fbpx
تحقيق

المحمديـة … التسييـر بالفاتحـة

غياب برامج واضحة وصراعات سياسية يؤدي ثمنها المواطن

لم تعد المحمدية تحمل لقب مدينة الزهور، بعد أن ذبلت جميعها، بسبب النفايات المنتشرة هنا وهناك، وحدة الخلافات السياسية في صفوف المشرفين عليها. وبعد أن كانت هذه المدينة الساحرة قبلة للسياح المغاربة والأجانب، فقدت بريقها، وفضل الزوار تغيير وجهتهم صوب مدن أخرى، خصوصا بالشمال، بفضل التسيير الارتجالي لمجلسها المشكل من اغلبية العدالة والتنمية، وغياب برامج ورؤية إستراتيجية.

منذ سنوات كانت زيارة المحمدية تخضع لطقوس خاصة، فكان على المرء الاستحمام وارتياد أفخر الملابس، إذ سيحل على مدينة ليست عادية، كل شيء أنيق ومرتب ومثير، وقتها كانت جل شوارعها يضرب بها المثل في النظافة، حدائقها الرائعة تسحر الزوار، وشواطئها تصنف في خانة أجمل شواطئ المملكة، رغم قربها من ميناء المدينة، فحتى التلوث الذي كانت تعانيه المدينة بسبب وجود محطة حرارية لإنتاج الكهرباء وأخرى لتكرير البترول، كان متجاوزا ولا يشكل أي إحراج للسكان، لكن في السنوات الأخيرة، وبقدرة قادر تحولت المحمدية إلى قرية، تفشت فيها مظاهر “العروبية”، من نفايات وأحياء صفيحية وعربات مجرورة بالدواب، ما يطرح السؤال، هل عجز مسؤولو هذه المدينة الصغيرة، رغم مصادرها المالية المهمة عن تطويرها نحو الأفضل أو على الأقل الحفاظ على ماضيها العريق؟

استحقاقات قاتلة

ما زال الرأي العام بالمحمدية يتذكر الاستحقاقات الجماعية في 2015، عندما دخل سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، سباق الترشح للمجلس الجماعي، وقتها قطع وعدا كبيرا، قال بالحرف إنه يعد السكان بإعادة تشغيل شركة “سامير” التي توقفت عن الإنتاج، وتصحيح الاختلالات الكبيرة التي تشهدها المدينة.
آمن السكان بوعود العثماني، وصوتوا لصالح حزبه، فظفر العدالة والتنمية بأغلبية المقاعد، وانتخب حسن عنترة رئيسا للمجلس البلدي، لكن لا شيء تحقق بعد هذا النصر، بالعكس، توقفت جل المشاريع الهامة.
تبين بعد فترة من التسيير، أن العدالة والتنمية لا يحمل أي مشروع اقتصادي واجتماعي للمدينة، فبدأ التخبط والعشوائية في التسيير، ولما احتج السكان على أعضاء “بيجيدي”، وذكروهم بضرورة الوفاء بوعودهم الانتحابية، خاطبهم بعض مستشاري الحزب، بالقول ” دعيوا معانا بالتوفيق”، وقتها أدرك الجميع أن المدينة تسير بالفاتحة، وأن عليهم انتظار الاستحقاقات المقبلة للتكفير عن خطئهم.
فئة من داخل المجلس لم يرقها الأمر، وحاولت الانقلاب على الرئيس السابق عنترة، فعمت الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية، لدرجة أن حدة هذه الخلافات استنفرت الرئيس السابق للحكومة عبد الإله بنكيران. حسب مقربين من الحزب، دعا بنكيران الأطراف المتنازعة إلى اجتماع بمنزله ووبخهم بعبارة واحدة” واش مدينة مقدرتوش عليها، راه ديوركم متسيروهاش”.
استمر الخلاف بين تيارين متعارضين داخل العدالة والتنمية إلى أن عين العثماني رئيسا للحكومة وأمينا عاما للحزب، وقتها تقرر إسقاط الرئيس حسن عنترة، وتم انتخاب إيمان صبير رئيسة جديدة. بطبيعة الحال، لم يمر هذا التغيير هادئا بل قدم فيه “بيجيدي” تنازلات عبر تحالفه مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، لدرجة أن هناك همسات بأن مستشاري الاتحاد هم المسيرون الحقيقيون للمجلس الجماعي.

السياحة في خبر كان

كانت المحمدية ملهمة المغاربة، فشكلها الهندسي وصغرها، حولاها إلى قبلة للسياح المغاربة والأجانب، المثير أنها ألهمت فنانين عالميين على رأسهم المغني العالمي الفرنسي “جاك بريل”.
كانت المدينة عبارة عن حدائق منتشرة في كل مكان، ونظافتها المثالية جعلتها سحرا لا يقاوم، واعتكف في فنادقها ومقاهيها ومطاعمها الفاخرة العشرات من المفكرين والمثقفين المغاربة والعالميين، لكن هذه الميزة، انقرضت مع مرور السنين، إذ هجرها السياح صوب وجهات أخرى، فتحولت الحسناء إلى وحش رويدا رويدا.
أول ما يثير زوار المحمدية غياب مواقف السيارات، فرغم الإقبال الكبير الذي تشهده في الصيف، عجز المسؤولون عن تنظيم هذا المرفق، فتحول إلى فوضى عارمة، بسبب العجز على مواكبة العدد الكبير من سيارات الزوار، وفرض أثمنة مبالغ فيها من قبل حراس السيارات، إضافة إلى ذلك، بدأت حدائقها المثيرة والساحرة، والتي ساهمت شركات كبرى في بنائها، من قبيل شركة “سامير”، تختفي شيئا فشيئا، بضعها تحول إلى أطلال، سيما بعد أن تحولت المدينة إلى عاصمة للإسمنت، تنتشر فيها العمارات من كل جانب.
اعترف بعض أبناء المدينة، التقتهم “الصباح”، أن المحمدية كل سنة تشهد تراجعا مخيفا في عدد السياح، ويكفي لقاء مالكي المطاعم والمقاهي والحانات للتأكد من الأمر، خصوصا في خمس سنوات الماضية، والسبب، حسب قولهم، انعدام المرافق الترفيهية وسوء تدبير المسؤولين، فالمدينة لم تعد تغري زوارها كما كان في السابق.
كان من بين أهم المرافق الترفيهية بالمدينة، المسبح البلدي، الذي نافس أهم الشواطئ، رغم أن بناءه تم في حقبة قديمة، لكن في ظروف غامضة أغلق في وجه الجميع. خلال هذه السنة تقرر فتحه في وجه سكان المدينة، وخضع لإصلاحات مهمة في يوليوز الماضي، كلفت حسب مصادر الملايين، لكن دون سابق إنذار، أغلق بقرار من لجنة مختصة، ربما أن الإصلاحات كانت ترقيعية لا غير.

الرياضة … الموت البطيء

في الزمن الغابر، شهدت المحمدية نهضة رياضية غير مسبوقة،
اشتهرت بوجود نوادي الرياضات الأنيقة من قبيل، الكولف والتنس والتزلج على الماء، كما توفرت على فريقين نافسا أعتى الفرق الوطنية، وهما شباب المحمدية والاتحاد، لم يستطع الفريق الثاني مواكبة المنافسة الشرسة، فانزوى إلى قسم الهواة، في حين ظل الشباب يصارع للبقاء في قسم الصفوة، قبل أن تخونه أقدام لاعبيه وعقلية مسيريه، فنزل للقسم الثاني وبعدها غاص إلى قسم الهواة، قبل أن يستعيد هيبته من جديد، ويستعد الموسم المقبل للعودة إلى قسم الأضواء لكن بمجهود فردي من هشام آيت منا من أحد أبناء المدينة.
الملاحظ حسب أبناء المدينة، اختفاء كل ما له علاقة بالجانب الرياضي، ففي فترة سابقة، كانت المدينة تعج بفضاءات رياضية فسحت المجال للجميع بممارسة كل أنواع الرياضات، لكن زحف العمران، ضيق الخناق على شباب المدينة.
يشكر بعض أبناء المدينة الله كثيرا لأنه خلقها ساحلية، فتحول الشاطئ إلى فضاء لممارسة جميع أنواع الرياضات على رأسها كرة القدم، لكن رغم الهبة الإلهية، فإنها غير قادرة على استيعاب العدد الكبير من شباب المدينة، وبالتالي خفت الحماس الرياضي لدى أغلب شبابها.
كان الجميع يراهن على أن يصحح المجلس البلدي هذا الخلل، ويعمل على تقديم دعم للفرق الرياضية بالمدينة، وتخصيص فضاءات جديدة لممارسة الرياضة، لكن لا شيء من هذا تحقق، كأنها رسالة منه أن الرياضة لا تعني له شيئا.

رحم الله الثقافة

كانت المحمدية قبلة للمفكرين والفنانين العالميين، يقول فاعل جمعوي لـ”الصباح”، إنه يكفي أن المغني الفرنسي العالمي “جاك بريل” افتخر بها واعتبرها سر إلهامه، بل اعترف أنه ألف بالمدينة أغنية لقيت نجاحا عالميا كبيرا. لكن يطرح السؤال، ماذا تبقى للمحمدية من نصيبها الثقافي؟ الجواب سيكون دون تردد لا شيء، يؤكد الفاعل الجمعوي، إذ رغم وجود مؤسسات ثقافية بعدد كبير بأحياء المدينة، من بينها مكتبات وقاعات المطالعة ومسرح للهواء الطلق، وغيرها، إلا أنها تعطلت عن العمل، ويكفي المرء القيام بجولة بالمدينة، ليكتشف مظاهر انقراض كل رموز الحياة الثقافية، اللهم مبادرات متطوعين محدودة حاولت إحياء هذا الجانب، لكنها لقيت فشلا ذريعا، من قبيل إحياء معرض الكتاب خلال رمضان بكل من “البارك” والعالية والقصبة.
وأكد فاعل جمعوي أنه من العار أن تحمل هذه المبادرة لقب معرض الكتاب، فهو لا يحظى بإقبال كبير من قبل المواطنين، أو تشجيع من الجهات المختصة، رغم المحاولات الجبارة من منظميه من أجل الحفاظ عليه، سواء من حيث طبيعة الكتب المعروضة وحسن التنظيم، لكن لا شيء يبشر بالخير مستقبلا.
اشتهرت المحمدية بمسرحها الكبير، الذي كلف الملايير لبنائه، لكن المثير أن هذا المسرح خرج من الخدمة قبل العمل به، وأحكم المسؤولون إغلاق أبوابه، باستثناء بعض الأنشطة الفنية المحدودة جدا.
كشف مستشار جماعي أنه تم رفع مذكرة مطلبية للمسؤولين من أجل تخصيص فضاء داخل المسرح، لإحداث إذاعة أو قناة عبر الأنترنت، تشرف عليها فعاليات جمعوية وكفاءات من أبناء المدينة ، لكن هذا المشروع لم ير النور إلى اليوم، إذ يتهم فاعلون جمعويون المسؤولين بالبيروقراطية ووضع عراقيل لإجهاض هذه التجربة.

الأزبال تغزو المدينة

تسبب المشرفون على أمور المحمدية في تقسيم طبقي بين سكانها، قاطنو العالية، التي تضم أحياء الحسنية والرشيدية والنصر، يعانون مشاكل جمة سواء من حيث النظافة والبنية التحتية وانتشار المظاهر الريفية، في حين تتميز منطقة القصبة وأحياؤها بالعصرنة والتميز، رغم أنها بدأت بدورها تفقد بريقها.
وتسببت النفايات في غضبة عارمة لدى السكان وصلت إلى حد تبادل الاتهامات بين المسؤولين بالمجلس الجماعي، خصوصا بعد فسخ العقد مع الشركة المفوض لها تدبير هذا القطاع، والتي حسب بعض المختصين كان تدبيرها لهذا الملف كارثيا.
ورغم تعاقد المجلس البلدي مع شركة جديدة، إلا أن عملها لن يبدأ إلا بعد غشت الجاري، ما يعني تأخيرا في معالجة هذه المعضلة، قد يسبب للشركة الجديدة إكراهات جمة.

الصحة بيد الله

من أكبر المشاكل التي يعانيها سكان المحمدية ضعف الخدمات الصحية، فرغم توفرها على المستشفى الإقليمي مولاي عبد الله، إلا أن خدماته ضعيفة جدا، رغم أن زواره من مدن الجوار من قبيل بوزنيقة وابن سليمان وعين حرودة والضواحي، ما يضطر المريض إلى الانتقال إلى البيضاء، خصوصا المركز الاستشفائي ابن رشد. وبحكم أن المدينة توسعت في السنوات الأخيرة، تم تخصيص مستوصفات لتخفيف الضغط عن هذا المستشفى، إلا أن الأزمة ظلت كما هي.
لكن في المقابل يلقى مستشفى علاج أمراض السل القريب من منطقة “الجوطية”، إشادة كبيرة من قبل السكان، فهذا المستشفى نجح في رسم صورة مشرفة للقطاع الصحي، وأصبح قبلة لكل المرضى من المدينة والضواحي.

إنجاز: مصطفى لطفي / تصوير (عبد الحق خليفة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق