ما كيلقاو فين يمشيو وكايجيو لهنا»، يقول الرجل وهو يرمي بحبات طماطم، أغلبها فاسد، من وراء القضبان إلى قرد جافا (من آسيا) وصغيره. ينتهي هذا العون ويواصل دفع عربته الصغيرة الصدئة والمهترئة والمحملة طماطم وجزرا لا تجد هذه الحيوانات المسكينة بدا من قضمه لإسكات جوعها.أم وثلاثة من أطفالها يتنقلون بين أقفاص الحديقة بين الطيور والحيوانات، تحت أشعة شمس لاسعة هذا الصباح. يجري الصغار غير عابئين بها. تحاول أمهم أن تحثهم على العودة إلى جوارها في ظل بعض الشجيرات التي يبدو أنها وحدها لها القدرة على الصمود في وجه عوامل الإهمال والنسيان والتخريب. الأطفال لا يكترثون. يحاولون أن يشدوا انتباه إحدى الغزالات، يرمون إليها قطع خبز. المسكينة التي علا الغبار كامل جسدها الهزيل، جراء قلة وسوء التغذية، تتعفف عن تناولها. يواصل الأطفال رمي قطع الخبز إلى غزلان أخريات، لكن بدورها تشتمها وتبتعد إلى ظل توفره بعض الشجيرات التي تنتصب إلى جانب القفص.بجوار هذا القفص يقوم قفص آخر به بضع بطات حالها أسوأ من الغزالات. ريشها يغطي كثيرا من مساحة القفص. تسبح البطات الضامرة أجسادها فوق خط ماء ترسمه قناة إسمنتية، وهي تحاول ربما استرجاع بعض مميزات فطرتها، التي حُرمت منها منذ وُضعت في هذه الأقفاص الضيقة، حيث لا تحيط بها سوى الأتربة والأوحال. الأطفال الذين تابعناهم عند قفص الغزلان، انتقلوا إلى قفص البط والبط ذي العنق الأخضر، حيث حظوا ببعض التفاعل والترحيب، إذ أن البطات المسكينات اللاتي نالت منها سنوات طويلة من الجوع أصبحت تتخطف قطع الخبز اليابس الذي يرمي به الأطفال. تسابق البطات على فتات الخبز يدخل بهجة وسرورا كبيرين على نفوس الصغار. النعامات ليست أفضل حالا ممرات الحديقة تعلوها الأتربة والغبار اللذين يزيدان المشهد كآبة وسوادا. فجأة يُسمع صوت الستيني، الذي كان منهمكا في ترتيب محل المثلجات، صارخا. فتاة صغيرة كانت تعبث بلعبة (بياردو)، وهي واحدة من الألعاب القليلة التي مازالت تضفي على الحديقة بعض الرونق، رغم أن الإهمال نهشها وحولها إلى أشبه بخردوات جوطية حقيرة. «داك الشي اللي خلاوه الكبار غادي يكملوه الصغار»، يقول الستيني، وهو يقصد بالكبار مسؤولي مجلس المدينة والعمالة الذين تركوا هذا المتنفس الطبيعي نهبا للتهميش والتلف والإهمال.حال النعامات الأسترالية وكذلك الأمريكية ليس أفضل من باقي الحيوانات إن لم يكن أسوأ. هذه المخلوقات المغلوبة على أمرها، التي اعتادت أن تعدو في براري أستراليا وسهول هضاب الغرب الأمريكي، تجد نفسها اليوم حبيسة أقفاص صدئة محرومة من كلأ ملائم وماء نقي. غارقة في قفص لا تملأه إلا الأوحال والأتربة. «دابا تجي نوبتها ونعطويها تاكل»، يقول العون المكلف بتوزيع «الكلأ» على حيوانات الحديقة، بعد أن عاد يدفع عربته محملة خضرا من تلك التي يخلفها الخضارون وراءهم. يقصد البركة الآسنة حيث تتجمع خنازير برية. البركة تفوح منها روائح تصيب بالغثيان. «عيطنا لليدك باش يجيو يصيبو ذاك القادوس.. وهادي سيمانة وحنا كنتسناو» يقول الرجل وهو يشير إلى بركة الخنازير التي يختلط فيها الوحل بروث هذه المخلقوات النجسة، إذ تعطلت القناة التي كانت تصرف هذه الأنجاس. محاولة نهب وتخريب الأيائل (جمع أيل، وهو الوعل من فصيلة الغزلان) حالها يدمي القلوب. كلها نال منها الهزال، أما الأتربة فتغطي كل بقعة من القفص الصدئ حيث تقضي ما تبقى لها من أيام قبل أن تنفق على غرار ما حدث لبنات جلدتها طيلة السنوات الماضية. وهو المصير نفسه الذي ينتظر ما تبقى من حيوانات هنا، وفق تأكيدات الأشخاص الذين التقيناهم بالحديقة وهم الذين قضوا فترات غير قصيرة من أعمارهم يعملون بهذه الحديقة. أعراض هذا المستقبل الأسود الذي ينتظر هاته الحيوانات لا يمكن أن تخطئها عين حتى أضعف البشر ملاحظة. أعداد الحيوانات في تضاؤل مستمر، إذ وحدها الأيائل والماعز وحيوانات الرث البرية (الخنزير البري) والغزلان وبعض الطيور مازالت أعدادها تبدو كثيرة، أما الحيوانات الأخرى وفي مقدمتها الأسود والدببة والقردة، فإنها صارت تتضاءل حتى كادت تنقرض عن بكرة أبيها. الأسد الإفريقي لم يبق منه إلا ثلاثة، والدببة كذلك لم يتبق منها إلا زوجان دائما التعارك في بركة ماء استحال لونها إلى أصفر وتنبعث منها روائح مزكمة للأنوف. الأسود الإفريقية المسكينة لا يسمع لها زئير ولا حس. تكتفي بالاستلقاء على بطونها وهي تتطلع إلى الزوار الذين لم يجدوا في مشاهدتها تسلية، بل فقط مشهدا مؤثرا يستدعي التعاطف والتأسف على سوء الحال. تردي الحال وسوء مآل حديقة الحيوانات بعين السبع لم يعد متوقفا على تدهور حال حيواناتها وطيورها من دجاج وحمام وطاووس... فهذا التردي دفع ببعض المنحرفين والمجرمين إلى التطاول على حرمتها رغبة في نهب حديدها وأسلاكها وأخشابها، ولم لا حتى بعض حيواناتها. وهذا ما تؤكده واقعة، سردتها ل»الصباح» مصادر أمنية من منطقة عين السبع، والتي ذكرت أنه بمجرد شيوع غزوة النهب والتخريب اللذين تعرضت لهما حديقة سندباد، حتى سارع ثلاثة شباب وشرعوا في تحطيم ونهب كل ما تقع عليه أيديهم. المصادر ذاتها أكدت أنه تم إلقاء القبض على الشباب الثلاثة بفضل يقظة بعض العالمين في الحديقة، الذين بمجرد أن لاحظوا عمليات النهب حتى سارعوا إلى الاتصال بالأمن. إذ لو نجح الشباب الثلاثة في النجاة بفعلتهم لكان ذلك حافزا لباقي أبناء المنطقة، خاصة المتحدرين من الأحياء الصفيحية، للانقضاض على ما تبقى من هذه الحديقة، التي لم يعد اندثارها وفناء حيواناتها عن آخرها إلا مسألة وقت، طالما لم يبادر أحد من منتخبي مقاطعة عين السبع أو منتخبي مجلس المدينة إلى إزالة آثار هذه الجريمة. محمد أرحمني